الاكتئاب رفيق الشباب العرب مع ضغوط الحياة المتزايدة

ظاهرة الاكتئاب تتفشى في العالم العربي في ظل غياب الوعي عن تأثير الأمراض النفسية وانعكاسها على حياة الشباب والمجتمع.
الأحد 2019/04/14
ظاهرة بادية للعيان

غالبا ما يصاب الشباب العرب بالقلق والاكتئاب، إضافة إلى سوء أحوالهم الاقتصادية والمسؤولية التي يضعها المجتمع على كاهلهم، تبدو الظاهرة مقلقة أكثر مع ازدياد الأوضاع سوءا في العالم العربي عامة، وإهمال العلاج والدعم والتوعية بمخاطر الأمراض النفسية.

لندن - “ابحثي عن هدف أكبر من ألمك”، مقولة اتبعتها دينا للتغلب على ألم فقدان زوجها المفاجئ، وسيطرة الشعور بالاكتئاب والقلق والمخاوف من المستقبل عليها.

وجدت الشابة الفلسطينية دينا (30 عاما) في الرسم وسيلة لتجاوز الألم، ليتحول الفن بعد ذلك إلى مشروع يشكل مصدر دخل لها بعد هجرتها من رام الله إلى الولايات المتحدة.

تؤكد دينا أن التجربة ليست سهلة لكن البدء بهذا العمل الذي يلبي شغفها ساعدها على تخطي مرحلة الحزن والاكتئاب التي كانت ستكون أطول لو أنها لم تجبر نفسها على التحسن كل يوم، “مقابل كل خطوة إلى الوراء أبذل جهودا مضنية للتقدم مرة أخرى”.

تجربة دينا ملهمة للكثيرين لتجاوز الآلام النفسية على اختلاف أسبابها، لكنها نموذج مصغر من ظاهرة تتفشى في العالم العربي وفقا للدراسات التي ترصد تزايد نسبة حالات الاكتئاب لدى الشباب وتطورها في بعض الأحيان إلى الإقدام على الانتحار، في غياب الوعي عن تأثير الأمراض النفسية وانعكاسها على حياة الشباب والمجتمع.

يقول الباحثون والأطباء العاملون في الشرق الأوسط إنه غالبا ما يصاب الشباب العربي بالقلق والاكتئاب. وتتفاقم الكآبة النفسية لديهم مع الوقت، إلى أن تتساوى مستويات المشاكل النفسية بين الشباب في العالم العربي مع المستويات العالمية أو تتخطاها، وفقا للبحوث المجراة في هذا المجال، إلا أنه غالبا ما يغيب العلاج والدعم اللازمين.

والاكتئاب هو أحد أشدّ الاضطرابات النفسيّة التي يعانيها الشباب حسب نسبة ارتفاع معدّل انتشاره، ومضاعفاته. وترتكز أعراض الاكتئاب على الشعور بالحزن، وقلّة الحماس، وفقدان الاهتمام بالنشاطات اليومية، وصعوبة التركيز وغيرها. ويؤثّر المرض عند فئة الشباب على أدائهم الأكاديمي، وعلاقاتهم مع الآخرين، ويمكن أن يؤدّي إلى اضطرابات نفسيّة في الكبر أو إلى الإدمان على المخدّرات أو إلى الانتحار.

سوء الأحوال الاقتصادية والإفراط في التدخين وتناول الكحول، جميعها تزيد من أعراض الاكتئاب عند الشباب الذكور

ولا توجد أرقام دقيقة عن حجم الاكتئاب في العالم العربي؛ لأنه لا توجد إحصائيات رسمية حول الأمر، خصوصا أن غالبية الذين يعانون من الأمراض النفسية لا يلجأون إلى الجهات المختصة، وبالتالي لا مجال لمعرفة النسب بشكل دقيق، لكن من الملاحظ أن غالبية المصابين بالاكتئاب هم من فئة الشباب الذين يواجهون ضغوطا متزايدة في العالم العربي.

