الاقتصاد الموازي للحوثيين يهدد القطاع المصرفي اليمني

الحوثيون يعملون على تأسيس اقتصاد مواز في مناطق سيطرتهم بعيدا عن أي تأثيرات للحكومة الشرعية ومؤسساتها المالية وهو ما سيضر بالسياسة النقدية في اليمن.
الأربعاء 2020/11/25
العبثية لا تفرض الاستقرار المالي

تهدد منظومة الاقتصاد الموازي التي أسستها جماعة الحوثي بتدمير القطاع المصرفي في اليمن، حيث يعرقل الحوثيون خطط الحكومة في ضبط سياسة نقدية تضمن توازن أسعار الصرف نظرا لتعنتهم في رفض التعامل بالطبعات النقدية الجديدة وتدخلهم المباشر في عمل البنوك وإخفاء البيانات المصرفية عن الجهات المانحة ما يسيء لسمعة البلد المالية ويهدد كامل المنظومة المصرفية بالانهيار.

عدن- تسببت الحرب الاقتصادية بين الحكومة اليمنية والحوثيين في نشوء حالة ازدواج في المؤسسات المالية، سواء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليا، أو المناطق التي ما زالت في قبضة الجماعة الحوثية.

ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الصراع بين المؤسسات المالية والنقدية والذي بلغ ذروته بعد نقل الحكومة اليمنية البنك المركزي اليمني إلى العاصمة المؤقتة عدن في أواخر العام 2016، قد فاقم من انهيار العملة اليمنية الريال بشكل متسارع.

ويؤكد الخبراء أن التباين في سعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية الأخرى بين مناطق الشرعية ومناطق الحوثي، ناتج عن اختلاف السياسات النقدية، وتعزيز الحوثيين من إجراءاتهم الرافضة لقرارات البنك المركزي في عدن، ومنعهم التعامل بالطبعات النقدية الجديدة الصادرة عن البنك، إضافة إلى تنفيذهم إجراءات قاسية بحق البنوك والمصارف وشركات الصرافة التي تتعامل مع البنك الرئيسي في عدن.

فاروق مقبل الكمالي: بنك عدن اتبع سياسة مضبوطة وبنك صنعاء انتهج سياسة مغلقة
فاروق مقبل الكمالي: بنك عدن اتبع سياسة مضبوطة وبنك صنعاء انتهج سياسة مغلقة

ووفقا لمصادر مصرفية يمنية، يعمل الحوثيون على تأسيس اقتصاد مواز في مناطق سيطرتهم بعيدا عن أي تأثيرات للحكومة الشرعية ومؤسساتها المالية، في ظل فشل الأمم المتحدة في عقد أي هدنة اقتصادية بين الطرفين، للتقليل من الآثار الاقتصادية والمعيشية على حياة اليمنيين.

ويعتبر الصحافي اليمني المتخصص بالقضايا الاقتصادية فاروق مقبل الكمالي أن “الاختلاف في سعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية بين صنعاء وعدن أحد مظاهر التأثير المباشرة للانقسام الحاصل في السياسة المصرفية بينهما وانتهاج كلّ منهما سياسة مختلفة عن الآخر”.

ويؤكد الكمالي في تصريح لـ”لعرب” أن “الانقسام المصرفي حصل بعد نقل البنك المركزي إلى عدن وهو قرار – حذر منه جميع المختصين في الاقتصاد”.

وأوضح “تم نقل البنك المركزي بعملية غير مكتملة ظل على إثرها بنك صنعاء يقوم بدور لا يستهان به لفترة طويلة، ما أتاح له أن يتحول إلى بنك مواز داخل الدولة، خاصة بعد أن تمت طباعة كمية جديدة من النقود بمواصفات مختلفة عن الطبعة القديمة وبالتالي صار لبنك عدن عملة جديدة ولبنك صنعاء عملته القديمة وهكذا صار لليمن بنكان وعملتان بنفس الاسم وحلت الكارثة بتغيير السياسة النقدية بين صنعاء وعدن”.

