الانتحارية التي غيرت حياتي

الممثلّة والمخرجة العراقية اللبنانية زهراء غندور: لم أكن أفكر في التمثيل إلى أن التقيت سارة.
الأحد 2019/08/18
أنا مخرجة أفلام أصلا واستغرقني التفكير سنتين حتى أتحول إلى ممثلة

فلورنسا - فاجأت الممثلة العراقيّة زهراء غندور جميع من شاهدوا أداءها الرائع في فيلم “الرحلة” للمخرج العراقي محمّد الدرّاجي، الذي أدّت فيه دور “سارة”، الشابة الانتحاريّة التي دخلت المحطّة العالميّة للقطارات في بغداد بهدف تفجير نفسها.

لم تكن المفاجأة تلك وليدة مجيء هذه الممثلة من وراء كاميرا الأفلام والبرامج الوثائقية، بل للكثافة الهائلة التي حقّقتها للشخصية التي أدّتها، والتي دخلت منذ الوهلة الأولى إلى ذهن المشاهدين ونالت إعجاب لجان التحكيم والنُقّاد، بحيث صار أمر “جائزة أفضل ممثلة”، محسوما لها منذ اللحظة الأولى لعرض الفيلم، وحتى قبل انتهاء المهرجان أو التظاهرة السينمائية التي عُرض فيها فيلم “الرحلة”. ومنذ اللحظة الأولى من حضورها على الشاشة قبل بضع سنين، سطع ضياء نجمة مُقتدرة ورفيعة الحضور، سيكون لها شأن هام في الأداء التمثيلي.

صاغ المخرج العراقي محمّد الدراجي فيلمه “الرحلة” على مقاس زهراء غندور، بعد أن اكتشفها عبر التقارير والوثائقيّات الصحافيّة التلفزيونية التي تُعدّها للقنوات التلفزيونيّة، وأدرك استحالة قيام “الرحلة” دون هذه المسافرة التي تحمل في ناظريها المئات من التلاوين والتنويعات من المأساة العراقيّة، والقادرة على إثارة المئات من الانفعالات لدى مشاهد الفيلم، وينبغي الاعتراف لمحمّد الدراجي قدرتيه الأساسيّتين: في بناء صورة مشهده الفيلمي؛ وفي اختياره لممثّليه، بالضبط كما فعل لدى اختياره في عام 2010 للثنائي بشير الماجد والسيّدة شازادا حسين، التي أدّتْ دور “دايكي إبراهيم – أم إبراهيم” في فيلم “إبن بابل”.

وعلى الرغم من براعة زميلها في الفيلم، الممثل الشاب أمير الدراجي وخفّة حضوره في المشهد، فقد أدرك محمّد الدرّاجي، أن “لا فيلمَ دون زهراء غندور!”، وهكذا جاءت النجاحات التي حقّقتها زهراء وحقّقها الفيلم في العديد من المهرجانات.

فضول إنساني

تقول زهراء غندور، في اللقاء الذي أجريته معها في مدينة مالمو السويديّة، “لم تكن فكرة الوقوف أمام الكاميرا كممثلة قد خطرت ببالي إطلاقا، ولم أكن معنيّة، لا من قريب أو من بعيد، بفكرة الاشتراك في فيلم روائي، بدأت الفكرة بمفاجأة أو بصدفة، وكان الجواب الأول على طلب المخرج ‘لا’ حاسمة. لكن بعد السماع عن شخصيّة ‘سارة’ التي عُرضت عليّ، اكتشفت أنّها من القوّة التي جعلتني أتوقّف للتفكير بشأن الانتقالة الهامة في حياتي المهنيّة، بالذات لأنّني لم أمتلك حتى تلك اللحظة أي دافع لقبول عرض محمّد الدراجي، إلاّ أنّ ‘سارة’ -(الفتاة الأم الانتحاريّة) في الفيلم- حرّكت فيّ فضولا كبيرا، ما دفعني إلى السعي لاكتشافها”.

بعد خوض تلك التجربة تكتشف زهراء غندور بأن التمثيل عبارة عن عالم أعمق بكثير ممّا كانت تتصوّره من قبل، وذلك لما يختزنه من صدق أصيل لا علاقة له بمفردة التمثيل، التي تعني في صلبها “التلفيق” الذي لا غنى عنه لتلبّس الشخصيات، وتقول “في التمثيل كمّ هائل من الصدق، إضافة إلى تمكينك من بذل جهود هائلة لبلوغ ناصية الشخصية”، التي ينبغي أنْ تُقنع المشاهدين، بصرف النظر عن انتماءاتهم وثقافاتهم وسني أعمارهم، لذا صار الأمر بالنسبة لي، شغفا وتحدّيا مع ذاتي لحرث وزراعة أرض كنت أجهل مقدار قساوة ترابها، ومقدار سخائها في منح الثمر الوفير، إذا ما حُرثت، وبُذرت وسُقيت، بشكل صحيح وصادق”.

