الامتحان الصعب لنجوم مسرح مصر

نجوم مسرح مصر يوالصون ما بدأوه من سيناريوهات الإضحاك والسخرية سعيا منهم إلى تطوير أدائهم التمثيلي دون أن يتنافى ذلك مع التلقائية التي يتميزون بها.
الجمعة 2020/05/22
مصطفى خاطر وعلي ربيع لم يقدما جديدا في مسلسل "عمر ودياب"

طرحت مسلسلات رمضان التي شارك فيها نجوم مسرح مصر من الشباب، تساؤلات حول مفهوم الدراما وطبيعة الكوميديا لدى هؤلاء الفنانين الشباب، الذين اجتهد بعضهم في استيعاب أبجديات التمثيل وتقمص الشخصيات، في حين توقّف البعض عند الأداء المكرّر والنكت المجانية. وتثير هذه الأعمال النقاش حول دور الفن في مدرسة الضحك الجديدة، وهل هو مجرد انعكاس للواقع أم محاولة لتهذيبه وتثقيفه؟

القاهرة- حظي نجوم مسرح مصر بحضور كبير في الدراما الرمضانية هذا العام، خصوصا من خلال مسلسلين نالوا فيهما البطولة، وهما “2 في الصندوق” لحمدي الميرغني وأسامة المعروف بـ”أوس أوس” من تأليف لؤي السيد وﺇﺧﺮاﺝ محمد مصطفى، و”عمر ودياب” لمصطفى خاطر وعلي ربيع من ﺗﺄﻟﻴﻒ فاروق هاشم ومصطفى عمر وﺇﺧﺮاﺝ معتز التوني. إلى جانب مشاركة الميرغني في مسلسل “فلانتينو” مع عادل إمام.

ولقيت هذه الأعمال صدى جماهيريا تجسّد في ملايين المشاهدات والمتابعات عبر الفضائيات والمنصات الإلكترونية، بما أثبت تمكّن هؤلاء الشباب من بلورة صيغة فنية مغايرة بدت ملائمة للأجيال الجديدة ومقوّمات الحاضر المجتمعي بكل ما فيه من أزمات وإشكالات وإحباطات وضحالة.

وفي هذه الأعمال الدرامية الجديدة التي شهدها الموسم الرمضاني الحالي، هناك ملامح مشتركة تخصّ نجوم مسرح مصر، وتهيمن على صناعة هذه المسلسلات الكوميدية التي شاركوا فيها برمّتها. وهناك على الجانب الآخر تفاوتات جزئية نوعية وأمور فنية إيجابية تُحتسب للبعض منهم وتبرز إمكاناتهم وتزيد من رصيدهم، وأمور أخرى سلبية تُحتسب على آخرين وتنتقص من تجربتهم.

الضحك كغاية

مدرسة الضحك تكتفي بقراءة الواقع الهش ومغازلة الأجيال الجديدة بعيدا عن ادعاءات التجميل والتوعية والإصلاح والتثقيف
مدرسة الضحك تكتفي بقراءة الواقع الهش ومغازلة الأجيال الجديدة بعيدا عن ادعاءات التجميل والتوعية والإصلاح والتثقيف

السمات المشتركة في هذه المسلسلات ببساطة هي تلك الخصائص العامة والثوابت التي قامت عليها مدرسة الضحك الجديدة منذ ظهور عروض “تياترو مصر” ومن بعده مواسم “مسرح مصر” المتتالية خلال السنوات الماضية، ومن أبرزها اتخاذ الضحك في حد ذاته فلسفة منفردة وغاية وحيدة، فلا رهان سوى على الابتسامة، بغض النظر عن طريقة توليدها، سواء من خلال مشهد محبوك وموقف درامي متصاعد، أو عبر المفارقة، أو عبر نكتة أو لازمة أو “إفّيه” أو ارتجال.

وبالتالي فإن ما يسمّى بالنص أو الورق محال عادة إلى الخلفية أو الهامش، أو قد يكون في بعض الأحوال مجرّد خطوط عريضة أو حصادا أوّليا لورشة عمل، أو لا وجود له تماما.

ومع المتغيرات التي شهدتها السنوات الأخيرة على الأرض، وطغيان المشكلات الواقعية والمجتمعية من قبيل التفسّخ الأسري والبطالة والفقر والقهر والاغتراب والانسلاخ عن الذات والحقيقة والانخراط في العوالم الافتراضية والإحساس بالضياع والانهزامية والتضاؤل وفقدان البوصلة والهوية وانتشار الإحباط وما إلى ذلك، تخلخلت المعايير والقيم لدى الشباب والأجيال الجديدة، وصارت الآمال والدعوات الإصلاحية الجادة بعيدة المنال.

وفي الوقت نفسه فإن الرغبة في مقاومة التيار ما زالت كبيرة لدى الكثيرين من المتحصّنين ضد الانحراف والانجراف، فكانت السخرية والروح المرحة و”القلش” من أجل التمسك بالحياة، والاستهزاء الكاريكاتيري بالذات وبالآخرين والأوضاع المحيطة بصفة عامة، انطلاقا من أن “شرّ البليّة ما يضحك”.

واكتفى جيل مسرح مصر من الممثلين ومن المهرّجين الجدد بمبادئ مدرسة “الضحك من أجل الضحك”، قانعين برؤية الواقع الهشّ العاري من على السطح، بكل ما فيه من أزمات فادحة وسوءات فاضحة وملابسات متشابكة، وقنعوا في أعمالهم بكبسولات التغييب المكثّفة، المشحونة ضحكا وعبثا وفانتازية دون السقوط في الإسفاف، بالمعنى الأخلاقي والرقابي. ومن ثم فإن هذه الخلطة قد نجحت في مغازلة رفقائهم من الشباب، الذين لم تعد تناسبهم تماما أعمال تدّعي التجميل والإصلاح والتثقيف وتحرص على بثّ رسائل من خلال الفن، وبخاصة الكوميديا.

