الاقتصاد العالمي يتدحرج نحو دوامة انكماش خطيرة

الاثنين 2015/02/23

يبدو أن الاقتصاد العالمي بدأ يتدحرج بشكل متسارع نحو دوامة انكماش الأسعار، التي تؤدي حتما الى انكماش النمو الاقتصادي، ويكون لها مفعول أحجار الدومينو. فكلما انخفضت الأسعار ضغط المنتجون على أسعار المواد الأولية والأجور، وتتكرر تلك السلسلة في حلقة مفرغة لتزداد الحفرة اتساعا يوما بعد يوم.

جميع الاقتصادات المتقدمة تستهدف معدل تضخم عند 2 بالمئة أو أقل من ذلك بقليل، وهو المستوى الأمثل لإدامة النمو الاقتصادي دون حدوث اختلالات مالية واقتصادية. وهي تخشى من اقتراب التضخم من الصفر، لأنه يمكن أن يقود الى انكماش الأسعار وبالتالي انكماش الاقتصاد.

بوادر هذه الأزمة كانت قليلة قبل انحدار أسعار النفط، الذي ضاعف من المشكلة لأنه أدى لانخفاض معظم أسعار السلع الاستهلاكية.

يستدعي هذا الحديث، المثال الأبرز في التاريخ الحديث، وهو سقوط اليابان في دوامة انكماش الأسعار منذ منتصف الثمانينات، والتي أدت إلى انكماش الاقتصاد في معظم فترات الثلاثين عاما الماضية، رغم فترات انتعاش طويلة في البلدان المجاورة مثل الصين وكوريا الجنوبية وبقية أنحاء العالم.

لم تتمكن اليابان من الخروج من تلك الدوامة إلا بالكاد في الأشهر الماضية بعد أن أغرق البنك المركزي الياباني السوق بالأموال من خلال برنامج تيسير نقدي لم يسبق له مثيل، وقد رفعه مرارا ليصل منذ أكتوبر إلى ضخ 182 مليار دولار سنويا.

وقد أدت تلك السياسات الى خفض قيمة الين بما يزيد على 15 بالمئة منذ يوليو الماضي، لكن كل ذلك لم ينجح في زيادة التضخم إلا لنحو 0.7 بالمئة، رغم إجراءات أخرى كثيرة، مثل فرض ضريبة مبيعات مرتفعة منذ أبريل 2014.

إذا كانت دوامة انكماش الأسعار في اليابان قاسية الى ذلك الحد! ماذا سيحدث لو دخل معظم الاقتصاد العالمي في دوامة انكماش الأسعار وامتد ذلك الى انكماش الاقتصاد العالمي؟

كيف سيتمكن العالم من الخروج من تلك الدوامة، التي ستؤدي الى حروب خفض للعملات وسباق عالمي في خفض الأسعار والأجور؟ قد يجد العالم نفسه في حفرة كبيرة، في وقت يتسابق فيه الجميع في مواصلة الحفر!

انكماش الأسعار في دولة واحدة يعد مأزقا اقتصاديا كبيرا، رغم أنها يمكن أن تخرج منه بإغراق السوق بالسيولة وخفض سعر صرف العملة لترتفع أسعار السلع المنتجة محليا، ولتستورد التضخم من دول أخرى من خلال ارتفاع أسعار السلع المستورة.

أما سقوط الكتل الاقتصادية الكبرى من الاقتصاد العالمي في انكماش الأسعار، فإنه سيؤدي إلى أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل، لأنها ستكون دوامة يصعب الفكاك منها، إذ ستؤدي الى تسابق في خفض الأسعار وخفض الأجور في سلسلة تتكرر وقد لا تنتهي دون نتائج وخيمة، بسبب صعوبة تنسيق سياسات الدول.

في الشهر الماضي انحدر التضخم في منطقة اليورر الى ما دون الصفر حين انكمشت الأسعار بنسبة 0.6 بالمئة وهي مستويات لم يشهدها تاريخ الكتلة من قبل. وقد دفع ذلك البنك المركزي الأوروبي الى برنامج تيسير نقدي لم يسبق له مثيل هو الآخر، يضخ من خلاله 60 مليار يورو شهريا في شراء السندات والأصوال.

