الاقتصاد السياسي للكيانات السياسية الفلسطينية

السبت 2016/01/09

لعل أكثر نواحي ضعف حركة التحرر الوطني الفلسطينية يكمن في اعتمادها في مواردها على المصادر الخارجية وعلى الأنظمة الرسمية، أكثر من اعتمادها على شعبها، سيما في ظل أوضاع لا تنضبط لمعايير ولا لمحاسبة، ومع وجود حركات تفتقد لعلاقات التمثيل، ولحياة داخلية سليمة. هذا الوضع أثر على الحركة الوطنية الفلسطينية، ونجمت عنه انعكاسات سلبية، يمكن تبينها في الآتي:

أولا، هذه الحركة باتت تخضع للاعتبارات السياسية الخاصة بهذا النظام أو ذاك، وفي مراحل معينة باتت بعض الفصائل تشتغل لحساب هذه الدولة أو تلك دون أن تُعدم الادعاءات السياسية التي تغطّي وتبرّر ذلك. وفي كل الأحوال، فقد شهدنا تغير حال الحركة الوطنية الفلسطينية من كونها حركة تحرر وطني إلى سلطة، حتى قبل أن تحقق المهام المنوطة بها، وأقلها دحر الاحتلال من الضفة والقطاع، بالمقاومة لا بالمفاوضة.

ثانيا، مع عجز هذه الحركة عن تحقيق إنجازات حقيقية في مواجهة إسرائيل، بات وجود جيش من المتفرغين في صفوف فصائلها كأنه غاية في حد ذاته، ودلالة على النفوذ والقوة، بحيث بات تأمين الموارد المالية، بغض النظر عن طبيعة النظام، بمثابة ضرورة وطنية. وقد شهدنا أن فصائل يسارية أضحت تعتبر ذلك حقا لها، رغم أن هذه الفصائل تؤاخذ على قيادة المنظمة تعاملها مع أنظمة معينة، دون أن تجد تناقضا بين هذا الموقف وبين مطالبتها بحصتها من “الكعكة” أو مما تعتبره “بيت مال” الفلسطينيين. وطبعا نحن نتحدث عن جيش من المتفرغين، مع شيوع مظاهر الفساد والمحسوبية، وعن عدد يزيد عن 160 ألفا (في المنظمة والسلطة والفصائل)، أو 200 ألف، مع موظفي حماس في غزة، وهي ظاهرة شجعت عليها سابقا الدول الداعمة، كما رسخها واقع قيام السلطة اليوم.

ثالثا، على الصعيد الكفاحي أدت الموارد المالية المتضخمة، مع سوء الإدارة، إلى انعكاسات سلبية أضرت بالحركة الوطنية، فقد شجعا على نفخ الفصائل، وضمنه النفخ في القطاعات العسكرية، وتاليا إدخال المقاومة الفلسطينية في صراعات مع جيوش البلدان التي تواجدت فيها، في الأردن ولبنان، وضمنه التورط في الحرب الأهلية اللبنانية، كما أدى ذلك الدخول في مغامرات عسكرية، ضد إسرائيل، فوق قدرة الفلسطينيين على التحمل، كجزء من ترضية لهذا النظام أو ذاك.

رابعا، بديهي أن ذلك أدى إلى إضعاف المبنى التمثيلي والديمقراطي في بنى الفصائل والمنظمة، بحيث بتنا إزاء فصائل تأسست على التفرغ، ويبدو هذا مصطلحا في محله، وليس مجرد مصادفة، وفي واقع أضحت فيه القيادات بمثابة رب عمل وبات الأعضاء بمثابة قوى عاملة، أكثر من كونهم مناضلين، مع الاحترام لكثير من المناضلين الذين حافظوا على صفتهم تلك. وعلى أي حال فقد نتجت عن ذلك متوالية من علاقات المحسوبية والولاء في هذه الفصائل على حساب المعايير النضالية، سيما أن ذلك أدى إلى غياب التفكير النقدي، وجمود الحركة الوطنية، أي جمود فكرها وبناها.

خامسا، هذا الأمر سرى على كل الفصائل، سواء كانت يمينية أم يسارية، بل إن هذه قلدت “فتح” في كل ما فعلته، في اعتمادها على الخارج، ووجود جيش متفرغ لديها، ومع أجهزة خدمية، وفي أنها لم تحاول تنمية مواردها الذاتية، بالاعتماد على جمهورها.

سادسا، أدى هذا الوضع، أي اعتماد الحركة الوطنية الفلسطينية على الخارج إلى استقلاليتها عن شعبها، بحيث باتت لدينا طبقة سياسية غير خاضعة للمحاسبة، ولا لآليات الضغط المجتمعي، لأن الديمقراطية التمثيلية لا تشتغل هنا، في ظل المحاصصة الفصائلية، أو نظام “الكوتا”. أيضا، ولأن الفصائل لا تعتمد في مواردها على شعبها، لذا بات بإمكان الطبقة السياسية السائدة، أو بإمكان الفصائل أن تضغط على شعبها، وأن تملي عليه ما تريده، لاسيما أنها تمتلك وسائل السلطة، وهي المال والقوة العسكرية والنفوذ الإقليمي، أي الشرعية المتأتية من الخارج وليس من علاقات التمثيل، وهذا أمر شديد الخطورة في واقعنا.

لنلاحظ أننا نتحدث عن متفرغين بات لهم قرابة أربعة عقود، علما أن قطاعا واسعا منهم، منذ خروج المقاومة من لبنان (1983) لا يعمل شيئا يذكر، والأنكى أن بعض هؤلاء، يمكن أن يتبرموا من أي نقد للحال الذي آلت إليه الحركة الوطنية الفلسطينية، بل إنهم، عدا عن كونهم عالة عليها، باتوا بمثابة حجر عثرة أمام أي مسار يمكن أن يؤدي إلى تطويرها.

هذا جانب مهم في تخلف واقعنا السياسي وتخلف فصائلنا، ومشكلتنا أن الكل يعتم على هذا الجانب ويتهرب منه، فالفصائل والعصبية للفصائل باتتا أهم من القضية.

والخلاصة، فإن الاقتصاد السياسي يفرض مفاهيم سياسية جديدة مع بنى وعلاقات، في واقع تنتج عنه طبقة سياسية لا تعيش من موارد شعبها ولا من الدورة الإنتاجية وإنما تعيش من الريع المالي، المتأتي من الخارج.

كاتب سياسي فلسطيني

9