بإمكان الممثلين الذين يُحركون وجوههم كثيرا، إيصال ما يريدون دون الحاجة إلى الإسفاف والإفراط في تلك الحركات
ٍبإمكان الممثلين الذين يُحركون وجوههم كثيرا، إيصال ما يريدون دون الحاجة إلى الإسفاف والإفراط في تلك الحركات

تمثل سارة

تكمن خاصيّة أداء زهراء غندور لشخصية سارة في أنّ ذلك الأداء ينطلق من أعماق الممثلة ويرتسم فِعْلا وإيماءات في ملامحها، وقد تحقّق لها هذا الأمر عبر اشتغالها على الشخصية والبحث في مكامنها ودواخلها، واشتغالها على الصراعات التي تضطرم في داخل تلك الفتاة المُتحرّكة في المساحة الضيّقة بين الغضب والموت خلال تلك الساعات التي تقضيها في “المحطّة العالميّة” للقطارات في بغداد، وهي تحمل في حضنها وليدها الصغير، وحول خصرها تحمل الحزام الناسف.

أي أنّ سارة تحمل، في اللحظة ذاتها، الحياة والموت معا، وذلك بغلبة حاسمة للموت، الذي سيقضي ليس على الآخرين فحسب، بل عليها هي، وعلى الوليد الذي تحمله في حضنها؛ والمثير في الأمر أن البحث العميق الذي أجرته زهراء غندور على شخصيّة سارة قادها إلى اختزال هائل لكلّ ما هو زائد في تفاصيل الإيماءة والحركة، ذلك “الاختزال” الذي ذكّرني بالمخرج المسرحي العراقي الراحل عوني كرّومي الذي كان يبني شخصياته خالية من أيّ فائض في الحركة والإيماءة، وأقول ذلك من خلال معرفة مباشرة وعمل مشترك معه في عدّة مسرحيّات في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي.

سنتان من البحث

ولدى سؤالها عن الزمن الذي صرفته في بناء شخصيّة لإيصالها إلى ما وصلت إليه، تقول زهراء غندور “امتدّ العمل على تحضير شخصيّة سارة لوقت طويل، وبالذات من جانبي، عبر البحث سواء في العالم الخارجي، الذي يُحيط بها، وفي البحث في داخلي أيضا، أنا زهراء غندور.

وقد أعانني ذلك على فهم عالمها، إلاّ أنّ هذا كلّه، رغم أهميّته، لم يكن من الجوهرية بمقدار ضرورة فهم تكوين شخصية سارة، للعثور على الخيطين الرفيعين: خيط الطيبة الإنسانيّة في داخلها، وخيط الشر الموازي لتلك الطيبة الإنسانية”، وتُضيف “لم أكن أرغب في أن تظهر سارة شخصية جامدة بشكل كبير، وسعيت إلى أن أُظهر في نظراتها خيطا من الإنسانيّة، التي تنزاح في حالات لتُخلي المجال للشرّ القادم”، وتصف زهراء غندور الاشتغال على شخصية سارة بـ”التحدّي الأكبر بالنسبة لي”.

ولضرورة العامل الجسدي الذي اشتغلتْ عليه زهراء غندور في تشكيل شخصية سارة، فقد استدعى ذلك منها، كما يفعل كبار الممثلين المحترفين، عملية طويلة تطلّبت تدريبات قامت بها بنفسها، وتقول “غيّرت جسمي وطريقة حياتي، لما يربو على سنتين، لأتمكّن من الاقتراب من الشخصيّة، وقد أثّرّ كل ذلك عليّ، وعلى الطريقة التي أُفكّر وأُحسّ فيها، ومع مرور الوقت، صار جزء كبير منّي هو ‘سارة’؛ ربّما كان ذلك في غاية الأهميّة للفيلم، إلاّ أنّه كان مُنهكا بالنسبة لي، كزهراء، التي هي إنسانة، قبل أن تكون ممثلة”.

واستعانت زهراء في اشتغالها على الشخصية بخزين مشاهداتها وقراءاتها ورأيها بأداء الممثلين، وتقول “كمشاهدة، لم أحبّ أبدا الممثلين الذين يُفرطون في تحريك ملامحهم ووجوههم كثيرا، وأقول دائما إنّ بإمكان الممثلين الذين يُحركون وجوههم كثيرا، إيصال ما يريدون دون الحاجة إلى الإسفاف والإفراط في تلك الحركات”. وتؤكّد زهراء غندور رأيها بأن شخصية سارة “كانت تحتاج إلى الاختزال شبه الكامل لحركات وإيماءات الوجه، وهذا ما أتعبني أكثر من غيره. كثير من الممثلين يُحجمون بعد فترة قصيرة عن الاشتغال في هذا الإطار، لكنّي واثقة بأن من يمتلك العزم في بلوغ ناصية الشخصية، فإنّه سيبلغها بالتأكيد”.

