الانتحار تحت عجلات القطارات يعري عورات المجتمع

الانتحار أمام وسائل النقل العام يتضمن رسائل للمجتمع تتضمن شقا عدوانيا انتقاميا من المنتحر لتحريك مشاعر الذنب داخل الحاضرين.
السبت 2018/08/11
كاميرات العالم شاهدة على جريمة في حق الذات

تخلى المنتحرون في مصر، ولا سيما الشباب عن الطرق التقليدية في الانتحار، حيث تحولوا بالمشهد من داخل المنازل أو الموت بتناول السم أو الشنق في صمت إلى الفضاء المفتوح، لإثارة ضجة وتأليب الرأي العام على سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت بهم إلى الإقدام على هذه الخطوة، تاركين رسائل وفيديوهات توثق لحظات ارتطامهم بعجلات مترو الأنفاق أو إحداث فرقعة إثر ارتمائهم بالنيل.

القاهرة- يزدحم الرصيف في وقت الذروة بمحطات مترو الأنفاق في مصر بالركاب، الكل ينتظر أصوات الصافرات التحذيرية باقتراب القطار للتراجع عن الحافة تحاشيا للضرر، لكن بينهم من ينتظر إلقاء نفسه تحت عجلاته، محدثا “مأساة” أمام المئات من المشاهدين الذين يوثقونها بهواتفهم المحمولة ويتبادلونها على صفحات التواصل الاجتماعي.

ظلت حالات الانتحار في مصر تتخذ طابعا منزليا صرفا طوال السنوات الماضية، ولا تخرج عن تناول السموم والمبيدات والأقراص المنومة، أو الإلقاء بالنفس في نهر النيل، أو قطع شريان اليد داخل غرف النوم، لكنها بدأت تتخذ طابعا مغايرا وعلنيا في الأشهر الأخيرة من أبرزها الارتماء أمام قطار مترو الأنفاق، ليكون الانتحار مدويا.

يتذكر المصريون قصة الشاب عبدالحميد شتا الذي انتحر قفزا في النيل منذ 15 عاما، بعد فشله في الالتحاق بالعمل في السلك الدبلوماسي، على الرغم من تفوقه، لتواضع مستواه الاجتماعي، وقتها الصرخة كانت مدوية وانقلبت البلاد ولم يتغير الوضع، وهناك العشرات مثل شتا أقدموا على الانتحار بوسائل مختلفة، يأسا، ولم يتغير شيء.

شهدت مصر ثلاث حالات انتحار تحت عجلات قطارات مترو الأنفاق في شهر يوليو الماضي، لشابين لم يتجاوزا سن الثلاثين وفتاة تعمل عاملة نظافة، ألقوا بأنفسهم على القضبان الحديدية دون تردد، تاركين لكاميرات المترو تسجيل آخر مشاهد حياتهم، بل ألقى بعضهم نظرة مباشرة عليها لضمان التقاط وجوههم بوضوح.

بعيدا عن صرخات الجمهور على المشهد الحقيقي، جثة مقطعة أمامهم، وتتابع المشاهد المألوفة التالية؛ قدوم الشرطة ثم النيابة، فجمع الأشلاء ووضعها في أكياس سوداء، وردود أفعال تتراوح بين الصرخات والبكاء والتحسر والتعاطف والهجوم والتكفير، ويبدو تساؤل آخر عالقا: لماذا الانتحار علنا أمام الجمهور؟ وما الرسائل التي يحملها؟

رسائل مجتمعية

موضة الانتحار في الخفاء تتلاشى
موضة الانتحار في الخفاء تتلاشى

يقول الدكتور محمد فتحي، أستاذ علم النفس بالقاهرة، إن الانتحار أمام وسائل النقل العام يتضمن رسائل للمجتمع تتضمن شقا عدوانيا انتقاميا من المنتحر لتحريك مشاعر الذنب داخل الحاضرين، كما لو كان يقول “أنتم السبب في الحالة التي وصلت إليها، ويتضمن نوعا من التحريض على تكرار ارتكاب ذلك الفعل مجددا بما يشي من أن الأمر قد يصبح ظاهرة”.

أمام التخوف من استغلال المترو كوسيلة متزايدة للانتحار، عقد اللواء مصطفى النمر، المسؤول عن شرطة النقل والمواصلات، اجتماعا مع معاونيه تناول إمكانية مواجهة تلك المشكلة، لكنه لم يسفر عن جديد في ظل استحالة السيطرة على سلوك يتم في ثوان، وعدم وجود دلالات مسبقة على المنتحرين، وكثرة أعداد الركاب في أوقات الذروة.

