الاقتصاد في بلدان الربيع العربي: عجز مزمن وتحد كبير

الجمعة 2014/07/18
تراجع السياحة في تونس ترك آثارا سلبية للغاية على اقتصاد البلاد

القاهرة - بعد مرور ثلاث سنوات ونصف السنة على اندلاع الثورات العربية، اضطرت دول تلك الثورات إلى اتباع سياسات تقشفية قاسية، في محاولة لاستعادة نسق توازنات المالية العامة. الباحث أحمد رجب زاهرة يرصد أسباب هذه السياسة وتداعياتها في تحليل صدر عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية.

تصدّر العامل الاقتصادي البرنامج الذي تقدّم به الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي للشعب المصري خلال حملته الانتخابية. وقد كان، إلى جانب العامل الأمني، من أهم أسباب تأييده واختياره، حيث وعد الرئيس المصري بإصلاحات عاجلة وجذريّة للقطاع الاقتصادي في مصر الذي زادته الأزمات المتتالية التي شهدتها البلاد وهنا وضعفا.

“مرّت دول التحول العربي خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية بالكثير من الصعاب”، وفق كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي. ففي تونس، كما في مصر واليمن وليبيا وفي غيرها من الدول التي تعيش على وقع تداعيات ما بعد سقوط أنظمتها، يشهد الاقتصاد تراجعا خطيرا، وصل في تونس إلى درجة نزل فيها الدينار إلى أدنى مستوياته التاريخية وبات على باب الانهيار، فيما حذّرت تقارير صحفية يمنية من خطر “نزيف” حاد أصاب الاقتصاد اليمني المنهك، وأكدّ خبراء في ليبيا أن تراجع إيرادات النفط أثّر بشكل سلبي على اقتصاد البلاد ورفع من معدلات الفقر.

وحسب تقديرات مؤسسات التصنيف العالمية فقد أنهكت الثورات العربية اقتصاديات بلدانها التي جنت مزيدا من المعاناة والانحدار وتراجع تصنيفها الائتماني بصورة سلبية تعكس سوء الأوضاع التي وصلت إليها تلك الدول.

هذا الوضع الاقتصادي المتأزّم دفع دول "الثورات العربية" إلى تبني سياسات تقشفية، قال الباحث أحمد رجب زاهرة إن الهدف منها استعادة نسق توازنات المالية العامة، حيث أخذت هذه الإجراءات صورا متنوعة بهدف زيادة الإيرادات وخفض النفقات العامة وفق ظروف كل دولة، رغم تشابه العوامل الدافعة للحكومات نحو تطبيق هذه التدابير، والتي يتوقف مدى نجاحها على تفاعل عدد من العوامل الحاكمة، التي تتعلق بتعويض المتضررين من هذه السياسات، واستعادة الثقة بين الشعوب والنخب الحاكمة، والتسويق الدعائي الجيد لهذه الإصلاحات، فيما يتوقع لها أن تعيد تشكيل خرائط مآلات الأمور في المستقبل، في ظل ارتفاع سقف التوقعات وزيادة الضغوط الشعبية لتحسين الأحوال المعيشية.

كريستين لاغارد: دول التحول العربي مرت خلال السنوات الماضية بالكثير من الصعاب

تبنـي دول "الربيع العربي" لهـذه السياسات التقشفيـة يعود، وفـق دراسة زاهرة الصادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، إلى اعتبارات عديدة تتمثل في:

- تراجع معدلات النمو: تعاني دول الثورات العربية من تآكل حاد في معدلات النمو الاقتصادي، إذ يدور معدل النمو الحقيقي في فلك 3 بالمئة في تونس، بينما لا يتعدى 2 بالمئة في مصر، فيما يصل إلى حدود 4 بالمئة في اليمن. ويرجع أحمد رجب زاهرة هذا التدهور بشكل رئيسي إلى ضعف معدلات الاستثمار الكلية في هذه الدول بسبب الاضطرابات السياسية، في ضوء عجز القطاع الخاص عن تعويض تراجع دور قطاع الأعمال العام. ويؤدي هذا التراجع في معدلات النمو إلى تناقص متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، والذي وصل إلى 8442 دولارا في تونس، كما بلغ 5795 دولارا في مصر، في حين لم يتخط 2145 دولارا في اليمن.

