"الاكتئاب الليلي" معاناة مضاعفة بحثا عن الراحة والنوم

عوارض الاكتئاب الليلي تبرز بدرجات متفاوتة من شخص إلى آخر، لكنها في الغالب تحمل المشاعر ذاتها.
الخميس 2018/07/12
كل شخص يعاني من الاكتئاب بطريقة مختلفة

لا تختلف أعراض الاكتئاب كثيرا بين الليل والنهار غير أن حدتها تشتد بعض الشيء عند الاقتراب من وقت الخلود إلى النوم، حيث يصنف الاكتئاب الليلي ضمن أكثر الفترات الصعبة التي يمر بها المريض. يرجع هذا الاختلاف إلى طبيعة الليل الساكنة حيث تقل الأنشطة والحركة وكل العناصر التي تشتت التركيز على مسألة بعينها لساعات طويلة.

لندن – أحصت منظمة الصحة العالمية أكثر من 300 مليون شخص معرضين لتأثيرات الاكتئاب، وهذه التأثيرات يمكن أن تفضي في أسوء الحالات إلى الانتحار، إذ تقدر المنظمة أيضا أن قرابة 800 ألف شخص يموتون سنويا بسبب الانتحار، ليكون بذلك ثاني سبب للوفيات للفئة العمرية بين 15 و29 عاما.

في تعريف المنظمة، يختلف الاكتئاب عن التقلبات المزاجية العادية والانفعالات العاطفية التي لا تدوم طويلا، كاستجابة لتحديات الحياة اليومية. وقد يصبح الاكتئاب حالة صحية خطيرة، لا سيما عندما يكون طويل الأمد وبكثافة معتدلة أو شديدة. ويمكن للاكتئاب أن يتسبب في معاناة كبيرة للشخص المصاب به، وفي تردي أدائه في العمل أو في المدرسة أو في الأسرة.

لكن يعاني كل شخص من الاكتئاب بطريقة مختلفة، فبعض الأشخاص يمرون بأعراض متزايدة من الاكتئاب ليلا، تجعلهم يعانون من الأرق وصعوبة النعاس والبقاء مستيقظين لساعات طويلة في الليل.

وتبرز عوارض الاكتئاب الليلي بدرجات متفاوتة من شخص إلى آخر، لكنها في الغالب تحمل المشاعر ذاتها مثل اليأس، والفراغ ليلا، وقد يحدث تسارع للأفكار والإثارة، مما قد يؤدي إلى صعوبة النوم.

وهناك أسباب مختلفة تؤدي إلى زيادة الاكتئاب الليلي، لكن الأكثر انتشارا بحسب الدراسات المتخصصة يرتبط بغياب الإلهاءات، إذ يسهل عادة على الفئات المعرضين لحالات اكتئاب معتدلة أن يظلوا مشغولين في العمل أو المدرسة أو الأنشطة الاجتماعية التي تعتبر بمثابة إلهاء خلال النهار. ولكن في الليل عند الخلود إلى النوم يصبح المرء وحيدا أمام أفكاره. وقد نظر الباحثون في أسباب أخرى يمكن أن تزيد من أعراض الاكتئاب الليلي؛ مثلا ذكر علماء أميركيون في دراسة أن الجلوس أمام الكمبيوتر أو شاشة التلفزيون في وقت متأخر من الليل أو تشغيل التلفزيون عند النوم يزيد من فرص الإصابة بالاكتئاب. والدراسة التي قام بها فريق من علماء الأعصاب في المركز الطبي بجامعة ولاية أوهايو بتمويل جزئي من وزارة الدفاع الأميركية، تدعو مدمني الجلوس أمام شاشات التلفزيون والكمبيوتر أثناء الليل إلى وقفة لإعادة النظر.

وقال الباحثون، الذين عرضوا حيوان الهامستر لضوء خافت أثناء الليل وتابعوا تغيرات السلوك والمخ التي تحمل أوجه شبه مذهلة مع أعراض الاكتئاب عند البشر، إن زيادة التعرض للضوء الاصطناعي ليلا في الخمسين عاما الماضية، تزامنت مع ارتفاع معدلات الاكتئاب وخاصة بين النساء، وهن أكثر عرضة للاكتئاب من الرجال بمقدار الضعفين.