في حالات الانتحار تحت عجلات القطارات، تبدو فرص الإنقاذ معدومة على عكس الوسائل التقليدية، ففي حالات تناول السم يمكن تدارك الأمر وإنقاذ الضحية بإجراء غسيل للمعدة في المستشفيات، واستخدام نهر النيل لا يحول دون وجود متطوعين، يتدخلون لانتشال الضحية قبل أن تمتلئ الرئتين بالمياه، لكن تحت عجلات المترو لا سبيل للخلاص.

ويؤكد فتحي، لـ”العرب”، أن منتحري المترو يعرفون جيدا أنه لا سبيل إلى العودة، ولن يتخذوا ذلك السلوك إلا بوصولهم إلى أقصى درجات الضغط الاجتماعي ومعاناتهم من اعتلال نفسي سابق، فالمجتمع كله يتعرض لضغوط حياتية، لكن يظل الفارق هو البنية النفسية التي تحدث فارقا بين من يستطيعون التحمل ومن يعتبرون الموت خلاصا.

لا توجد إحصائية رسمية حول عدد المنتحرين في مصر، فبينما قدّرت منظمة الصحة العالمية، في آخر إحصائية لها عام 2014، بنحو 88 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص، تقدرها مراكز حقوقية تعتمد على توثيق ما تنشره الصحف سنويا من حوادث، بحوالي ثلاثة آلاف حالة في المتوسط.

وفقا لكتاب “شهقة اليائسين” للصحافي ياسر ثابت، فإن 90 بالمئة من السيدات كن يستخدمن قبل 2012 الأقراص المنومة أو سم الفئران أو إلقاء أنفسهن في النيل أو الارتماء من أماكن شاهقة للانتحار، أما النسبة ذاتها من الرجال فكانوا ينتحرون بالشنق وقطع شرايين اليد أو إطلاق النار على أنفسهم.

ويوضح فتحي أن البعض يعتبر المجتمع أصمّ وكفيفا، ولا يمد يده لمساعدتهم مع غياب ثقافة البوح المباشر لمكنونات النفس بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الإفصاح إلكترونيا، ما أفقده مزايا التواصل المباشر من الاحتضان أو التربيت على الكتف التي تعطي رسائل طمأنة بوجود مساعدة وتفهم.

ولا يستطيع الخبراء ربط الانتحار بالمترو بفئة اجتماعية معينة كالمعتاد، فطريقة الانتحار كانت استشفافا للوضع الاجتماعي، ليميل العاطلون إلى الشنق، ورجال الأعمال إلى إطلاق النار على أنفسهم، والتلاميذ إلى قطع شرايين اليد، والسيدات من الطبقات الغنية إلى تعاطي الكثير من الأدوية المنومة، بينما الفقراء طالما استخدموا المبيدات الحشرية.

لكنهم لا يخفون القلق من تزايد الظاهرة في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها المصريون، منذ تطبيق خطط الإصلاح الاقتصادي ورفع أسعار المحروقات، ووضع خطط إضافية تتعلق بزيادة الضرائب، بما يعني المزيد من الضغط على مستوى المعيشة وزيادة الرؤية التشاؤمية للمستقبل.

الشباب يبحثون عن الشهرة والعلانية حتى في الوفاة، فالانتحار المنزلي لا يحقق تلك الرغبة، ولن يتعدى مجرد خبر صغير من دون اسم عن انتحار شاب

ويشير الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاجتماعية (منظمة بحثية)، إلى أن الظروف الاقتصادية تظل الدافع الرئيسي لتزايد حالات الانتحار مع تخلي الدولة عن التعيين الحكومي والاعتماد على القطاع الخاص الذي يفشل في توفير وظائف العمل بحكم مشكلات التمويل وبطء الإجراءات، والعقبات التي يواجهها أمام التوسع الاقتصادي.

يحاول البعض تحميل الانتحار تحت عجلات المترو رسائل سياسية على شاكلة انتحار محمد البوعزيزي، الشاب التونسي الذي انتحر بحرق نفسه، محركا ثورات شعبية في خمس دول عربية، بينها مصر، على شاكلة الاحتجاج على تراجع حرية التعبير ومساحة ممارسة الاحتجاج السلمي ضد صعوبة الحياة وانخفاض جودتها.

يقولون إن البعض لا يستطيع التعبير عن قسوة الظروف التي يعانون منها فيلجأون إلى وسيلة محرمة للاحتجاج على المجتمع الذي بات عاجزا عن حفظ أفراده وتنظيم شؤونهم بشكل يجعلهم راغبين في مواصلة الحياة، ودللوا على ذلك بحادث انتحار شاب مصري في يونيو الماضي بمدينة الشروق، على بعد 37 كيلومترا من القاهرة، بعدما عرف أن زوجته تعمل خادمة في المنازل لمساعدته ماليا.

وفقا لدراسة لمنظمة الصحة العالمية عام 2014، فإن 75 بالمئة من حالات الانتحار تحدث بين أشخاص من دول فقيرة أو متوسطة الدخل، وكان الفقر السبب الثاني للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما.