وتأكيدا لما تقوله زهراء غندور، فإن هناك اختزالا كبيرا لإيماءات وحركات سارة بشكل عام، فهناك ثبات في النظرة، وثمةَ شبه ميكانيكيّة، مقصودة بالطبع، في الحركة، وما الحركة بمجملها إلاّ فِعلا يسعى إلى بلوغ هدف مُحدّد، وأن تبلغ ذلك الهدف في اللحظة التي قرّرت هي تحقّقه”.

مَدِينةٌ لوالدتي

لم تكن زهراء غندور ممثّلة محترفة ولم تدرس هذا الفن، لكنّ من يستمع إليها وهي تتحدث عن الأداء التمثيلي يُستثار فضولا لمقدار ما تمتلكه من معرفة لفن التمثيل ولفضاءاته، فمن أين أتَتْها هذه المعرفة الدقيقة بتفاصيل التمثيل، لاسيّما وأنّها لم تعمل في الماضي إلاّ في إطار الوثائقي؟

“أعتقد بأنّ المشاهدة هي عامل أساسي لأي شخص يحاول اكتشاف عمل الممثلين”، تقول زهراء غندور “وأنا غادرت عالم الكارتون وابتدأت بمشاهدة الأفلام الروائية في عمر تسع سنوات، وأتذكّر جيّدا أين كنّا نسكن في بغداد وكل ما شاهدت من أفلام روائية، وأعتقد بأن والدتي، واهتمامها الهائل بمشاهدة الأفلام الروائية، كانت حافزا هامّا. أتذكّر أنّها كانت تُصنّف الممثلين عبر أدائهم وتمنحهم درجات، من الدرجة الأولى، وصولا إلى الدرجة العاشرة، وهي الدرجة التي كانت تعني بأن الفيلم سيء بدرجة كبيرة ولا ينبغي لنا أن نُشاهده؛ وكما ترى كان لديها تقدير واعتبار عاليّين لعمل الممثل وأدائه في الفيلم”.

كانت والدة زهراء غندور تستحث أبناءها على مشاهدة حتى الأفلام غير المروّج لها وغير المشهورة، فقط لأنّ أداء الممثل فيه كان مُميّزا، وبذلك تحولّت بالنسبة لزهراء، دون تخطيط مسبّق أو مستقبلي، إلى ما يُشبه الـ”كوتش – معلّم الأداء التمثيلي”، وتقول “هذه كانت تجربتي الأولى مع الممثلين، عبر المشاهدة المنتقاة والمُرشّحة من والدتي، بعدها جاءت مرحلة البحث، ولكوني أشتغل في مجال الوثائقيات، فأنا أُحب البحث، فتحوّلت شخصية سارة بالنسبة لي إلى مشروع بحث هائل، وهو ما دفعني إلى الاطلاع على تجارب أخرى وإلى مشاهدة العشرات من الأشرطة التي يتحدّث فيها الممثلون الكبار عن تجاربهم، أفدت من جميعها، لكنّي، ككلّ الآخرين، حاولت نحت طريقتي الخاصة.

انفعالات عميقة في مشهد من فيلم "الرحلة"
انفعالات عميقة في مشهد من فيلم "الرحلة"

وقد قادتني عملية البحث في التجارب التمثيليّة إلى اكتشاف طريقة قسطنطين ستانسلافسكي حول كيفية وطرائق مُعايشة الحالة التي تجتازها وتعيشها الشخصيّة، أهداني صديق لبناني كتابه “إعداد الممثل”، وأعتبرهُ من بين أثمن الهدايا التي حصلت عليها حتى الآن. هذا الصديق يُعلّم التمثيل، لكنّي لم أكن طالبة لديه، فقال لي “اقرئي هذا الكتاب وستتعلّمين منه الكثير!”، وكان على حق مئة في المئة.

وتؤكّد زهراء غندور بأنّها لم تقتصر على حبّ شخصية سارة، بل أيضا بالوثوق بها للترحال برفقتها، وهو ما جعلها تثق بالعمل أكثر فأكثر، وتقول “تجسّدت هذه الثقة في الإصرار على إنجاز بحثي الخاص عن سارة والذي طال كثيرا، ومرّة قلتُ للمخرج بأنّ “الناس سيرون وجهي على الشاشة وسيتذكّرون هذا الوجه، وأنا أخذت الأمر بجدّية عالية ولا أرغب في أن يُشكّك أحد بمقدار الجدّية التي أتعامل بها مع هذه الشخصية”.