ويؤكد الكمالي أن “البنك المركزي في عدن انتهج سياسة قائمة على العرض والطلب، فيما بنك صنعاء انتهج سياسة مغلقة، بحيث يبدو الأمر كما لو أن صنعاء وضعت سعرا محددا للعملات الأجنبية غير معلن ولا يمكن تجاوزه من قبل الصرافين والبنوك حيث يظهر سعر الصرف بصنعاء مستقرا عند حدود 600 ريال يمني للدولار و160 ريال للريال السعودي، لكنه ليس كذلك، حيث يرجع هذا الاستقرار الشكلي إلى شح السيولة من الريال اليمني في مناطق حكومة صنعاء في مقابل وجود سيولة كبيرة جدا من الريال اليمني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في عدن.

ويحمل الرئيس التنفيذي لبنك التسليف الزراعي اليمني (كاك بنك) حاشد الهمداني، الحوثيين مسؤولية الإضرار بالاقتصاد اليمني من خلال الإجراءات التي اتخذوها في مناطق سيطرتهم تجاه البنوك. واعتبر الهمداني في تصريح لـ”العرب” أن هذه الإجراءات مؤشر خطير جدا سيلحق الضرر بالبنوك اليمنية وسمعتها وتعاملاتها الخارجية، حيث إن تدخل الحوثيين المباشر في عمل البنوك يفقدها استقلاليتها.

حاشد الهمداني: تدخل الحوثيين المباشر في عمل البنوك يفقدها استقلاليتها
حاشد الهمداني: تدخل الحوثيين المباشر في عمل البنوك يفقدها استقلاليتها

وعن مظاهر التدخل الحوثي في عمل البنوك اليمنية، يقول “يقوم الحوثي بمنع إرسال البيانات المالية للبنوك لقطاع الرقابة على البنوك في البنك المركزي بعدن كونه المخول بتقديم البيانات لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات الدولية ذات الصلة بصفته الجهة الشرعية المسؤولة أمام المجتمع الدولي وفي ظل استمرار منع الحوثيين البنوك من إرسال تلك البيانات سيؤثر ذلك على البنوك اليمنية ويضر بسمعتها وقد تصل الإجراءات إلى إيقاف التعاملات مع البنوك اليمنية في نهاية المطاف”.

ولفت الهمداني إلى أن “الإجراءات الحوثية لا تتوقف عند تعطيل عمل البنوك، حيث انعكس منع الحوثيين تداول العملة الجديدة في مناطق سيطرتهم على المواطن اليمني بشكل رئيسي”.

وساهم هذا الإجراء في خلق سوق سوداء جديدة، حيث تصل تكلفة التحويلات الداخلية إلى 40 في المئة من قيمة الحوالة بالإضافة إلى توقف قطاع الأعمال والقطاع الخاص في تلك المناطق وتأثر القطاع الخاص بسبب انخفاض الاستيراد وتأثيره على العملة الصعبة”.

ويشير الهمداني إلى أن “كل هذه العوامل تضافرت مع عوامل أخرى ساهمت في انهيار الريال اليمني، منها الجانب السياسي والأمني وأيضا طباعة أوراق جديدة”.

وحول أسباب الانهيار المتسارع في العملة اليمنية والتباين في سعر صرف العملات بين مناطق الشرعية والحوثي، قال فارس الجعدبي عضو اللجنة الاقتصادية ومستشار المجلس الاقتصادي الأعلى في الحكومة اليمنية لــ”العرب” إن “الميليشيات الحوثية منذ انقلابها على الشرعية وهي مستمرة في تنفيذ سلسلة من إجراءات التدمير الاقتصادي ابتداء من مصادرة إيرادات الدولة وإيقاف صرف الرواتب وحملات جمع التبرعات لدعم البنك المركزي، وتحصيل رسوم غير قانونية لدعم المجهود الحربي الحوثي وإصدار بطاقات التمويل الوهمية”.

