الالتفاف حول الكاظمي توافق هش بين الأحزاب العراقية

رئيس الوزراء الجديد أمام تحدي حصر السلاح المنفلت ومواجهة تغول الميليشيات وإنقاذ العراق من كارثة اقتصادية وسياسية.
السبت 2020/05/09
إرث ثقيل بانتظار الكاظمي

تسلّم رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الخميس مهام منصبه من رئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبدالمهدي بمراسم رسمية، وبذلك نجح الكاظمي المفاوض الماهر ورجل المخابرات في الاختبار وبات أمام تحديات هائلة أبرزها استكمال تشكيلته الحكومية، كما يتعين عليه تسخير شبكة علاقاته الواسعة لإنقاذ العراق من كارثة اقتصادية وسياسية.

بغداد - بعد نحو خمسة أشهر من الجمود السياسي، تمكّن رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي من تمرير حكومة غير مكتملة الأركان وكسب ثقة البرلمان وسط أوضاع معقدة محلية وإقليمية ودولية.

وفجر الخميس، صوت البرلمان بأغلبية الأعضاء الحاضرين على منح الثقة للكاظمي و15 وزيرا، فيما لم يحظ 5 مرشحين بالثقة، وشغور حقيبتي النفط والخارجية. وسترث الحكومة الجديدة  اقتصادا مأزوما وعلاقات دبلوماسية في أدنى مستوياتها، وسيكون عليها التعامل مع احتمال تجدّد الاحتجاجات الشعبية في مواجهة سياسة تقشف لا مفر منها.

وكان الكاظمي من بين الأسماء المتداولة لشغل رئاسة الحكومة منذ استقالة سلفه عادل عبدالمهدي مطلع ديسمبر الماضي تحت ضغط احتجاجات شعبية غير مسبوقة مناهضة للحكومة والنخبة السياسية المتهمة بالفساد والتبعية للخارج.

غير أن الكاظمي لم يكن الخيار الأول للقوى السياسية وخاصة الشيعية التي تتولى تسمية رئيس الوزراء على اعتبار أن المنصب من حصتها وفق العرف السياسي المتبع منذ 2003 والمعروف باسم المحاصصة، حيث رشحت القوى السياسية الشيعية محمد توفيق علاوي ثم عدنان الزرفي اللذين لم ينجحا في دعم الحشد اللازم لتمرير حكومتيهما في البرلمان.

ويبدو أن الكاظمي كان الخيار الأخير، إلا أن الرجل، المعروف بفض النزاعات والتوسط بين القوى السياسية المتصارعة على مدى سنوات، نجح في الاختبار.

الكتل السياسية ترى أن هذه الحكومة ستكون انتقالية، لذلك لم ترد أن تغامر أكثر وقررت منح الثقة لحكومة الكاظمي

ويرى الباحث السياسي واثق الجابري أن “القوى السياسية منحت الثقة لحكومة الكاظمي، بعد رفضها في السابق، لقلة الخيارات المتاحة والتحديات الكبيرة التي تواجه العراق على مستويات عدة سواء الصحية أو الاقتصادية أو الأمنية”.

ويضيف الجابري، وهو عضو في مركز “كتّاب العراق”، أن “الكتل السياسية ترى أن هذه الحكومة ستكون انتقالية، لذلك لم ترد أن تغامر أكثر، وقررت المضي بمنح الثقة لحكومة الكاظمي”.

ويعتقد الجابري أن “بعض القوى السياسية كانت مقتنعة بتمرير الحكومة، إلا أن بعضها كان مرغما على هذا الخيار لعدم وجود طريق آخر”.

إرضاء الحراك الشعبي

شغل الكاظمي منصب رئيس المخابرات منذ يونيو 2016 ولغاية تسلمه رئاسة الحكومة، وإضافة إلى دوره في مكافحة الإرهاب والتهريب على أنواعه، طور الكاظمي مواهبه كمفاوض ووسيط بين القوى السياسية.

ويبدو أن اختيار الكاظمي في الأمتار الأخيرة جاء أيضا إرضاء للحراك الشعبي الذي يصر على رئيس وزراء مستقل بعيد عن الأحزاب وتبعية الخارج.

ويقول الباحث السياسي الجابري إن “القوى السياسية تحاول إعادة الثقة إلى الشارع من خلال الابتعاد عن المحاصصة ولو ظاهريا، رغم أنها تتدخل عن طريق وجودها العميق داخل الوزارات، لكنها لم تفرض شخصيات بحد ذاتها على الكاظمي للحصول على حقائب وزارية معينة”.

 استكمال تشكيل الحكومة من التحديات التي يواجهها الكاظمي
 استكمال تشكيل الحكومة من التحديات التي يواجهها الكاظمي 

ويعتقد أن “الكتل السياسية اليوم تمهد لمرحلة مقبلة للشروع بانتخابات مبكرة، رغم مساعي بعض الكتل للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مكاسب داخل الحكومة”.

وحظي الكاظمي بإجماع نادر من القوى السياسية عند تكليفه من قبل رئيس الجمهورية بمهمة تشكيل الحكومة في 9 أبريل الماضي.

ومع وصول المشاورات خط النهاية، سحبت كتل سياسية دعمها للكاظمي لعدم رضاها عن قائمة المرشحين لشغل الحقائب الوزارية.