“كان الفيلم، بمجمله، تحدّيا لجميع العاملين فيه للعمل بجدّية أكبر ليس على تكوين شخصية سارة أو الشخصيات الأخرى، بل لمجمل فضاءات الفيلم، وبعملي في فيلم ‘الرحلة”، تقول زهراء غندور “اكتشفت عالما كبيرا وفضاء واسعا، لا يزال يُعلّمني الكثير حتى اليوم”.

شهاب أم نجمة؟

ابتدأت زهراء غندور السير على طريق التمثيل بخطوة صحيحة، تمكّنت من خلاله تعلّم الكثير عبر البحث العميق والاشتغال الجسدي والذهني على شخصية سارة، وكما كان مُتوقّعا، لم يكن لمرورها في فضاء الشاشة كمرور شهاب عابر أو كنجمة صيف هاوية، ولم يكن لذلك الاشتغال، الحضور والجهد البحثي الذي أنجزته إلاّ أن يفتح لها آفاق مشاركات جديدة أخرى، تكلّل بعضها في فيلم “بغداد في خيالي” الذي عرضه المخرج العراقي (السويسري) سمير جمال الدين في الدورة الأخيرة من مهرجان “لوكارنو” السينمائي الدولي، وهو فيلم كورالي تؤدّي فيه زهراء دور شابّة عراقية مهاجرة، إلى جانب نُخبة من الممثلين الأوروبيّين والعرب والعراقيين، من بينهم الممثلة الكبيرة عواطف نعيم والمخرج المسرحي العراقي هيثم عبدالرزاق.

لم تُعدْ زهراء غندور وجها مُعارا من الصحافة والإعلام إلى السينما، ولن تكون، كما توضّح، “ممثّلة الفيلم الواحد والوحيد”، فما الذي ستختاره زهراء من بين مكوِّنَيْ حياتها المهنيّة الآن: الإعلام أوالتمثيل السينمائي؟

لا شيء مستحيل

تقول زهراء إن السؤال هذا يدور في خلدها منذ فترة ليست بالقصيرة، أي على ماذا عليّ أن أُركّز جهدي وذهني في المستقبل! وتُضيف “التمثيل أمر جدّي وهام، وعندما يصلك دور ما وتوافق عليه، ينبغي لك أن تتفرّغ له بشكل كامل، أي أن يكون ذهنك مُركّزا وأحلامك موجّهة لخدمة الدور؛ إلاّ أنّني لا أعتقد بأنّني سأتخلّى عن إخراج الوثائقيّات؛ أنا أشتغل في مجال الوثائقيات الاجتماعية، وهذا موجود في حياتي بشكل هام للغاية، ومع احترامي لكلّ عالم التمثيل، فإنّ الممثلين يُقضّون وقتا طويلا بانتظار الاتّصال لأداء هذا الدور أو ذاك، لذا لا أرغب في أن يمضي وقت طويل من حياتي دون إنجاز شيء، خاصّة وأن عملي البحثي حول الدور يستغرق وقتا طويلا. لن أجلس على أريكتي و”أشبك” ذراعيّ بانتظار الاتّصال لأداء دور ما، لذا سأعود إلى إنجاز ما اعتبره مهمّا للغاية، أي الوثائقيات”.

وحول إمكانيّة الانتقال من كتابة الوثائقيّات إلى كتابة عمل روائي تعلن المخرجة والممثلة أنها تحب الكتابة. وتضيف “كان بحثي الذي سطّرته عن حياة سارة من لحظة ولادتها وحتى لحظة دخولها إلى مبنى ‘المحطة العالمية’ في بغداد، من بين أهم الأمور التي أعانتني على بناء الشخصيّة التي كتبت حياتها بالكامل. كتبت كلّ شيء يخص سارة قبل دخولها إلى مكان الحدث من وجهة نظري، وغيّرت في السيناريو لاحقا، واعتمدتْ بعض حوارات السيناريو على ما كتبت، وعندما اطّلع محمّد الدرّاجي على ما كتبت قال لي إنّ عليّ أن أبدأ بكتابة السيناريو، لأن الأحداث، التي رويتها اعتمادا على الواقع وعلى خيالي، كانت هامّة لبناء الشخصيّة”.

وعن مشروعها القادم تقول إنه وثائقي، “عمل طويل عن واقع اجتماعي هام في العراق، أشتغل في البحث فيه وإعداده، وسأُعلمك عنه عندما يجهز؛ وروائيا: أحلم، ولا أزال أحلم بقصص وأكتب قليلا… و… “وبس، ماكو شي مستحيل!”.

14