الاكتئاب يضرب جهاز المناعة ويقود إلى الانتحار

الأحد 2014/03/30
المريض قد يسمع أحيانا أصواتا غير حقيقية تدعوه للانتحار

القاهرة - أجمعت دراسات مختلفة على أن الاكتئاب قاتل صامت يؤثر على صحة القلب ويشغل صاحبه بفكرة الموت والانتحار.

ويقول الدكتور ممتاز عبدالوهاب أستاذ الأمراض النفسية والعصبية بطب القاهرة إنه يمكن اعتبار الشخص مصابا بالاكتئاب عندما يفقد السيطرة على مشاعره ويعاني من فقدان الطاقة والقدرة على الحياة ويشعر بالدونية وتأنيب الضمير وبتعاسة لا تحتمل وصعوبة في التركيز وعجز عن التمتع بأي شيء في الحياة وفقدان حماسه للعيش والانشغال بالأفكار المتصلة بالموت أو التفكير في الانتحار.

وكثيرا ما ينتاب الشخص المريض شعور بأنه مذنب ومخطئ ويستحق العقاب وأنه بلا قيمة أو فائدة ولا يستحق الحياة.

وأضاف عبدالوهاب أن هذه الأعراض هي ضلالات وأفكار خاطئة، ظهرت بسبب المزاج الاكتئابي.

وأشار إلى أن نوبات الاكتئاب تصيب الصغار والكبار وتلعب العوامل الوراثية دوراً مؤثراً في الإصابة بالاضطرابات الوجدانية. وأغلب حالات الإصابة تحدث في فترتي أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات حيث يعاني المريض من الإحساس بالحزن في معظم الأوقات، ويعاني إما من فقدان للوزن أو زيادة ملحوظة به والإحساس باليأس والقنوط والبكاء والأرق وعدم النوم أو زيادة فترات النوم حتى يصل إلى مرحلة يقول فيها إن الحياة لا تستحق العيش، فتراوده فكرة التخلص من نفسه وينفذها بطريقة مفاجئة لمن حوله.

وقد يلبس الاكتئاب قناعاً ويختفي وراء آلام الجسد فيشكو المريض من متاعب في القلب أو المعدة أو الظهر. لذلك أطلق الأطباء على هذا المرض اسم الاكتئاب المقنّع.

يذكر أن المريض قد يسمع أحيانا أصواتا غير حقيقية تؤنبه وتحقّره وتدعوه لأن يجهز على نفسه، وقد يعتقد أنه مصاب بمرض لا شفاء منه فإذا تم تجاهل هذه الأعراض ولم يتم علاجها، طالت معاناة المريض وتطورت حالته إلى وصلات طويلة من حالات الاكتئاب الحادة بل وقد يصبح الانتحار هو الوسيلة الوحيدة أمامه للتخلص من تلك المتاعب ومن الحياة نفسها.

يرى علماء النفس أن الاكتئاب مرض قاس وعصيب قد يشكل عبئاً ثقيلاً على الأفراد وعلى العائلات وإذا لم تتم معالجته قد يتفاقم ويتدهور إلى حد العجز وقد يسبب مشاكل عاطفية، سلوكية، صحية وحتى قضائية واقتصادية حادة تؤثر على كل مجالات الحياة. وقد يسبب مضاعفات منها إدمان الكحول والمخدرات، القلق، أمراض القلب، مشاكل في العمل أو في التعليم، مواجهات في داخل العائلة، صعوبات في العلاقة الزوجية وعزلة اجتماعية.

تجدر الإشارة إلى أن هناك أنواعا كثيرة من الاكتئاب، منها الاكتئاب العقلي واكتئاب سن اليأس والاكتئاب التفاعلي واكتئاب الشيخوخة واكتئاب الحمل والولادة.

وأكد الدكتور يسري عبدالمحسن أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة أن الاكتئاب العقلي هو نوع متكرر يأتي على هيئة نوبات تستمر عدة أسابيع أو أشهر، ثم سرعان ما تزول لتعاود المريض مرة أخرى بعد مدة قد تصل إلى عام أو أكثر، يكون فيها المريض في صورة طبيعية وسليمة من أية أعراض أو مظاهر نفسية مرضية.

وهناك اكتئاب سن اليأس الذي ترتفع نسبته عند النساء أكثر من الرجال ويحدث عادة بعد سن الخامسة والأربعين أو سن الخمسين ويتميز بمظاهر جسدية، فيشكو المريض من صداع وآلام في المفاصل والبطن وعسر هضم ودوخة أحياناً ومن سرعة دقات القلب وضيق التنفس وأوجاع مختلفة في شتى أنحاء الجسم بالإضافة إلى حدة التوتر والقلق والعصبية لأتفه الأسباب ولأبسط الأمور.

وهذان النوعان من الاكتئاب يحدثان بسبب عوامل كيميائية وتغيرات هرمونية بالجسم والجهاز العصبي، ولا تحكمه عوامل البيئة الخارجية والعلاج منهما يعتمد عادة على العقاقير المضادة للاكتئاب وجلسات الكهرباء والتأهيل المستمر اجتماعياً ورياضياً مع جلسات العلاج النفسي.