 وتقول منظمة الصحة العالمية إن 5 بالمئة من العرب يعانون من الاكتئاب، وأن مصر والمغرب في المقدمة عربيا إضافة إلى سوريا التي هي الأكثر اكتئابا عالميا، ولكن المنظمة نفسها تشير في تقريرها إلى أن هذه الأرقام غير دقيقة؛ لأن ثقافة العرب تخجل من الكشف عن الأمراض النفسية والذهنية، وبالتالي المرض يتفاقم، ويستمر بالانتشار.

ووفقا للإدارة النفسية والاجتماعية في السعودية فإن 54 ألفا و622 شخصا ترددوا على العيادات النفسية التابعة للوزارة عام 2015، وذكر تقرير نشر في مجلة “بلوس ميديسن” أن أكثر من 6 بالمئة من السعوديين يعانون من الاكتئاب.

 بدوره ذكر معهد الصحة النفسية في مصر أن 54 بالمئة من المصريين يعانون من أمراض نفسية، حيث إن 12 مليونا يترددون على العيادات النفسية. بينما في تونس ووفق وزارة الصحة أكثر من 8 بالمئة من التونسيين يعانون من الاكتئاب، أما المغرب فحوالي 3 ملايين مغربي أي 4.5 بالمئة من المغاربة مكتئبون. وحصة السودان من الاكتئاب بلغت 7 بالمئة من سكانها كما ينتحر 12 شخصا من كل 100 شخص سنويا.

 وفي لبنان لا توجد إحصائيات دقيقة أو حديثة، ولكن معدلات الانتحار المرتفعة جدا تشير إلى خلل كبير. وحل لبنان في العام 2014 في المركز العاشر لأكثر الدول استهلاكا للأدوية المهدئة للأعصاب؛ حيث تم استهلاك 13 مليونا و600 ألف علبة دواء في عام واحد.

الحروب أكبر مسببات الاكتئاب
الحروب أكبر مسببات الاكتئاب

واكتشف الباحثون ارتفاعا بنحو 11 في المئة في سنوات الحياة الصحية المفقودة في الشرق الأوسط بين 1990 و2013. ففي العالم العربي وباقي مناطق العالم، تشكل الأمراض النفسية المصدر الأساسي للعبء الاقتصادي الناتج عن الأمراض، وفقا لتقرير صدر في العام 2015 عن مؤسسة الصحة النفسية.

ومن جهة أخرى، تساهم صعوبة تشخيص الاضطرابات النفسية في التحديات التي يواجهها مقدمو الرعاية الصحية في معالجتها.

وقال جاستين توماس، الأستاذ المساعد في علم النفس بجامعة زايد في أبو ظبي “ستجد الاكتئاب أينما بحثت”.

وأضاف توماس الذي ركز في أبحاثه على كيفية تأثر الصحة النفسية بالثقافة، “تشير أكبر الدراسات إلى تفشي الاكتئاب في الخليج بنسبة تتراوح بين 10 و13 في المئة”.

وتعتبر مستويات الاكتئاب لدى الشباب في دول الخليج معادلة لنظرائهم الغربيين، حيث قامت دراسة في العام 2016 باستقصاء حول 350 ألف شاب في الولايات المتحدة الأميركية، ووجدت أن 11 في المئة، من الذين تبلغ أعمارهم بين 12 إلى 17 سنة وحوالي 10 في المئة من الذين تبلغ أعمارهم بين 18 و25 سنة، لديهم علامات دالة على الاكتئاب.

قلة الأطباء النفسيين

لكن الأرقام ترتفع بشكل ملحوظ في الدول العربية التي شهدت نزاعات مسلحة مؤخرا. وقال فادي معلوف، مدير قسم علم نفس الطفل والمراهق في المركز الطبي بالجامعة الأميركية في بيروت، “في غزة على سبيل المثال، وسط النزاع المستمر، يبلغ معدل القلق بين 20 و25 في المئة”.

وغالبا ما يجد الأفراد الذين يعانون من القلق والاكتئاب ومشاكل نفسية أخرى صعوبة في إيجاد العلاج. بسبب قلّة الأطباء والمعالجين النفسيين، وشكوك العائلات في معظم الأحيان في حاجة الشباب إلى العلاج أو أي نوع آخر من المساعدة.

