الاقتصاد الواهن أقرب الطرق إلى التطرف في شمال أفريقيا

تمويل الإرهاب يتم عبر التهريب والمخدرات، وثقافة الاحتطاب تزود المتطرفين بالمبررات الفقهية.
الخميس 2018/07/12
اقتصاد هامشي يغذي الإرهاب

لئن تعتبر الدراسات التي ترجع انخراط الشباب في الإرهاب إلى دواع اجتماعية واقتصادية، دراسات متسرعة وقابلة للتنسيب، فإن الاطلاع على الأنشطة الاقتصادية التي تغذي جماعات الإرهاب أصبح منطلقا ضروريا لفهم الظاهرة وتفكيكها، فعلاقة الإرهاب بالتهريب وتجارة المخدرات في منطقة شمال أفريقيا التي أثبتتها الوقائع، تفرض على المهتمين ضرورة إيلائها ما تستحق من فهم، والغاية هدم الأعمدة الاقتصادية التي تستند إليها التيارات المتطرفة.

فككت السلطات الأمنية المغربية نهاية الأسبوع المنقضي خلية متطرفة جديدة يرتبط أفرادها بتنظيم داعش الإرهابي، الذي بات أكثر تركيزا في الفترات الأخيرة على منطقة شمال أفريقيا ومنها المغرب، في إطار محاولاته لإعادة ضخ الدماء في التنظيم الذي تهاوى في العراق وسوريا منذ نحو عام، ويسعى إلى التغلغل في القارة الأفريقية.

لكن التطور الجديد الذي يسترعي الانتباه هو أن الخلية الأخيرة المفككة يشتغل أفرادها الأربعة، الذين ينحدرون من أربع مدن مختلفة، في مجال الاقتصاد غير المهيكل، حيث كانوا يعملون باعة متنقلين أو “متجولين” بحسب التعبير الشائع بالمغرب. وهذه هي المرة الثانية خلال ثلاثة أشهر يتم فيها تفكيك خلية يعمل عناصرها في هذا القطاع الذي لا يخضع لأي مراقبة قانونية أو إدارية، كلهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والعشرين والثلاثين عاما.

ويبدو من الواضح أن التغلغل وسط هذه الفئة الاجتماعية الهشة، التي لا تستفيد من أي عائد اقتصادي وتعمل في ظروف صعبة وغير قارة، وتتميز بانخفاض مستوى التعليم، وتنحدر غالبيتها من الأحياء الفقيرة ودور الصفيح التي تشكل حزاما للفقر حول المدن الكبرى، يرمي إلى تحقيق أعلى درجة من التخفي عن أعين السلطات الأمنية، وتحقيق سرعة أكبر في عمليات التجنيد في صفوف الشباب، بسبب قابلية هذه الفئة للسقوط في براثن التطرف كرد فعل على الظروف الاجتماعية الصعبة، وسهولة زرع خطاب سياسي عنيف ومتطرف لديها، كتفسير جاهز لمعاناتها.

وقد أصبحت هذه الفئة تشكل خطرا أمنيا متزايدا، مع تزايد التهديدات الإرهابية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت آليات مساعدة على الاستقطاب والتجنيد لفائدة الجماعات الإرهابية، مما دفع السلطات المغربية إلى التركيز عليها بشكل أكبر.

وتشير دراسة أنجزها الاتحاد العام لمقاولات المغرب عام 2014 حول وضعية الاقتصاد غير المهيكل في المغرب، إلى أن هذا القطاع يمثل أكثر من 20 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، ويشغل أكثر من مليوني شخص.

وأوضحت الدراسة أن 54 بالمئة من حصة الاقتصاد غير المهيكل متواجدة بقطاع النسيج والألبسة، و32 بالمئة في مجال نقل البضائع عبر الطرق، و31 بالمئة في مجال البناء والأشغال العمومية، و26 بالمئة في الصناعة الغذائية والتبغ، وهذا النوع الأخير، مع قطاع النسيج والألبسة الرخيصة، هما الأكثر انتشارا في صفوف الشباب الذي يتدين اليوم بالتدين السلفي، منذ أن ظهرت هذه الموجة قبل نحو عقدين من الزمن، وأصبحت اليوم ملجأ للجماعات المتطرفة التي تصطاد منها ضحاياها.

لا تفتأ التقارير الدولية تركز على أهمية اجتثاث الإرهاب من جذوره من خلال ضرب الأعمدة الاقتصادية التي يستند إليها

ويعمل المتطرفون، الذين يتحركون من وراء ستار العمل الإحساني والمساعدة الاجتماعية، على تقديم قروض صغيرة للشباب العاطل لفتح مشروعات صغرى للتجارة أمام المساجد والمعامل التي تشغل المئات من العاملين من الجنسين في إطار التعاقد الموسمي، وفي الأحياء الشعبية بالمدن. وعن طريق تلك القروض يتم ربط الفرد بالتنظيم غير المرئي، بحيث يصبح خاضعا لشبكة من دون قيادة واضحة، ومدينا لها لقاء تلك المساعدات التي يتلقاها. وبالتدريج يتحول الفرد إلى اعتناق الفكر التكفيري المتطرف عن طريق استقطابه إلى جلسات ليلية سرية بعد الانتهاء من العمل.