أما النوع الثالث فهو الاكتئاب التفاعلي، وهو مرض نفسي وليس عقليا، يحدث بسبب الضغوط الاجتماعية ويكثر انتشاره مع ازدحام الحياة بمشاكلها وكثرة الأعباء وضخامة المسؤوليات وطغيان روح المادة على الحياة المعاصرة وانتشار عوامل الصراع والإحباط النفسي. وعلاجه يتمركز حول العلاج النفسي والاجتماعي لمحاولة تصحيح الظروف البيئية الصعبة للمريض ومساعدته على حل المشاكل والتكيف مع صراعات الحياة والخروج من العزلة والانطواء وممارسة الأنشطة والهوايات المختلفة والمحببة إلى نفسه والتقرب إلى الله ومعايشته الجو الروحاني بما فيه من طمأنينة وراحة والابتعاد عن منغصات الحياة والتمتع بقسط وافر من النوم والنزهة ومشاركة الآخرين أمورهم والاستماع إلى الموسيقى ومخالطة المتفائلين والتأمل.
اكتئاب الحمل يصيب الأمهات بالحزن والقلق الشديد خلال الأيام العشرة الأولى وخاصة في الحمل الأول

ويرجع اكتئاب الشيخوخة أيضاً إلى عوامل نفسية واجتماعية متعددة، منها الإحساس بالعزلة والغربة عن المجتمع وفقدان الثقة بالنفس مع الشعور بعدم القدرة على الحركة والنشاط الجسمي بالإضافة إلى عوامل الضعف العام والتدهور في أعضاء الحس كالسمع والبصر والأمراض العضوية الأخرى.

والاكتئاب النفسي في سن الشيخوخة يختلف في طبيعته عن الاكتئاب النفسي الذي يحدث في مرحلة الشباب، إذ تحدث اضطرابات عامة في الدورة الدموية للمخ والجهاز العصبي بعد سن الستين، وقد تزيد من شدة الاكتئاب وتغير في نوعية أعراضه، وعلاج هذه الحالات يتم من خلال العقاقير الموسعة لشرايين المخ مع مضادات الاكتئاب.

وأضاف الدكتور يسري عبدالمحسن أستاذ الطب النفسي أن هناك احتمالات لتعرض المرأة للاكتئاب خلال فترة الحمل وقد يستمر معها حتى الولادة، فقد تشعر معظم الأمهات بفترة حزن خفيفة خلال الأيام العشرة الأولى وخاصة في الحمل الأول، إذ يضيف الشعور بحدوث تغير كبير على مسار حياتها. ويكون الحزن أكثر حدة حيث يؤدي إلى عدم مقدرة الأم على العناية بطفلها وتحدث تقلبات حادة في مزاج الأم ويكون هذا الحرص سبباً في عدم تمتع الطفل بقسط كاف من النوم والخوف الشديد من أن يصيبه أي مكروه والخوف من أن تترك وحيدة مع الطفل.

ويكون الوصول إلى هذه الحالة غير الطبيعية شائعاً أكثر عند الأمهات اللواتي كن يعانين في السابق من نوبة الاكتئاب الكبرى. ويحتاج اكتئاب الحمل إلى العلاج لأن إهمال العلاج قد يؤدي إلى نتائج سيئة قد تصل إلى حد قيام الأم بقتل وليدها الرضيع لكي تحميه من عذاب الاكتئاب الذي تعاني منه والذي قد يؤدي بها إلى التخلص من الجنين أو من حياتها هي. لذلك فالخطوة الأولى في العلاج تعتمد على الزوج، إذ بإمكانه أن يساعد زوجته على التغلب على هذه المرحلة بأمان وسلام إذا ما أعطاها كل الحب والحنان والاهتمام والرعاية، فالمشاعر الرقيقة أولى خطوات الشفاء والمساندة النفسية تلعب دوراً علاجياً مهماً. ثم يأتي دور الطبيب النفسي بعد ذلك، خصوصاً وأن الطبيب لا يستطيع وصف أدوية للحامل خلال الشهور الثلاثة الأولى من الحمل حتى لا تؤدي إلى تشوهات الجنين.

ويوضح الدكتور محمد حسن أستاذ الصحة النفسية بجامعة بنها أن الاكتئاب مرض يعبر عن حالة مزاجية منخفضة يصاحبها الإحساس بالضيق وفقدان الاهتمام بكل شيء.

وقد يكون السبب في الإصابة بالاكتئاب بيولوجياً أو نفسياً، وبالنسبة إلى السبب البيولوجي فيتركز في حدوث خلل في المواد الكيمائية الموجودة بالمخ؛ مما ينتج عنه اضطراب في تركيز بعض الموصلات العصبية في خلايا المخ مثل السيلاتيونين والدبونايين والأدرينالين.

وأكدت بعض الدراسات الحديثة أن معدل الاكتئاب في ازدياد على المستوى العالمي، فالعوامل المسببة للاكتئاب لم تتغير، لكن اختفاء دور المؤسسات الاجتماعية يشكل عائقاً أمام المريض الذي لا يستطيع التخلص من مشاعر الاكتئاب في ظل اختفاء إحاطة الأسرة والجيران والأصدقاء.

وتنصح الدكتورة إنشاد عزالدين أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة المنوفية كل المصابين بحالات الاكتئاب والذين يعيشون تحت الضغوط الحياتية المختلفة بتناول الشيكولاتة والخروج من المنزل والتخطيط للذهاب للسينما مع مجموعة من الأصدقاء.

فالمناخ العام الذي يعيشه الفرد على المستويين العاطفي والأسري يتحكم في حالته المزاجية، ويعتبر كل من العمر والحالة المادية، من أسباب المزاج السيئ. وأحيانا تتوجه الفتيات والسيدات للتسوق لاقتناء الأشياء حتى في حالة عدم احتياجها لهذا الشيء وفي هذه الحالة تشعر براحة نفيسة.

19