الاكتئاب أول دوافع انتحار الأطفال

الجمعة 2014/04/18
غياب القدوة يؤثر سلبا على الأبناء منذ نعومة أظافرهم

القاهرة- حالات فردية، بلا شك، لا ترتقي إلى مستوى الظاهرة التي تتمثل في انتحار الأطفال في العالم العربي، والتي طالعتنا بها الصحف ووكالات الأنباء مؤخرا، ورغم ذلك فالأمر خطير ويتطلب مزيدا من البحث والتدقيق في الأسباب والمسببات الدافعة إلى ارتكاب هذا الفعل الخطير من قبل زهور الحياة الذين لم تجابههم ظروف الحياة المعقدة بعد.

خبراء التربية وعلماء النفس والاجتماع ألقوا بالمسؤولية على كاهل الأسرة وطالبوا الأبوين بالرعاية المستمرة والاهتمام الدائم وعدم إهمال الأطفال بقدر الإمكان وأرجعوا تلك الأحداث إلى رغبة الأطفال في الغالب في جذب الاهتمام إليهم والتعبير عن ذاتهم التي لا يشعر بها من حولهم في الغالب.

الحوادث كثيرة وغريبة تدعو جميعها إلى الدهشة والاستغراب وتطرح تساؤلات عدة، فها هي طفلة لم يتعد عمرها السبع سنوات يطالبها المدرس بأن تلتزم بالزي المدرسي بعد أن أخّر عامل المكواة زيّها من قبل أكثر من مرة، وذات يوم استيقظت الطفلة بمنتهى البراءة تسأل والدتها عن الزي استعدادا لذهابها إلى المدرسة، فأجابت الأم أنه لم يأت بعد من محل المكواة، فغضبت الطفلة بشدة ورفضت أن تذهب للمدرسة بزي مخالف خشية توبيخ المدرس لها أمام الزملاء والزميلات وغافلت الجميع وأغلقت باب الغرفة من الداخل ثم سمع صوت ارتطام قوي وكانت المفاجأة إذ ألقت بنفسها من شرفة الطابق الرابع لتسقط صريعة أمام ذهول ودهشة الجميع.

وعلى جانب آخر ينتحر طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، دون سبب أو مبرر قوي يفسر ما أقدم عليه، هذا الطفل كان في الصف الخامس الابتدائي يقيم مع أخيه الطالب في الصف الثاني الثانوي وأخته التي تعمل معلمة في إحدى المدارس الثانوية في حين أن الأبوين يعملان خارج البلاد، وبعد عودته من يوم دراسي طبيعي مثل كل يوم أغلقت عليه أخته باب الغرفة ليراجع دروسه ومر وقت طويل لم يدخل عليه أي منهما وبعد فترة صمت اكتشفوا أنه أقدم على الانتحار بعد أن شعر بالملل والوحدة، قام بشنق نفسه بمنديل قماشي لفه حول عنقه، وفي محاولة يائسة لإنقاذه تم نقله إلى المستشفى ولكن دون جدوى.

الانتحار هو فعل يقدم عليه المنتحر لإعدام ذاته وإنهاء حياته وهو أعلى درجات اليأس والضعف النفسي والإحباط

وبعرض مثل هذه الحالات وأخرى غيرها مشابهة على الدكتور محمد عبدالمجيد، أستاذ علم الاجتماع علق قائلا، إن هذه الحالات لانتحار الأطفال بوصفها فردية وقليلة الحدوث، فهي ليست ظاهرة مقلقة اجتماعيا على الأقل في الوقت الحالي، وإن كانت تتطلب أن تلقي الاهتمام بالقدر الذي تستحقه؛ فالانتحار هو فعل يقدم عليه المنتحر لإعدام ذاته وإنهاء حياته وهو أعلى درجات اليأس والضعف النفسي والإحباط، إذ أن الطفل الصغير، الذي مازال في سنوات طفولته الأولى عندما يقدم على هذا الفعل، فهذا يعتبر دليلا واضحا على إصابته بالاكتئاب النفسي، خاصة وأن الطفل في أية مرحلة من مراحل الطفولة عرضة للإصابة بالاكتئاب شأنه في ذلك شأن الإنسان البالغ وإن كان علاج الأطفال أكثر سهولة وقابلية للنجاح من علاج الكبار، فزوال اكتئاب الطفل يزول باختفاء المسببات والظروف، ليصبح المرض مجرد حالة عابرة مؤقتة.

