الاقتصاد المغربي بين عامين.. قفزات نوعية وانتظارات ملحة

أكد خبراء اقتصاديون لـ”العرب” أن المغرب حقق نقلات نوعية في عام 2015 وتمكن من تعزيز الاستقرار الاقتصادي في بيئة خارجية صعبة. لكنهم قالوا إن أبرز التحديات تتمثل في تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وخفض معدلات الفقر.
الاثنين 2016/01/04
تركيب صورة المستقبل

الرباط- قال اقتصاديون مغاربة في تصريحات لـ”العرب” عما أنجزه المغرب في العام الماضي والآفاق التي تنتظره في العام المقبل، إن المغرب حقق قفزات اقتصادية كبيرة بفضل الاستقرار السياسي وقفزة كبيرة في الصادرات الصناعية، إضافة إلى التشريعات الاقتصادية التي جعلته قبلة للاستثمارات العالمية.

وأشاروا إلى أن سنة 2015 كانت سنة فلاحية جيدة ساهمت في تحسين المؤشرات الاقتصادية، إضافة إلى أن تراجع فاتورة الطاقة نتيجة انخفاض أسعار النفط، كان له أثر إيجابي على مجمل مؤشرات الموازنة المغربية.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن يواصل الاقتصاد المغربي تحسنه على المدى المتوسط ليبلغ النمو بنحو 3.1 بالمئة عام 2016 على أن يصل إلى 5 بالمئة في عام 2020 مرتفعا من 4.7 في المئة المسجلة العام 2015.

وشهد العام الماضي سنة تحرير الحكومة المغربية لأسعار الوقود، لكن الخبراء قالوا إن الخطوة رغم مزاياها الكثيرة قد تشعل منافسة حادة بين الشركات العاملة في هذا القطاع الحيوي، في عام 2016.

الأقاليم الجنوبية مركز جذب

وشكلت الأقاليم الجنوبية للمغرب مركز اهتمام الرباط في نهاية العام الماضي، بعدما أطلقت استراتيجة النموذج التنموي الجديد في نوفمبر الماضي بميزانية قدرت بنحو 7.8 مليار دولار تسعى إلى توفير 120 ألف فرصة عمل وتعزيز التنمية في الصحراء المغربية. وفي هذا الإطار قال الخبير الاقتصادي محمد ياوحي لـ”العرب”، إن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سينعكس إيجابيا على الاقتصاد المغربي ككل في السنوات المقبلة.

رضا الهمادي: دخول الصلاحيات اللامركزية الجهوية الموسعة حيز التنفيذ من أكبر الإنجازات

وأوضح أن الأنشطة الإنتاجية مثل قطاع الفوسفات والأسمدة سيعود بالفائدة على جميع المزارعين المغاربة، إضافة إلى أنه سيجعل من الصحراء المغربية قطبا تنمويا اقتصاديا ولوجيستكيا منفتحا على أفريقيا.

وأكد ياوحي أن هذا النموذج التنموي متكامل ورائد في الديمقراطية الاقتصادية في المغرب، ويؤسس لمشروع تنموي لكل جهات البلاد، كونه يراعي البعد الاجتماعي ويثمن الثروة المحلية عن طريق انعاش الحياة الاقتصادية للسكان.

وحول الآفاق المنتظرة من هذا النموذج في السنة المقبلة، قال ياوحي إنه سيساهم في خفض العجز في الميزان التجاري، إضافة إلى أن الصادرات ستسهم في زيادة احتياطات العملة الصعبة.

وأوضح أن تلك الاستثمارات ستعطي نقلة نوعية للبنية التحتية خصوصا الطرق التي ستربط الشمال المغربي بالجنوب، ما سينعكس على خفض تكاليف التسويق وتشجيع السياحة الداخلية، و ما سينعكس ايجابيا على الاقتصاد الوطني.

وشدد أستاذ الاقتصاد في تصريحاته لـ”العرب” على أن استثمارات الدولة في الأقاليم الجنوبية ما هي إلا أرضية أولية لاستقطاب استثمارات خاصة وطنية ودولية لتنمية المنطقة في عام 2016 وما بعده.

2015 سنة الاستثمارات

وأظهرت بيانات مكتب الصرف المغربي أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المغرب بلغت في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي نحو 2.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.85 مليار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بارتفاع نسبته 16.4 بالمئة.

وشهد العام الماضي توقيع مجموعة بيجو – ستروين الفرنسية اتفاقا مع الحكومة المغربية لبناء مصنع لتجميع السيارات متوسطة الحجم في منطقة القنيطرة شمال الرباط، وهو الأكبر من نوعه الذي تقيمه المجموعة في المنطقة العربية – الأفريقية. ويسعى المصنع الذي تقدر استثماراته بنحو 632 مليون دولار إلى إنتاج 200 ألف سيارة سنويا موجهة إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط بحلول عام 2019.