وأظهر بحث معلوف أن 94 في المئة من القصر الذين يحتاجون إلى العلاج لا يتلقونه في الواقع بلبنان.

أغلب الشباب الذين يعانون من الأمراض النفسية لا يلجأون إلى الجهات المختصة، وبالتالي لا مجال لمعرفة النسب بشكل دقيق

ولمحاربة الهوة في توفر العلاج، يعتقد الأطباء النفسيون أنه قد يكون مفيدا أن توفر المدارس والجامعات العلاج وأنواعا أخرى من الدعم النفسي لتلاميذها وطلابها. وينصح معلوف برفع مستوى الوعي لمعالجة سوء فهم الأمراض النفسية ووضع برامج وقائية إلى حيث يمكن الوصول للأطفال والشباب.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن نعلّم مجموعة من المراهقين مهارات التأقلم مع القلق في الصف الدراسي، لتفادي وصم فرد واحد. وقال معلوف “فلنعزز الصحة النفسية في الأماكن التي نحصل فيها على اللقاح أو في المدرسة. فالأمر يتعلق بإدراجها في الهياكل الموجودة أصلا”.

وفي دراسة علميّة عن الاكتئاب عند فئة الشباب في الأردن، أجراها الباحثون؛ ليلى إسماييلوفا من جامعة شيكاغو، وعليمات حمود من الجامعة الأردنيّة، وإسراء الخسوني من الجامعة الهاشمية، وستيسي شاو ونبيلة الباسل من جامعة كولومبيا، أظهرت أن الاكتئاب يسجل معدّلا مرتفعا عند الإناث وعند الشباب الذين تعرّضوا للعنف. وترتبط العلاقات العائليّة الجيّدة بمعدّل حالات اكتئاب منخفض. بينما يزيد سوء الأحوال الاقتصادية، وكثرة التدخين وتناول الكحول، من أعراض الاكتئاب عند الشباب الذكور في الأردن.

وتعتبر تلك الدراسة هي الأولى التي توفّر معطيات علميّة في شأن حالات الاكتئاب عند الشباب في الأردن، وهي دراسة شاملة تكشف عن ارتباط الاكتئاب ببعض العوامل.

ويعتبر معدّل الاكتئاب، وفق نتائج الدراسة، مرتفعا. إذ تشعر نسبة 66 في المئة من المشاركين بالحزن. وتعاني نسبة 55 في المئة من صعوبة في التركيز، وتفتقد نسبة 49 في المئة الاهتمام أو الشعور بالفرح، وتفتقد نسبة 43.3 في المئة الأمل في الحياة، وتشعر نسبة 42.4 بالذنب.

فروق بين الجنسين

مشاكل متراكمة لدى الشباب عامة
مشاكل متراكمة لدى الشباب عامة

سجّلت الإناث معدّلات أكثر ارتفاعا مقارنة بالذكور، خصوصا الشعور بالحزن، والصعوبة في التركيز. وتعود الفروقات بين الجنسين، إلى اختلاف سبل التأقلم بين الذكور والإناث عامة. وتتشابه تلك الفروقات بين الجنسين في شأن الصحة العقليّة مع نتائج الدراسات التي أجريت في البلدان الغربيّة.

وأظهر المشاركون في الدراسة، بشكل عام، رضا عن صورة أجسادهم. وتعتبر الإناث أكثر وعيا لوزنهن وأكثر تديّنا من الذكور.

في المقابل، يعتبر الذكور أكثر عرضة من الإناث للميل إلى العنف كحمل السلاح، والاعتداء الجسدي، وللسلوكيات المحفوفة بالمخاطر، مثل التدخين، وتناول الكحول، وتعاطي المخدّرات، وأكثر هشاشة أمام ضغوط الأقران.

من جهة أخرى، ارتبط الالتحاق بالجامعة بانخفاض معدّل انتشار الاكتئاب خصوصا عند الإناث اللواتي تتراوح أعمارهن بين 17 و19 عاما. وسجّلت الإناث اللواتي يعشن في جنوب أو شمال الأردن معدّل اكتئاب أكثر ارتفاعا من اللواتي يعشن في وسط الأردن. وسجّلت الإناث اللواتي يعشن في مخيّمات اللاجئين وفي البادية، واللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 و25 عاما، معدّل اكتئاب أكثر ارتفاعا من المعدّل الذي سجّلته اللواتي يعشن في المدن.