فارس الجعدبي: الميليشيات الحوثية مستمرة في تنفيذ سلسلة من إجراءات التدمير الاقتصادي
فارس الجعدبي: الميليشيات الحوثية مستمرة في تنفيذ سلسلة من إجراءات التدمير الاقتصادي

وامتدت التجاوزات إلى فرض تحصيل “الخمس” من ثروات البلاد والمواطنين بدوافع عنصرية وعرقية، إضافة إلى قيامها بمنع تداول العملة الوطنية الجديدة، وإرهاب التجار لمنعهم من الالتزام بضوابط وقوانين تنظيم التجارة التي تديرها الحكومة الشرعية وتحصيل الجمارك من التجارة البينية للسلع المحلية بين المحافظات، وإدارة السوق السوداء للمشتقات النفطية والسلع الأساسية، وإعاقة برنامج أعمال المساعدات والإغاثة الإنساني ونهب جزء كبير منها، وحتى قيامها بمصادرة أموال الصرافين وإغلاق البنوك ومنعها من الالتزام بالضوابط الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب”.

ويؤكد الجعدبي أن “كل ذلك تقوم به الميليشيات الحوثية بهدف تمويل نشاطها، والاستحواذ على الثروة وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني والقطاع التجاري فيه وتركيز السيطرة عليه في يد قيادات تابعه لها، وكذلك من أجل الاستغلال السياسي للأزمات الإنسانية والانهيار الاقتصادي الذي تتسبب به تلك الإجراءات، أمام المجتمع الدولي.

وتابع “حقيقة فإن تلك الإجراءات تعد سببا رئيسيا في الانهيار الاقتصادي وتشظي الاستقرار النقدي والتمهيد لانفصال اقتصادي واضح بين المناطق المحررة والمناطق الخاضعة لهم، كما أدت إلى إعاقة صرف رواتب المدنيين في تلك المناطق والدفع بتركيز المضاربة على العملة في العاصمة المؤقتة عدن وخلق أزمة سيولة في مناطق الخضوع لهم، وإعاقة حرية التجارة ونقل البضائع والنقود بين المناطق، وما يلاحظه المواطن اليمني من ارتفاع في الأسعار وانهيار للعملة، وازدهار للسوق السوداء، وتدني الوضع الإنساني، ما هي إلا أعراض الإجراءات الحوثية التي أشرنا إليها”.

التباين في سعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية الأخرى بين مناطق الشرعية ومناطق الحوثي، ناتج عن اختلاف السياسات النقدية

ويلفت عضو اللجنة الاقتصادية ومستشار المجلس الاقتصادي الأعلى في الحكومة اليمنية إلى تصعيد الميليشيات الحوثية مؤخرا في حربها الاقتصادية من خلال التركيز على إغلاق البنوك وتهديدها لمنعها من الالتزام بتعليمات البنك المركزي اليمني في عدن، والخاصة بتطبيق الضوابط الدولية للالتزام والشفافية ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي خطوة غير مسؤولة ستؤدي حتما إلى تصنيف المنظمات الدولية النقدية لليمن ضمن قائمة الدول اللا بنكية كما هو الحال في دول شبيهة كإيران وكوريا الشمالية، حيث يتم إيقاف الاعتراف والتعامل مع النظام المصرفي في الدول المصنفة، ويمنع تعامل جميع بنوك العالم مع أي بنك ينتمي إلى تلك الدول، وهذا يهدد بانهيار اقتصادي أكبر وتدهور إنساني أعمق”.

ويؤكد الجعدبي أن “الحكومة الشرعية والبنك المركزي اليمني في عدن يبذلان بالتنسيق مع القطاع الخاص والعام كل الجهود لمنع حدوث ذلك، وإنقاذ الاقتصاد المحلي، وعملته المحلية من مزيد من الانهيار الذي يخصص الحوثيين لوقوعه، ويقامرون به لتحقيق نصر في معركتهم مع الشعب اليمني ودول المنطقة والعالم”.

11