- تصاعد العجز المالي: تواجه هذه الدول مشكلة بنيوية مزمنة تتصل بتصاعد العجز الكلي في الموازنات العامة، حيث بلغ هذا العجز أقصاه في مصر بنسبة 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصل إلى حدود 8.5 بالمئة في تونس، فيما لم يتعد 6 بالمئة في اليمن.

ويرجع تزايد العجز بشكل أساسي إلى توسع الحكومات المتتالية بعد الثورات في الإنفاق الجاري على الدعم "العيني" والأجور وخدمة الدين، تلبية لمطالب العدالة الاجتماعية الملحة ولمواجهة زيادة تكاليف الغذاء والوقود والدين، وذلك بالتزامن مع تراجع الإيرادات العامة المعتمدة على ظروف الاستقرار السياسي بالأساس في ظل توقف تدفقات الاستثمار والسياحة والصادرات، وبما رفع بشدة من معدلات الاقتراض والتضخم.

- ارتفاع نسب الدين: اضطرت الحكومات تحت وطأة تزايد عجز الموازنات العامة، إلى الاقتراض محليا ودوليا لتغطية الفارق المتزايد بين الإيرادات والمصروفات العامة، الأمر الذي دفع مستويات الدين العام بشقيه إلى التزايد بشكل غير مسبوق، حيث وصلت نسبة الدين المحلي من الناتج المحلي الإجمالي إلى 83.5 بالمئة في مصر، بينما بلغت نحو 43.5 بالمئة في تونس، فيما قاربت هذه النسبة 50 بالمئة في اليمن، وهي نسب تفوق قدرة دول الثورات العربية على الاستمرار في تحملها، في ظل ما تمر به من حالات تباطؤ اقتصادي شديد، إضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة على هذه الديون، نتيجة التخفيضات المتتالية في تصنيفات الجدارة الائتمانية لهذه الدول.

- اختلال موازين التجارة: تتسم بنية موازين التجارة في اقتصادات الثورات العربية بوجود خلل هيكلي متجذر، إذ تعجز عوائد الصادرات السلعية عن تغطــية تكاليف الواردات السلعية، وذلك بسبب تراجع الأداء التصديري للصناعة، مع تزايد اعتماد قاعدة الصناعات الوطنية على المدخلات المستوردة، نتيجة توقف عمليات التعميق الصناعي، وهو ما ساهم بدوره في استنــزاف جانب مهم من حصيلة النقد الأجنبي المتاحة، الأمر الذي دفع هذه الدول إلى الاستدانة بصورة مستمرة لتغطية العجز في موازين التجارة، حيث بلغت نسبة عجز الميزان الجاري في الناتج المحلي نحو 8.2 بالمئة في تونس، بينما وصلت إلى 2.7 بالمئة في اليمن، فيما قاربت هذه النسبة 2.1 بالمئة في مصر.

اضطرت الحكومات تحت وطأة تزايد عجز الموازنات العامة، إلى الاقتراض محليا ودوليا لتغطية الفارق المتزايد بين الإيرادات والمصروفات العامة


تداعيات متشابكة


في إطار سعي دول الثورات العربية إلى الخروج من هذه الأزمات الاقتصادية الحادة، بعد موجة الاضطرابات السياسية منذ عام 2011، لجأت الحكومات إلى اتخاذ بعض الإجراءات التقشفية الهادفة إلى استعادة التوازنــات المالية، من أجل تخفيض عجوزات موازناتها العامــة الكبيــرة، ومن ثم السيطرة على مستويــات الدين المطردة، وذلك بتطبيق تدابير سريعــة لزيادة الإيرادات العامة من جهة، تمثل أهمها في رفع معدلات الضرائب على الدخل والثروة والمكاسب الرأسمالية والجمارك، مع تفعيل تــدابير لخفض النفقات العامة من جهة أخرى، انحصر أغلبها في الحد من المصروفات الجارية بخلاف فوائد الدين، مثل تخفيض الدعم الموجه إلى منتجات الوقود والكهرباء، مع وضع ضـوابط للحد من فاتورة الأجور الحكـومية المتزايدة.