كما تراجع التضخم السنوي في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياته منذ 6 سنوات في يناير الماضي ليبلغ 0.8 بالمئة. وتراجع التضخم السنوي في بريطانيا في الشهر نفسه إلى أدنى مستوياته منذ عام 1989 ليصل إلى مستويات مقلقة عند 0.3 بالمئة.

تراجع التضخم السنوي امتد إلى الصين أيضا خلال الشهر الماضي ليصل إلى أدنى مستوياته منذ 5 سنوات عند 0.8 بالمئة، الأمر الذي يرجح أن يتراجع نمو أكبر محرك للاقتصاد العالمي وأكبر منتج للسلع المصنعة في العالم إلى مستويات تقل كثيرا عن التوقعات السائدة.

تراجع معدلات التضخم امتد أيضا الى اقتصادات أخرى كثيرة ومنها الدول العربية المستقرة اقتصاديا مثل دول الخليج، التي يقترب التضخم فيها من 2 بالمئة. أما في المغرب، فقد وصل التضخم خلال شهر ديسمبر الماضي إلى مستويات غير مسبوقة بلغت نحو 0.4 بالمئة بمقارنة سنوية.

الحديث يدور هنا عن الاقتصادات المستقرة ماليا، وهو لا ينطبق على بلدان مثل روسيا وتركيا، اللتين تسجلان مستويات مرتفعة جدا من التضخم، لأن السبب الرئيسي هو تراجع عملاتها، التي فقدت في حالة روسيا أكثر من نصف قيمتها منذ بداية العام الماضي.

ولو أخذنا تراجع الروبل في الاعتبار، وتم احتساب التضخم في روسيا بالأسعار الثابته فإن الأسعار تكون قد انكمشت بأكثر من 35 بالمئة.

الأرقام تؤكد أن منطقة اليورو سقطت فعلا في انكماش الأسعار، ويبدو من المرجع أن تعود اليابان الى الانكماش مع زوال تأثير جميع إجراءات التحفيز النقدي.

وستبدأ هاتين الكتلتين مثل ثقب أسود بسحب الكتل الاقتصادية الأخرى الى تلك الدوامة، لأن انكماش الأسعار فيها سيخفض أسعار صادراتها وهو ما سيسهم في خفض التضخم في الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وبقية دول العالم.

ويدفع انكماش الأسعار عادة المستثمرين إلى العزوف عن المخاطرة في الاستثمار والتحول للادخار في الملاذات الآمنة، مما يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وانخفاض أرباح الشركات وتسابقها لتعميق الحفرة من خلال خفض الانتاج والأسعار والأجور.

جميع المؤشرات تؤكد أن زلزال انكماش الأسعار وما سيتبعه من انكماش الاقتصاد العالمي، أصبح حقيقة يصعب تفاديها، وهو يكتسب زخما متزايدا يوما بعد يوم، وسيضع ضغوطا إضافية على الطلب الإجمالي الضعيف أصلا.

ورغم أن أسعار الفائدة في جميع الاقتصادات المتقدمة قريبة من الصفر، إلا أن معظم المصارف المركزية مثل البنك المركزي الأوروبي والبريطاني أبدت استعدادها لخفض الفائدة، بل إن سويسرا والسويد فرضت سعر فائدة سلبي، وهي ظاهرة غير مسبوقة، قد تربك عمل المصارف الضعيفة.

الإفلات من فخ انكماش الأسعار في بلد واحد يصعب أحيانا على جميع السياسات المالية المركزية. أما في حالة سقوط معظم الكتل الاقتصادية الكبرى في تلك الهاوية، فإن السياسات ستتضارب وتتقاطع في محاولة الجميع للافلات من الحريق.

وستنشب حروب عملات واسعة من خلال لجوء المصارف المركزية إلى وسائل لخفض عملاتها في محاولة للافلات من الهاوية.

إذا وقع هذا السيناريو الكارثي، فإنه سيفرض، بعد أن تعجز الدول عن الفكاك منه، إلى فرض سياسات مالية عالمية موحدة، واسمحوا لي “أشطح” بمخيلتي بعيدا لأقول إنها قد تصل إلى سلطة مالية مركزية موحدة، وربما ربما ربما، الدعوة الى عملة عالمية موحدة ستتدافع الدول للانضمام إليها كطوق نجاة وحيد.

11