الالتباس التونسي.. الإرهاب واهتمامات الأحزاب

في المسافة الفاصلة بين وضوح المشهد واهتمامات الأحزاب، ازدادت ضبابية المشهد، ما أتاح رواج مقولات الانقلاب والخطاب المرتاب، فكانت تحذيرات السفارات الأجنبية الخيط الواضح الوحيد في هذا الالتباس التونسي.
الخميس 2019/07/04
مشهد ضبابي

في تونس تتسارع الأحداث بنسق لم يعهده التونسيون إلا في بعض المحطات التاريخية من قبيل أحداث ثورة 14 يناير 2011. كان الخميس الماضي، 27 يونيو، حافلا بالأحداث. استفاق التونسيون على سلسلة عمليات إرهابية، قليلة الفاعلية والتأثير، لكنها قطعت مع الهدوء “النسبي” الذي عمّ البلاد من أشهر، وهو هدوء سمح للبعض بالتنظير لانتظار قطافه على المستويات الاقتصادية، فحق اعتبار ذلك من معالم التسخين للحملة الانتخابية.

في الخميس نفسه تداعت وتتالت أخبار عن “وفاة” الرئيس التونسي، وكانت المسافة الفاصلة بين وعكة صحية ألمت بالرئيس وبين الوفاة، كافية للبعض للهرولة نحو مجلس نواب الشعب لبحث خطوات اليوم التالي، أو تدارس “الفراغ الرئاسي” بما يتلاءم مع الانتظارات الحزبية لا المصالح الوطنية.

وفي تجاهل الوضع الأمني للبلاد، وإهمال الحالة الصحية للرئيس، ارتفع منسوب النقاش عن طبيعة الشغور الرئاسي وتوصيفه القانوني.

الأحد الماضي، أعلنت السفارة الأميركية في تونس أنها ستغلق أبوابها أمام العموم يوم الاثنين 1 يوليو 2019، لأسباب أمنية، ولم تقدم أي تفاصيل عن القرار ودواعيه. في السياق نفسه، حذرت السفارة البريطانية بتونس، عبر بيان نُشر الأربعاء، رعاياها في تونس من التنقل إلى عدد من المناطق الحدودية لأسباب أمنية، وتوقّعت احتمال حدوث هجمات إرهابية أخرى تستهدف مصالحها أو مصالح غربية أخرى.

بين بيان السفارة الأميركية والتحذير البريطاني، تناقلت وسائل الإعلام التونسية خبر نجاح أمني استباقي تمثل في محاصرة عنصر إرهابي (مفتش عنه وعلى صلة بعمليات الخميس الماضي) في حي الانطلاقة في ضواحي العاصمة، ما دفعه إلى تفجير نفسه دون تسجيل أضرار بشرية.

ما يمكن التقاطه من كل هذه المحطات التي حدثت في ظرف زمني وجيز، هو أن الأحداث الأمنية والسياسية التي تتصدر يوميات التونسيين، أضفت المزيد من الضبابية وعدم الوضوح على الوضع السائد في البلاد، أشهرا قليلة قبل الاستحقاق الانتخابي، التشريعي والرئاسي، الذي ترنو البلاد من خلاله إلى المضيّ قُدما في تحقيق الانتقال الديمقراطي، وتاليا الخروج من عنق الزجاجة الذي تردت فيه منذ سنوات.

في خلفية الأحداث وعمقها، ثمة ملاحظة أولى كامنة في أن الفاعل السياسي الرسمي وغير الرسمي، يبدو غير متمكّن من تفاصيل المشهد السياسي، أو أنه يُولي اهتمامه للمصالح الحزبية، على حساب ما تتطلبه المرحلة ويقتضيه الوضع. على ذلك فإن الخطاب السياسي في تونس لم يكن وفيّا للمرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، وكان محتوى الخطاب ومضمونه خائنا لما تتطلبه المرحلة من تركيز على الأولويات الأّمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.

مفيد الإشارة هنا إلى أن محافظة نابل شهدت وفاة عدد آخر من الرضع في أحد المستشفيات الحكومية، لكن الحدث لم يُحظ بما يستحقه من اهتمام وتداول في غمرة ما حدث ويحدث، وأيضا في سياق تركيز الطبقة السياسية على المنافسة الحزبية وتفاصيلها.

العمليات الإرهابية المتتالية التي جدّت الخميس الماضي، والتفجير الانتحاري الذي حصل أول أمس الثلاثاء، تتضافر مع التحذيرات الأميركية والبريطانية، لتوفر حقيقة مفادها أن البلاد مازالت في مرمى نيران الإرهاب الذي ينتعش، دائما، قبل وأثناء الاستحقاقات السياسية الكبرى.

صحيح أن الأحداث الأخيرة بيّنت أن الخلايا الإرهابية لا تمتلك حاضنة شعبية، على شاكلة ما حدث في أقطار عربية كثيرة أخرى، إلا أن ذلك لا يبرر إهمال الخطر الإرهابي الذي مازال قائما، ويقدّم الأدلة على أنه يمكن أن يعود في كل لحظة تتوفر له فيه فرصة استهداف أمن البلاد.

منذ أحداث الخميس الماضي تتبادل الأحزاب السياسية، ومن اصطف معها وانتصر لها من وسائل الإعلام (طالما أن أغلب الأحزاب التونسية أصبحت مدججة بتلفزيونات وصحف وإذاعات تخدمها وتروّج لأطروحاتها) اتهامات متبادلة، وإن هامسة، بالانقلاب على المسار الانتقالي أو حتى الانقلاب على الرئيس، ولعل إعلان البرلمان التونسي الأربعاء أنه يدرس تشكيل لجنة تحقيق برلمانية للبحث في “حقيقة ما يروّج حول محاولة بعض الأطراف الانقلاب على السلطة” إثر الأزمة الصحية التي تعرّض لها مؤخرا رئيس البلاد، يبين أن الأمر خرج من دائرة التحاليل السياسية إلى مدار الوقائع.

تعيش تونس وضعا غاية في الصعوبة والتعقيد أمنيا واقتصاديا واجتماعيا، وهذا توصيف لا يحتاج تدليلا أو برهنة، وفي مقابل هذا الوضوح تعيش الطبقة السياسية في زمن آخر قوامه اللحظة الانتخابية القادمة، وفي المسافة الفاصلة بين وضوح المشهد واهتمامات الأحزاب، ازدادت ضبابية المشهد، ما أتاح رواج مقولات الانقلاب والخطاب المرتاب، فكانت تحذيرات السفارات الأجنبية الخيط الواضح الوحيد في هذا الالتباس التونسي.

9