وقبل أيام قليلة من تمرير الحكومة، أعلنت كتل سياسية أنها لن تصوت لصالح حكومة الكاظمي وهي ائتلاف “دولة القانون” (26 من أصل 329 مقعدا في البرلمان) بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وائتلاف “الوطنية” (21 مقعدا) بزعامة إياد علاوي، وحزب “الحل” (14 مقعدا) بزعامة جمال الكربولي.

ولم تكن الأصوات المعارضة قادرة على وضع العصا في عجلة حكومة الكاظمي، إذ نالت ثقة الكتل الشيعية والسنية والكردية البارزة.

ويرى الباحث في مركز “الهدف للدراسات”، مقره بغداد، هاشم الكندي أن الدعم الأميركي للكاظمي سهّل تمرير حكومته إلى جانب تأييد القوى الشيعية البارزة لها وهي تحالف “سائرون” (54 مقعدا) المدعومة من التيار الصدري، و”النصر” (42 مقعدا) بزعامة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي و”الحكمة” (18 مقعدا) بزعامة عمار الحكيم.

ويضيف أن السنة والأكراد دعموا الكاظمي بعد ضمان مصالحهم في الحكومة الجديدة.

ورحّب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الخميس خلال اتصال هاتفي أجراه مع مصطفى الكاظمي، بتشكيل الحكومة الجديدة. وقالت الخارجية الأميركية، في بيان، إن بومبيو بحث مع الكاظمي سبل “العمل سويا لتوفير الازدهار والأمن للشعب العراقي”.

كذلك رحبت كل من إيران والسعودية بالحكومة، فقد هنأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في تغريدة عبر تويتر رئيس الوزراء العراقي بنجاحه في مهمته، كما بعث العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز برقية تهنئة إلى الكاظمي بعد نيله ثقة البرلمان.

تحديات هائلة

تنتظر حكومة الكاظمي تحديات هائلة تتمثل أولها في استكمال تشكيلته الحكومية التي لا تزال 7 مقاعد شاغرة فيها بينها وزارتان سياديتان وهما النفط والداخلية، حيث يتوجب عليه مواصلة المشاورات الشاقة مع القوى السياسية لتمرير بقية الوزراء في الأيام والأسابيع المقبلة.

ورغم أن الكتلة النيابية الموالية لإيران في البرلمان العراقي لم تتمكن من عرقلة تمرير الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، إلا أنها تسببت في إبعاد بعض مرشحيه المفضلين عن عدد من الحقائب.

وهددت كتلة الفتح برئاسة هادي العامري، التي تضم ممثلين عن أبرز الميليشيات العراقية الموالية لإيران، بالوقوف ضد الكاظمي خلال جلسة منح الثقة، لكنها لم تتمكن من مواجهة المد المؤيد لرئيس الحكومة الجديدة.

 وعلى صعيد آخر، تسلم الكاظمي مهامه وسط أزمة جائحة كورونا التي تجتاح العالم، فعليه إثبات جدارة حكومته بمحاربة الفايروس وتخفيف تداعياته الاقتصادية، وكذلك الاستعداد لإجراء انتخابات مبكرة والسيطرة على السلاح المنفلت.

وعلى الكاظمي الاستعداد لأزمة مالية وشيكة بعد انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية والتي تشكل الأموال المتأتية من بيع الخام نحو 95 في المئة من إيرادات الدولة.

الكاظمي مطالب بإعادة نسج الروابط التي تقطعت مع العراقيين الغاضبين
الكاظمي مطالب بإعادة نسج الروابط التي تقطعت مع العراقيين الغاضبين

كما أن عليه إرضاء الحراك الشعبي الذي يستعد لاستئناف الاحتجاجات بعد انتهاء قيود كورونا، حيث يعترض المتظاهرون على طريقة تشكيل الحكومة ومحاولة الكاظمي استرضاء القوى السياسية في اختيار مرشحيه.

وبعد حصوله على دعم الطبقة السياسية العراقية التي تحتكر السلطة منذ 16 عاما، سيضطر الكاظمي إلى إعادة نسج الروابط التي تقطعت مع العراقيين الغاضبين الذين تظاهروا خلال أشهر ضد السياسيين “الفاسدين” وطالبوا بالتغيير.

ويقول الباحث الكندي إن حكومة الكاظمي تشكلت كسابقاتها استنادا إلى “المحاصصة الحزبية” و”صفقات اللحظات الأخيرة”، وهو ما لا يرضي الشارع العراقي المنتفض.

ويضيف أن الأحزاب النافذة لن تتيح المجال للكاظمي بإدارة حكومته بحرية، مردفا “لن يكون بالإمكان محاسبة أي وزير من مبدأ (غطيلي وأغطيلك)، وهكذا فإن الفشل سيتكرر”.

ويختم الكندي بالقول “الأمر ليس مرتبطا بالأسماء، وإنما نهج القوى السياسية التي ترفض مغادرة المحاصصة والمكاسب، لذلك فإن حكومة الكاظمي لن تحقق النجاح كسابقاتها”.

وجاء تمرير الحكومة العراقية بعد أشهر من الجمود السياسي بعد أن أطاحت الاحتجاجات الشعبية بالحكومة السابقة برئاسة عادل عبدالمهدي استقال على إثرها مطلع ديسمبر الماضي.

7