الاقتصاد يعيد رسم ملامح العلاقات بين تونس وليبيا

خبراء يعتبرون أن التقارب الاقتصادي بين تونس والمجلس الرئاسي الليبي سيفتح الباب على مصراعيه لإعادة رسم معالم شراكة استراتيجية جديدة في كافة المجالات.
الأربعاء 2018/06/13
إعادة الروح لشريان الحياة بين البلدين

تونس – رسمت زيارة وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي إلى طرابلس مؤخرا، والتي تعد الأولى منذ 2016، ملامح جديدة في العلاقات الاقتصادية للجارين اللذين يحاولان الخروج من دائرة الأزمات التي انعكست على حياة مواطني البلدين.

ويرى متابعون أن الجهود الكبيرة التي تبذلها تونس كوسيط لحل الأزمة الليبية تشكل دافعا قويا لتعزيز الشراكة الاقتصادية مع المجلس الرئاسي الليبي في طرابلس بقيادة فايز السراج المدعوم دوليا.

وهناك مساع بالفعل للنهوض بالاقتصادين الليبي والتونسي والحفاظ عليهما في هذه الظروف الحرجة لا سيما مع التزام تونس بالتعاون مع جيرانها وحماية المستثمرين الأجانب اللذين يعتبرون أحد الدعائم الأساسية للاقتصاد التونسي.

وقال الخبير أنيس القاسمي لـ”العرب” إن “التقارب بين البلدين ضروري ومهم، وبالتالي فإن الوقت قد حان من أجل اعتماد استراتيجية جديدة تعيد العلاقات التجارية والاستثمارية لما كانت عليه قبل دخول البلدين في أزمة”.

ولفت القاسمي إلى أن تونس أمام فرصة ثمينة لوضع أسس صلبة مع الليبيين بهدف الحصول على حصة من الاستثمارات التي يتوقع أن تجذبها ليبيا من أجل إعادة إعمار المدن المدمرة جراء الحرب مثل مدينة سرت المطلة على البحر المتوسط.

وتعتبر ليبيا من أهم شركاء تونس اقتصاديا، حيث أنها الشريك الأول على الصعيدين المغاربي والعربي والخامسة دوليا بعد كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا.

محمد الرعيض: نتجه إلى تعزيز التبادل التجاري حتى يعود للمعدلات العادية قبل 2011
محمد الرعيض: نتجه إلى تعزيز التبادل التجاري حتى يعود للمعدلات العادية قبل 2011

واتفق الجهيناوي مع نظيره الليبي محمد الطاهر سيالة خلال لقائهما الاثنين الماضي في طرابلس، على تشكيل لجنة مشتركة ستقوم بتعزيز التبادل التجاري الذي تراجع في السنوات السبع الأخيرة بشكل كبير.

وقال في مؤتمر صحافي مشترك إن “ليبيا تعد الشريك الثاني لتونس بعد الاتحاد الأوروبي وبلادنا ترغب في استرجاع هذا النسق عبر دعم التبادل التجاري والاستيراد من ليبيا خاصة في مجال النفط، بما يستجيب لما تحتاجه تونس وبما يستجيب للمصالح الليبية”.

ويتوقع أن يتضاعف حجم التبادل التجاري بين تونس وليبيا بنهاية العام الحالي إلى نحو 643 مليون دولار، مقارنة بنحو 357 مليون دولار في العام الماضي.

ونقلت وسائل إعلام ليبية محلية عن رئيس غرفة التجارة والصناعة، محمد الرعيض قوله إن “النية تتجه لرفع معدلات التبادل التجاري حتى تعود إلى المعدلات العادية قبل 2011، والتي كانت تبلغ آنذاك نحو ملياري دولار سنويا”.

وأوضح الرعيض العضو في مجلس الدولة الليبية، أن هناك امتيازات كثيرة تدفع باتجاه استيراد السلع ذات المنشأ التونسي، على غرار الإعفاء الجمركي بين البلدين، بالإضافة إلى قرب المسافات، وكذلك الاكتفاء بشهادة التحاليل المطابقة في أحد البلدين.

وبهدف رفع التبادل التجاري البيني، اتفق مصرف ليبيا المركزي والبنك المركزي التونسي مطلع مايو الماضي حول فتح الاعتمادات المستندية لرجال الأعمال الليبيين بالعملة الصعبة، عوضا عن اعتمادات مستندية بالدينار التونسي.

وسيكون التبادل التجاري واحدا من حزمة شراكات أخرى، حيث قرر المجلس الرئاسي ضخ المزيد من النفط الخام إلى تونس لتقوم بعمليات التكرير في مصافيها لتغطية العجز الحاصل لديها من الطاقة والذي تضاعف سبع مرات منذ 2011.

وتسعى ليبيا للحصول على عوائد إضافية من إنتاج الخام حتى يساعدها على تغطية النفقات المتزايدة خاصة تلك المتعلقة ببند رواتب الموظفين الذين بات مشهد وقوفهم في طوابير أمام المصارف مألوفا، فضلا عن تقليص العجز في الموازنة.

وعلى عكس ما تعيشه ليبيا، العضو في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، من أزمة نظرا للانقسام السياسي، فإن الوضع في تونس يبدو أفضل مع اعتماد السلطات للدبلوماسية الاقتصادية لجذب المزيد من الاستثمارات والسياح.

أنيس القاسمي: تونس أمام فرصة للحصول على حصة من إعادة إعمار المدن الليبية
أنيس القاسمي: تونس أمام فرصة للحصول على حصة من إعادة إعمار المدن الليبية

ويراهن البلدان على انتعاش القطاع السياحي مع إعلان تونس عن استئناف رحلات الخطوط التونسية للوجهة الليبية، حيث تسعى الناقلة التونسية المملوكة للدولة إلى تعزيز عوائدها المالية التي تراجعت بشكل غير مسبوق، ما دفع الحكومة لإعادة هيكلتها.

وتوقفت رحلات معظم شركات الطيران الأجنبية بما فيها التونسية إلى ليبيا بشكل كامل في ظل الاضطرابات الأمنية التي تصاعدت في العام 2014 بسبب المعارك بين الميليشيات في الشرق والغرب، فضلا عن الحرب على المتطرفين.

ويتوافد على تونس سنويا أكثر من 1.5 مليون ليبي للسياحة أو العلاج، بحسب إحصاءات رسمية، كما أن التونسيين كانوا يتوافدون على ليبيا قبل توقفهم عن السفر إليها نظرا للوضع الأمني المتوتر.

وأعطى المجلس الرئاسي الليبي بارقة أمل للمستشفيات الخاصة التونسية حينما تعهد بتسديد مستحقاتها البالغة 200 مليون دينار (77.8 مليون دولار).

ولا تزال تلك المستشفيات، التي تعاني من مشاكل مادية، تنتظر تسوية وضعيتها المالية بشأن ديونها لدى حكومة الوفاق الوطني الليبية، حيث تعود بعض الديون إلى العام 2011.

وطالبت حكومة الوفاق مرارا بإعادة التدقيق في كافة الملفات التي لم يتم سداد ديونها، ولكن رئيس الغرفة بوبكر زخامة، أبدى استياءه مرارا من مماطلة طرابلس ونقض الاتفاقات السابقة بخصوص هذا الملف.

وكانت محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار قد أعلنت في أبريل العام الماضي عن خطط لضخ استثمارات جديدة في تونس في شتى المجالات، وهو ما يعكس وفق محللين متانة العلاقات الاقتصادية وما تمثله تونس من سوق واعد للمستثمرين الليبيين.

11