نجوم مسرح مصر قنعوا في أعمالهم بكبسولات التغييب المكثفة، والمشحونة ضحكا وعبثا دون السقوط في الإسفاف

ولم تصل حالة نجوم مسرح مصر إلى هذا القدر من التحقّق والذيوع بالصدفة، وإنما بالقدرة الذكية والتلقائية المدروسة في آن، على ملء الفراغ الذي سبق ظهورهم. فوسط واقع يسوده الخواء ويتحدّث بلغة التمزّق والتناثر، كانت التيارات الفنية المحافظة والتقليدية تتحدّث بأبجدية متعالية، ونمطية، متكررة، ومنفصمة عن الزمان والمكان، إلى جانب مباشرتها ونبرتها التوعوية التي لم تعد صالحة لمخاطبة حتى الأطفال في عصر الرقمية وثورة المعلومات.

ولذلك فإن المُضحكين الجدد قد تمكّنوا بسهولة من سحب البساط من تحت أقدام صيغ فنية بالية وصنمية، من أبرزها أعمال محمد صبحي على سبيل المثال، المسرحية والتلفزيونية، التي كانت أيقونات لما يسمى “الفن الهادف” لسنوات طويلة سابقة، قبل أن تتراجع متحوّلة إلى بيانات وعظية مثيرة للشفقة من الوجهة الفنية.

ولعل من أهم عوامل سيطرة المُضحكين الجدد على المشهد رهانهم على أن مصداقية التفاهة أفضل من الادعاء الزائف للقيمة والتنوير، فأوصلهم هذا الإخلاص إلى قلوب الشباب، ومكّنهم من تقويض نظريات فنية متكلّسة ومتحجّرة انحدرت ميكانيكيا من حقبة الستينات المليئة بالعناوين البرّاقة المخادعة حول الفن الموجّه والثقافة الإرشادية والخطاب الجمالي الممسوخ لصالح السياسة والأيديولوجيا والهيمنة السلطوية والأبوية. في حين أن الكثير من الأعمال المنتسبة إلى تلك النظريات (ومنها أعمال صبحي ذاته) لم تخل من السقطات الجنسية والإيحاءات الخارجة مثلا، وفق منطق القيمة وتوظيف الفن.

واصل نجوم مسرح مصر في الموسم الرمضاني الحالي ما بدأوه من سيناريوهات الإضحاك والسخرية، من أنفسهم ومن كل من وما حولهم، بعيدا عن أي قيود، إلّا الفضائحية وخدش الحياء، وجاءت أدوارهم مزيجا من قدرات الممثلين، ومهارات البلياتشو “المهرّج” والأراجوز، ولم يضرهم ذلك بأي حال من الأحوال، أمام هدف أول وأخير، هو زرع الابتسامة البكر، بأيّ وسيلة كانت.

صعود وهبوط

حمدي الميرغني شارك في مسلسل "فلانتينو" مع عادل إمام
حمدي الميرغني شارك في مسلسل "فلانتينو" مع عادل إمام

ما يُحتسب لبعض هؤلاء الشباب في مسلسلات هذا العام على وجه التحديد هو سعيهم الجاد والحقيقي، ربما للمرة الأولى، إلى تطوير أدائهم التمثيلي وتطويع إمكاناتهم و”ركوب الشخصيات” بشكل احترافي محكم، دون أن يتنافى ذلك مع التلقائية والبراءة والطزاجة التي يتميزون بها.

وفي امتحان دراما رمضان الأصعب، يمكن القول إن حمدي الميرغني و”أوس أوس” تقدّما خطوات واسعة في خوضهما تجربة “التمثيل” بمدركات أوسع في مسلسلهما “2 في الصندوق”، الذي فجّر لديهما طاقة التقمّص، وساعدهما كثيرا في كسر برواز الشخصيات المسرحية التي تكرّرت.

وقد جسّدا بمهارة شخصيتي شابين توأمين يتطلعان إلى تجاوز محيطهما الاجتماعي والطبقي كجامعي قمامة، وتحقيق أحلامهما في العشق والزواج والعمل في الوسط الفني، أحدهما كممثل، والآخر كمطرب.

ولم يقدّم الميرغني جديدا في دوره بمسلسل “فلانتينو” مع عادل إمام، وكذلك فإن الثنائي مصطفى خاطر وعلي ربيع استسلما للحل المريح في مسلسلهما “عمر ودياب”، فلم تكن هناك دراما بالمعنى الناضج المكتمل في العمل المترهّل والمفكّك، الذي جسّدت حلقاته مواقف كوميدية متفرقة مصاحبة لرحلتهما الفاشلة معا من أجل البحث عن عمل.

ولم يتجاوز “عمر ودياب” حدود الدائرة المغلقة لأجواء مسرح مصر وشخصياته وحركاته، وأوشكت الكوميديا على الاختناق بفعل الإفيهات المتكرّرة والقفشات المجانية والأداء الاستسهالي، وفقد خاطر وربيع فرصة ذهبية لتفعيل حضورهما والإفصاح عن قدراتهما بشكل أفضل، خصوصا أن الجمهور لم يفقد الثقة بعدُ في إمكانات شباب الإضحاك القادمين من مسرح مصر.

16