الانبهار بالتجريب في المسرح

الأحد 2017/05/21

ينبهر الكثير من المخرجين المسرحيين الجدد، أو الشبّان، في العالم العربي اليوم، بمصطلح “التجريب”، سواء كانوا يمتلكون القدرة والخبرة والثقافة التي تؤهلهم لخوض غمار التجريب، بمعناه الحقيقي، أو يفتقدون إليها. ويُعزى انبهارهم، في معظم الأحيان، إلى إحساس داخلي يغلفه الوهم بأن حضورهم المتميز في الوسط المسرحي، لا يتحقق إلاّ بتقديم تجارب إخراجية تتفوق على التجارب السائدة، من دون أن يكون لأغلبهم إسهام فعلي في هذه التجارب بما يكفي لاكتشاف مكامن الخلل فيها والتوق إلى التحرر من مواضعاتها ومظاهرها التقليدية. لذلك نادراً ما ينجح بعض هؤلاء المخرجين في صوغ عروض مسرحية ذات طابع تجريبي، تتسم بالابتكار والاجتهاد والمقاربة الخلاقة أو التأويلية للنص المسرحي، وهي من اشتراطات التجريب.

رافق التجريب المسرحي، من الناحية التاريخية، المسرح منذ نشأته في الحضارات القديمة؛ فالممثل اليوناني ثيسبس الذي طور الأناشيد إلى عرض مسرحي يشبه المونودراما كان مجرباً، وأسخيلوس الذي أضاف ممثلاً ثانياً وطور الفعل الدرامي كان مجرباً، وسوفوكليس الذي أضاف ممثلاً ثالثاً كان مجرباً لأنه عمّق عناصر البناء الدرامي ووسع آفاق العرض المسرحي.

وممثلو الكوميديا دي لارتي الايطاليين كانوا مجربين لأنهم أطلقوا للممثلين حرية الخلق والابتكار وقدموا أسلوباً جديداً في العرض الملهاوي. وكانت طريقة فرقة الدوق جورج الثاني المعروف بـ”طدوق ساكس مينينغن”، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، طريقة تجريبية في وقتها لأنها تجاوزت أحلام السابقين حينما حاولت البحث عن حلّ للتناقض بين المناظر المرسومة وحركة الممثل الحي داخلها، وألغت فكرة الممثل البطل أو النجم.

أما التجريب المسرحي، بمفهومه الحديث، فقد تكوّن في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وارتبط بمفهوم الحداثة بوصفها فعالية تقترن بالابتكار ونقض المألوف وكسر المسلمات وهدم الأنموذج على صعيد الرؤية والتقنية. وقد أكد برشت أن كل مسرح غير أرسطي هو مسرح تجريبي.

بيد أن المسرحي والشاعر الفرنسي ألفريد جاري كان أبرز مجرب مسرحي قبيل انتهاء القرن التاسع عشر بأربعة أعوام، حينما عرض مسرحية “الملك أوبو” في باريس، ذلك العرض الذي قال عنه أندريه جيد إنه “الشيء الخارق للعادة الذي لم ير المسرح مثله منذ وقت طويل”، ووصفه الشاعر والكاتب المسرحي الأيرلندي و. ب. ييتس بأنه “علامة أنهت مرحلة كاملة في الفن”. وكان هذا العرض بالفعل ثورة مسرحية كبيرة تمخضت عنها الاتجاهات التجريبية في المسرح العالمي كالتعبيرية والسريالية.

وإذا كان التجريب المسرحي في بدايته قد طال الشكل فإن سمته الأساسية في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي تجلت في محاولة الانفتاح بالمسرح على بقية الفنون، وفي خلق علاقة مختلفة مع المتلقين وتوسيع هامشه. بذلك أخذ التجريب منحى فنياً وفكريا. ثم ارتبطت حركة التجريب في المسرح بتطور العلوم الإنسانية وتأثيرها على مناهج قراءة المسرح.

من خلال متابعتي للمسرح العربي، مشاهدةً وقراءةً خلال ما يزيد عن ثلاثة عقود، أرى أن العروض التجريبية الناضجة للمخرجين العرب الشبان نادرة، وقد أنتجت في عدد محدود من البلدان العربية، وتجلت تجريبيتها في تقديم أشكال ورؤى وتقنيات أدائية جديدة في المسرح العربي يمكن إدراجها في سياق “الحساسية الجديدة”، وبخاصة تلك التجارب التي جرّدت النصوص التي اشتغلت عليها من مرجعياتها وأقصت مبدأ المماثلة وحاولت الاقتراب إلى صياغات تشكيلية بصرية للخطاب المسرحي وإطلاق العنان للتخييل الحر والانزياح عن الإطار المرجعي، إذا جاز لي استعارة هذا المصطلح من نقد الشعر، وإضفاء منحى تركيبي غامض على شبكة العلاقات بين الشخصيات بجعلها تتداخل بعضها مع بعض، بحيث يجد المتلقي نفسه أمام ضرب من الدهشة والالتباس.

كاتب من العراق

13