وقال كارلوس أنتونيس تافاريس المدير التنفيذي في مجموعة بيجو- ستروين، إن اختيار المغرب لإنشاء المصنع جاء لأسباب منها البنية التحتية والمستوى التعليمي والمهني بالنسبة إلى الأفراد والطاقة الاستيعابية اللوجيستية، إضافة إلى اهتمام المغرب بالمشروع وإيجاد نقطة تلاقي مصالح الشركة والدولة المغربية.

ووجه المغرب اهتمامه للاستثمارات اليابانية، بهدف توفير فرص العمل ونقل وتوطين التكنولوجيا، حيث أكد المدير العام لمجموعة “ميتسو” اليابانية، على اهتمام المجموعة بمناخ الأعمال في المغرب ورغبتها في الاستثمار فيه.

وتوقع رضا الهمادي رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية، في تصريح لـ”العرب”، أن يصل استثمار الإدارات العامة والشركات الحكومية إلى نحو 19.7 مليار دولار في عام 2016 في مؤشر إيجابي يضمن بعض الأوكسيجين لدوران عجلة الاقتصاد الوطني.

المكتسبات والانتظارات

وقال الهمادي، إن أبرز مكتسبات عام 2015 كان الشروع في إصلاح أنظمة التقاعد وإعادة ضخ جزء من الأموال التي كان يستهلكها صندوق الموازنة في صناديق التماسك الاجتماعي (صندوق دعم الأرامل).

وأضاف أن ذلك فتح نقاشا حول جدوى توزيع مبالغ كبيرة على الفئات الهشة عوض ضخ هذه المبالغ في الدورة الاقتصادية حتى تضمن فرصا حقيقية ومستدامة لتلك الفئات.

محمد ياوحي: النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سينعكس إيجابيا على الاقتصاد المغربي

وأكد أن من أهم الإنجازات التي شهدها العام الماضي هو دخول الصلاحيات اللامركزية الجهوية الموسعة حيز التنفيذ، والتي تعطي للجهات استقلالية في تدبير جزء كبير من الشأن الاقتصادي، ويمنحها إمكانات كبيرة لإنعاش النشاط الاقتصادي.

وأشار الهمادي إلى أنه رغم حفاظ الحكومة على توازناتها الماكرو اقتصادية، فقد كلفنا المزيد من القروض من صندوق النقد الدولي، ومزيدا من ضرب القدرة الشرائية للمواطنين عن طريق إصلاح صندوق الموازنة، ثم التلكؤ الواضح في الحسم في إصلاح ضريبي شامل ينعش مداخيل الدولة ويقيها شر اللجوء إلى السوق الدولية لإنعاش الخزينة.

وتوقع أن يستقر أداء الاقتصاد الوطني عند معدل نمو يُقدر بنحو 2.4 في المئة العام المقبل، بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي وضعف النمو في منطقة اليورو، التي من المرجح أن تنمو بمعدل 1.7 بالمئة في العام المقبل.

ورجح أن يتلقى الاقتصاد المغربي تبعات الارتفاع المرجح لأسعار النفط في عام 2016 لكون الاقتصاد الوطني مرتبطا بالوضع داخل الاتحاد الأوروبي وأسعار النفط الدولية وحجم الإنتاج الزراعي المحلي.

وأكد رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية ضرورة تقييم المجهود الاستثماري الذي بذلته الدولة المغربية خلال العشر سنوات الأخيرة، وذلك بدراسة تأثير الاستثمارات المنجزة على المدى المتوسط والبعيد، ومدى استفادة الاقتصاد المغربي منها.

وأضاف أن الهدف هو إعادة توجيه الاستثمارات العامة نحو المجالات التي تحقق أكبر مستويات استفادة للاقتصاد الوطني، وإعادة ترتيب الأولويات لتأخذ بعين الاعتبار الدراسات التقييمية و ليست فقط الدراسات المستقبلية.

وقال رشيد أوراز، الباحث الاقتصادي في المركز العلمي العربي للدراسات والأبحاث الإنسانية، لـ”العرب” إن انتظارات عام 2016 ستكون منصبة على التعامل الجاد مع تأخر الإصلاحات البنيوية التي ينتظرها الاقتصاد المغربي، للتحول من بنية الريع وتأثير التقلبات الظرفية المحلية والدولية على الاقتصاد الوطني.

وأكد أن صندوق المقاصة يعد من بين الملفات الكبرى التي تنتظر إصلاحا جوهريا في المغرب خلال 2016، لكون الصندوق الذي أنشئ لدعم المستهلكين، أصبح يستهلك اليوم أكثر مما يستحق، إضافة إلى ملف أنظمة التقاعد الذي شكل مصدرا للاحتجاج على الأداء الحكومي.

11