بيد أن هؤلاء الشباب في مرحلة ثانية يصبحون أدوات للاستقطاب. فبعد أن يتم شحن أدمغتهم بأفكار التطرف، التي توظف معاناتهم الاجتماعية وحالة التهميش التي يعيشونها، يتحولون إلى أدوات لاستقطاب أشخاص آخرين وتجنيدهم في تلك الشبكات المتطرفة. ذلك أن التجارة الصغيرة المتنقلة تجعلهم قريبين من الأوساط الشعبية الفقيرة، وكثيري الاحتكاك بأفرادها، حيث يستغلون هم أيضا نفس الأسلوب الذي استُعمل معهم في البداية، فيتعاملون بالقرض أو الإحسان المجاني مع المستهلكين الصغار، الأمر الذي يمكنهم من نسج شبكة واسعة من العلاقات.

تفكيك هذه الخلية في المغرب يعيد إلى الضوء تجربة الجماعات الإرهابية في منطقة شمال أفريقيا وإقليم الساحل مع الاقتصاد السري، أو ما صار يسمى في أدبيات دراسات الحركات الجهادية بـ”الاقتصاد الإجرامي”، ويشمل اللجوء إلى اقتصاد الهامش الذي يساهم في “إدماج” الشباب المرشح للتجنيد عبر تمويلات صغيرة، والتهريب عبر الحدود في البلدان الأفريقية التي تتسم بنوع من الهشاشة وضعف المراقبة واتساع الحدود، وهو ما قامت به داعش في العراق وسوريا عبر تهريب النفط لتمويل آلتها الحربية الإرهابية، وطلب الفدية مقابل الإفراج عن الرهائن الأوروبيين، والقيام بأعمال السطو والإغارة للحصول على ما يسمونه الفيء، ثم غنائم المعارك المسلحة التي تخوضها بعض هذه الجماعات الإرهابية ضد الجيوش النظامية في عدد من البلدان الأفريقية، كالنيجر ونيجيريا ومالي وبوركينا فاسو، على نحو ما كان يحصل في الجزائر إبان العشرية الدموية التي استمرت من بداية تسعينات القرن الماضي إلى عام 1999، عام إعلان الوئام الوطني.

وتشكل منطقة الساحل والصحراء أخطر المناطق في العالم التي تشهد رواجا لتجارة تهريب المخدرات والأسلحة، إذ تعد ساحة آمنة للتنظيمات الإرهابية التي تستفيد من عوامل عدة تصب في صالحها، كالحدود المفتوحة ذات المساحة الواسعة، واعتماد القبائل بشكل كبير على التجارة الهامشية في نشاطها الاقتصادي طيلة عقود، الأمر الذي يوفر لهذه التنظيمات ملاذا آمنا وسط السكان بعيدا عن رقابة السلطات المركزية، والفساد السائد في عدد من بلدان المنطقة، ما يتيح للجماعات المتطرفة الاستفادة من هامش من الحرية في الحركة، وضعف التدريب لدى عناصر الجيش التابع للدولة وفقر الإمكانيات اللوجستية، زد على ذلك وجود شبكات ناشطة في مجال التهريب بكل أشكاله منذ بداية التسعينات، حين برزت ظاهرة الهجرة السرية نحو أوروبا، وتهريب المخدرات، الأمر الذي سهل مهمة الجماعات الإرهابية التي انخرطت في تنسيق مع هذه الشبكات، على أساس ضمان الأمن في المعابر لهذه الأخيرة، مقابل تقديم خبراتها وخارطة المسالك لأفراد الجماعات الإرهابية.

وحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المكلف بالمخدرات والجريمة عام 2014، فإن تهريب المخدرات يدرّ ما لا يقل عن مليار دولار ونصف المليار سنويا، وهو مبلغ ضخم يسمح بتقدير حجم الأموال التي يمكن أن تكون من نصيب الجماعات الإرهابية. هذا فقط في ما يتعلق بالمخدرات، فما بالنا إذا أضفنا الأنواع الأخرى من التهريب التي تشمل البشر والسلاح والمحروقات والسجائر والكحول والفديات وما يدعى بالغنائم.

وتشكل هذه المصادر أهم منبع للتمويل لدى الجماعات المتطرفة، حتى إن جماعات محددة باتت مرتبطة بتجارة التهريب، مثل تنظيم “المرابطون” التابع لتنظيم القاعدة في إقليم الساحل، الذي يتزعمه الجزائري مختار بلمختار المكنى بالأعور، المعروف بـ“مستر مارلبورو”، لنشاطه الواسع في تهريب السجائر.

واعتمادا على واقع التهريب وعلاقته بظاهرة الإرهاب في المنطقة، لا تفتأ التقارير الدولية تركز على أهمية اجتثاث الإرهاب من جذوره بضرب الأعمدة الاقتصادية التي يستند إليها، إذ يبدو من غير الممكن المراهنة على المقاربة الأمنية بمعزل عن مكافحة المناخ الذي يتيح لظاهرة التهريب الانتشار والتمدد، في منطقة تعاني من شبه عزلة اقتصادية وتفكك في العلاقة بين المركز والأطراف، وتمدد الحدود بين البلدان دون وجود استراتيجية للتعاون الأمني، وهو ما يتطلب من عواصم الدول الأفريقية إيجاد بدائل اقتصادية للسكان بهدف قطع الطريق أمام توظيف الجماعات الإرهابية للتهريب والاقتصاد السري.

13