ويضيف الدكتور عبدالمجيد، أنه يجب على الآباء والأمهات المعرفة والوعي بأدنى درجاتها في مجال الصحة النفسية للطفل وملاحظة أي تصرفات سلوكية تعد مؤشرا على الخطر، مثل زيادة النظام الحركي للطفل، إصابته بنوبات حزن غير مبررة، تفوهه بألفاظ وكلمات غير مفهومة، انطوائه وبُعده عن الحياة الاجتماعية لمن هم في مثل سنه، كل ذلك قد يحتاج مزيدا من الرعاية النفسية لعلاج الأمر قبل تطوره؛ وإن كانت إصابة الطفل بالإحباط والاكتئاب أمرا غاية في الغموض نظرا لقلة التجارب التي يمر بها في بداية سنواته وقبل خروجه إلى الحياة بمفرده وبالتالي قلة الصدمات، التي يتعرض لها لكن هناك جزء يعتمد على الاستعداد البيولوجي لدى الطفل للإصابة بالمرض نتيجة خلل ما في الوصلات العصبية للمخ والظروف التي تحيط به وتساعد على ظهوره واضحا.

الأطفال في سن الخمس سنوات هم عرضة للإصابة بالاكتئاب سواء الاكتئاب العقلي أو النفسي والكثيرون لا يدركون ذلك، هكذا يؤكد الدكتور فاروق لطيف، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، مشيرا إلى أن الطفل هو كائن وإنسان له وجدان وأحاسيس ويمر بالعديد من المتغيرات البيولوجية تختلف من مرحلة إلى أخرى عبر مراحل عمره المختلفة، والبعض لا يدرك ذلك فلا يعي إمكانية تأثر الطفل أو الطفلة بكل ما يتعرضان له، وهناك بعض الأسباب والدوافع النفسية والتي على إثرها يلجأ الطفل إلى وضع نهاية لحياته بالانتحار.

محاولات الانتحار بين الأطفال لا يجب أن نعتبرها قضية بسيطة، خاصة وأنها محاولة معرضة بنسبة ما للنجاح

وإن كان هذا الفعل نادرا أو قليل الحدوث بعض الشيء لدى الأطفال من هم أقل من سن السادسة نظرا لعدم إدراكهم للأمور بشكل جيّد بعد هذه السن الصغيرة. ولا شك أن الطفل عند قيامه بهذا الفعل يقصد في المقام الأول تهديد المحيطين ولفت أنظارهم إليه، أو ربما لأنه قد يكون في حاجة إلى مزيد من الرعاية والاهتمام، ولكن دون أن تكون لديه الرغبة في الموت بالفعل، ولهذا فمحاولات الانتحار بين الأطفال لا يجب أن نعتبرها قضية بسيطة، خاصة وأنها محاولة معرضة بنسبة ما للنجاح أي أن حياة الطفل تكون فعلا في خطر.

وتقول عفاف أحمد عويس، أستاذة علم النفس بكلية رياض الأطفال بجامعة القاهرة، إن الطفل يختلف نفسيا وفسيولوجيا كل عام عن العام الذي يسبقه، وبالتالي يختلف وعيه وإدراكه واستيعابه وتصرفاته للأمور ومختلف المواقف التي يتعرض لها وتواجهه. وهذا ما يزيد من أهمية التربية النفسية السليمة للطفل منذ بداية الطفولة حتى نواجه الاستعداد العصبي والفسيولوجي عند الطفل لليأس والشعور بالفشل وبالتالي إمكانية التفكير في الخلاص من الحياة بالموت.

وترى الدكتورة عفاف، أن حالات انتحار الأطفال التي بدأت تطفو مؤخرا على السطح هي نتيجة لتعاون عدة ظروف وأسباب متعددة مع بعضها البعض تأتي في مقدمتها غياب الرقابة الأسرية في ظل انشغال الأبوين بالعمل ومشاغل الحياة على حساب الإهتمام بالأبناء بالقدر الكافي، وكذلك عدم الاستقرار الأسري.

21