وينظر البعض إلى هذه الإجراءات القاسية كخطوة أولى في إطار برنامج حكومي أشمل لإعادة ترسيم شكل الاقتصاد الكلي، يهدف إلى كسر دورة ركود الإنتاج والتشغيل والدخل، عن طريق ضخ حزم تحفيزية عامة تعمل على تنشيط معدلات الطلب الكلي الخاملة، وبما يعمل على تدوير عجلة الإنتاج المحلية، وبشكل يعيد ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط، الأمر الذي يزيد من مستويات الإنتاجية الكلية في الاقتصاد، ومن ثم يرفع من معدلات تنافسية الاقتصاد المحلي على الساحة العالمية، وبصورة تقلل من الخلل البنيوي المزمن في الميزان التجاري، وبما يحقق نموًا اقتصاديًا أشمل يعود بالنفع على جميع شرائح المجتمع على المدى البعيد.

غير أن اتخاذ إجراءات تقشفية من أجل تخفيض العجز المزمن في المالية العامة، قد يسفر عن ظهور آثار سلبية على النمو الاقتصادي في الأجل القصير، فعلى سبيل المثال، تتسبب تدابير رفع الدعم عن منتجات الطاقة في ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية التي تستخدم هذه المنتجات، ومن ثم ترفع من المستوى العام للأسعار، الأمر الذي ينعكس بالسلب على القوة الشرائية لمحدودي الدخل، في ظل ضعف أداء منظومة الرقابة الحكومية لضبط الأسعار، وبما يبرز أهمية التساؤل حول التدابير التي يتعين على الحكومات اتخاذها لاستعادة التوازنات المالية، لكن مع ضمان الحد من الآثار السلبية لهذه التدابير على النمو الاقتصادي والفئات الأكثر هشاشة.

لذا، فإن الأولوية القصوى أمام دول الثورات العربية يجب أن تنصب على تحسين كفاءة شبكات الأمان الاجتماعي، لضمان تعويض الفئات المتضررة جراء تطبيق الإجراءات التقشقية، إضافة إلى ضرورة تخصيص الحكومات لجزء من الوفورات المتأتية من الإصلاحات لزيادة الإنفاق الاجتماعي الموجه إلى الطبقات الهشة، كالإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية، مع التركيز على تنمية الفئات والمناطق والقطاعات الأكثر حرمانًا.

متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي:
◄ 8442 دولارا في تونس

◄ 5795 دولارا في مصر

◄ 2145 دولارا في اليمن


إصلاح نظم المالية


هناك طرق كثيرة لتقديم الدعم للفئات المحرومة، إما بدعم السلع التي يستهلكونها أكثر، أو باستهداف المناطق التي يعيشون فيها، أو بتحديد تعريفات تمييزية تتيح لهم الحد الأدنى اللازم من خدمات المرافق العامة، أو بإمدادهم بتحويلات نقدية مشروطة/غير مشروطـة حسب القدرات الإداريـة لكل حكومـة.

يخلص أحمد رجب زاهرة في ختام دراسته التحليلية لتداعيات الوضع الاقتصادي في بلدان “الثورات العربية” وسمات الإجراءات التقشفية التي فرضها هذا الوضع، إلى أنه ومع التسليم بصعوبة مسألة إصلاح نظم المالية العامة المترهلة في دول الثورات العربية، يبقى الاستمرار في هذه الإصلاحات مهمة لا غنى عنها لاسترداد نسق توازنات الاقتصاد الكلية على المدى المتوسط.

ولكن بعد تضمين هذه الإصلاحات المالية المنفردة في إطار خطة إصلاح أشمل لإعادة هيكلة الاقتصاد، وليس فقط لعلاج الاختلالات المالية المرهقة على المدى القصير، وبما يتطلب وجود تصورات متناسقة لدى صانعي السياسات في هذه الدول حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه السياسات، والتي من المتوقع أن تعيد تشكيل خريطة العلاقة بين الدولة والنظام الاقتصادي من ناحية أولى، وبين الدولة وشرائح المجتمع من ناحية ثانية، وبين الدولة والعالم الخارجي من ناحية ثالثة.

6