وارتبطت الصورة السلبيّة للجسد بمعدّل اكتئاب مرتفع عند الذكور والإناث الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 عاما. بينما ارتبط التديّن، عند الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 عاما، بانخفاض معدّل أعراض الاكتئاب. وساهم عامل امتلاك مسكن في انخفاض حالات الاكتئاب عند الذكور، بينما ترافقت حالات الفقر بارتفاع معدّلاته عند الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و25 عاما.

وأظهر الشباب الذين يتمتّعون بعلاقات جيّدة مع أهاليهم، معدلات منخفضة. في المقابل، ساهم التعرّض للعنف والاعتداء الجسدي في ارتفاع معدّل حالات الاكتئاب عند الذكور والإناث. وارتبط التدخين وتناول الكحول بمعدّلات مرتفعة.

وتتمكّن نسبة خمسين في المئة فقط من المشاركين من التحدّث مع أهاليها عن مشاكلها وحاجاتها ما يدّل على أن العلاقة بين الأهل والأبناء هي سلطوية في بعض العائلات.

وسيلة للتحايل على القلق
وسيلة للتحايل على القلق

ويفسّر معدّو الدراسة شعور الذكور بالاكتئاب في حال سوء أحوالهم الاقتصادية بالمسؤولية التي يضعها المجتمع على كاهل الشاب. وتتشابه المعطيات في شأن ارتباط حالات الاكتئاب بالتعرّض للعنف، ونقص الدعم العائلي والمجتمعي بمعطيات الدراسات في شأن الشباب الأميركي.

وتشدّد نتائج تلك الدراسة على ضرورة وضع برامج الصحة النفسيّة وتعزيز الخدمات المتعلّقة بالنواحي الاجتماعية والنفسية للشباب، وحمايتهم من العنف وتحسين العلاقات بين الأهل والأبناء، وعلى أهمية إدخال برامج التوعية في شأن الصحة النفسيّة في عمر مبكر لتحصين الفرد من الاضطرابات النفسيّة في المستقبل، وعلى تطوير سبل تشخيص الحالات المتقدمّة. وتعدّ تلك الدراسة دليلا على تطوير البرامج والسياسات لتلبية حاجات الشباب في الأردن ومعالجة الاضطرابات النفسيّة التي يظهرونها.

التونسي الأقل سعادة

يحتل الاكتئاب مرتبة الصدارة في الأمراض النفسية التي تصيب التونسيين ويتوجهون لعلاجه حسبما أشارت إليه دراسات للجمعية التونسية للأطباء النفسانيين ومصادر من مستشفى الرازي، وتعتبر المرأة الأكثر عرضة لأعراض الاكتئاب، وترتبط الأمراض النفسية بحالات مثل القلق واضطرابات المزاج والاضطرابات الذهنية والضغط النفسي.

وتشير مصادر من الجمعية التونسية للأطباء النفسيين إلى ارتفاع استهلاك الأدوية المهدئة للأعصاب والمضادة للقلق، وارتفاع عدد التونسيين الذين يلجأون إلى عيادات الأطباء النفسيين سواء في القطاع العام أو الخاص. ورغم ذلك تبدو الدراسات والإحصاءات المتعلقة بالصحة النفسية للتونسيين شحيحة.

وتشير الدراسات إلى أن التونسيين من أقل الشعوب في العالم سعادة وهو ما جعله معرضا أكثر للاكتئاب. وقد ارتفعت نسبة الاكتئاب في السنوات الأخيرة لتصل إلى 40 بالمئة لدى التونسيين حسبما يؤكده المختصون. وارتفعت إحصائيات الانتحار سنة 2015 إلى أربع مرات عمّا كانت عليه من قبل.

وتمثل العوامل الاقتصادية أحد أبرز الأسباب التي تدفع التونسي إلى الاكتئاب والانهيار وهو ما جعل العطل المرضية طويلة المدى سببها أمراض نفسية.

19