وظهرت بحوث في عام 2013 درست حالات الاكتئاب لدى الحيوانات تؤيد الاستنتاج السابق، وهي أن الأضواء الساطعة (خاصة الأزرق والأبيض) في الليل لا يمكن أن تبقي الفرد فقط مستيقظا، وإنما تزيد أيضا من أعراض الاكتئاب. في هذه الدراسة، تمت ملاحظة أن وجود جهاز تلفزيون في غرفة مظلمة قد أدى إلى زيادة مستويات هرمون الكورتيزول في الحيوان وإحداث تغييرات في قرن آمون، وكلاهما يمكن أن يزيد من أعراض الاكتئاب.

 تغيير نمط الحياة الرتيبة هو أولى مراحل العلاج
 تغيير نمط الحياة الرتيبة هو أولى مراحل العلاج

ويظهر تأثير الأضواء الاصطناعية في زيادة مستويات الاكتئاب في الليل في جوانب أخرى كذلك، كأن يعيق أو يعطل السير الطبيعي للإيقاع اليومي للإنسان. فقد وجدت دراسة ظهرت في عام 2009 أن زيادة الضوء الاصطناعي يمكن أن يعطل بشكل كبير إيقاع الساعة البيولوجية لدى الإنسان، مما يسبب أو يزيد من اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب.

وترى منظمة الصحة العالمية أن هناك علاقة متبادلة بين الاكتئاب والصحة البدنية؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الأمراض القلبية الوعائية إلى الاكتئاب، والعكس صحيح.

وفي كل الحالات تصنف المنظمة عدة طرق علاج فعالة للاكتئاب المعتدل والحاد، بدءا بطرق العلاج النفسي مثل التحفيز السلوكي، والعلاج السلوكي المعرفي، والعلاج النفسي بين الأشخاص، أو الأدوية المضادة للاكتئاب، والتفضيلات الفردية، وتشمل مختلف أشكال العلاج النفسي؛ العلاج النفسي الفردي أو الجماعي وجها لوجه أو كليهما، والتي يقدمها المهنيون ويشرف عليها المعالجون.

وتكون العلاجات النفسية فعالة كذلك في علاج حالات الاكتئاب الطفيفة. ويمكن أن تكون مضادات الاكتئاب شكلا فعالا لعلاج الاكتئاب المعتدل-الحاد، ولكنها لا تمثل الخط الأول من العلاج لحالات الاكتئاب الطفيف. وينبغي ألا تستخدم لعلاج الاكتئاب لدى الأطفال، كما أنها لا تعتبر خط العلاج الأول لدى المراهقين، حيث ينبغي توخي الحذر في استخدامها معهم.

وفي العموم، ينصح الأطباء والمختصون في علم النفس، في الكثير من الأحيان، مرضى الاكتئاب بمحاولة تغيير نمط حياتهم في خطوة للتغلب على موجات الاكتئاب الحادة. بينما يحاول باحثون تقديم نصائح وطرق علاج وقائية أكثر تبسيطا لمرضى الاكتئاب بما في ذلك الحفاظ على خطة العلاج التي يحددها الطبيب، وهذا يشمل تناول الأدوية حتى في حال الشعور بالتحسن.

وينصح الباحثون مثلا بتوخي الاسترخاء قبل النوم بساعتين على الأقل، إذ تتيح هذه الخطة للجسم الاستعداد تلقائيا للنوم. كما أنه من المهم، بحسب الباحثين، الإبقاء على غرفة النوم هادئة ومريحة وخالية من الشاشات الساطعة مع تعتيم الأضواء قدر الإمكان والتخلي عن أي عمل مرهق داخل الغرفة.

ويعتقد الأطباء أن ممارسة أنشطة تخفيف الإجهاد والتوتر مثل الرسم أو اليوغا والحد من تناول الكافيين والكحول، كلها عوامل تساعد على تخفيف التوتر قبل النوم وعلى التعامل مع اكتئاب الليل.

17