يلفت عبده لـ”العرب”، إلى أن البطالة عنصرا رئيسيا فالغالبية العظمى لحالات الانتحار هي في سن العمل، فالشاب الذي يسعى للبحث عن وظيفة قد تختمر الفكرة في رأسه بمجرد مشاهدته قطار المترو، فسوق العمل بمصر يحتاج إلى دورات وتأهيل تتطلب مبالغ مالية كبيرة لا يمتلكها الشباب، ولا توفرها الحكومة التي تمتلك 28 ألف مركز للتدريب والتأهيل لا تقوم بعملها المجتمعي على أكمل وجه.

لا يخرج الانتحار في المعتاد عن ثلاثة محددات أساسية، أولها القتل بأن تكون لديه الرغبة في قتل نفسه دون هدف، أو الانتقام بتخيل شخص أو فئة بذهنه ويحاول الانتقام منها بقتل نفسه، أو الاستسلام بفقدان الرغبة في الحياة والشعور باليأس والاكتئاب الشديد الذي يدفع نحو 50 بالمئة من المصابين به إلى محاولة الانتحار سنويا في العالم، ينجح 15 بالمئة منهم بالفعل.

روابط هامة

المنتحر يفضل أوقات الذروة
المنتحر يفضل أوقات الذروة

أكدت سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، أن الرابط بين ضحايا الانتحار بمترو الأنفاق هي السن فجميعهم بمرحلة الشباب المتهور والمندفع، والذي أحيانا لا يحكّم عقله في مواجهة المشكلات التي يصادفها، فيلجأ مع غياب الوازع الديني إلى التخلص من النفس كوسيلة للهروب من أزماته الاجتماعية والاقتصادية.

يطالب البعض بدور أكثر مرونة للمؤسسات الدينية المصرية، كالأزهر ووزارة الأوقاف التي تدير المساجد لمواجهة ارتفاع معدلات الانتحار بمصر، لكن لا يبدو أن الوازع الديني قد يمثل حلا، ففكرة تكفير قتل النفس مغروسة في الأطفال دون السادسة، وبالتالي الموضوع يرتبط بحلول مجتمعية سياسية ونفسية أكثر.

يعزز تلك الفرضية حادث انتحار شهدته مصر قبل أشهر، عندما ألقى مهندس سلفي وزوجته الطبيبة المنتقبة بنفسيهما من الطابق السادس بعد ترديد عبارات عن الظلم، في موقف أثار جدلا حول أسباب إقدام شخصين ملتزمين دينيا، على تلك الخطوة رغم معرفتهما بعدم مشروعية التخلص من النفس؟

في فترات تزايد معدلات الانتحار والتركيز الإعلامي عليها، غالبا ما يتم تحويلها إلى قضية دينية صرفة يجتهد الشيوخ في سرد الأسانيد الشرعية التي تحرّمها في وسائل الإعلام، لكنهم في الوقت ذاته يخلعون أي بعد اجتماعي عن مسبباتها.

الظروف الاقتصادية تظل الدافع الرئيسي لتزايد حالات الانتحار مع تخلي الدولة عن التعيين الحكومي والاعتماد على القطاع الخاص الذي يفشل في توفير وظائف العمل

في نهاية 2010، أحال البرلمان المصري بمصر طلب استجواب حول انتحار مواطن احتجاجا على الأحوال المعيشية إلى لجنة الاقتراحات والشكاوى والتي أحالتها بدورها إلى اللجنة الدينية، وعقدت جلسات استماع وانتهت إلى أن الانتحار حرام شرعا وأغلقت القضية على تلك النتيجة المعروفة.

 يعتبر خبراء الاجتماع أن الشباب باتوا يفضلون أسرع طرق الموت وفي ذهنهم أفضلها وهي القطارات أو القفز من أعلى العقارات، مع قسوتها ربما في محاولة لتوجيه رسائل بأن المنتحر ضحية الظروف المجتمعية والعجز عن المواجهة، والبعض يربطها بكثرة مشاهدة أفلام الرعب والحروب والصراعات التي تخلق لديهم تقبلا لمنظر الدماء والأشلاء المتطايرة وتجعلهم معتادين عليها.

نوهت خضر لـ”العرب”، إلى أن الشباب يبحثون عن الشهرة والعلانية حتى في الوفاة، فالانتحار المنزلي لا يحقق تلك الرغبة، ولن يتعدى مجرد خبر صغير من دون اسم عن انتحار شاب، لكن أمام وسيلة المواصلات فقد يضمن تغطيته من قبل الموجودين بالمحطة وتداول الفيديو على مواقع التواصل، مشفوعا باسمه، وأحيانا مرفوقا بقصة حياته كلها وصوره منذ الطفولة.

يربط المنتحرون داخل أكثر وسيلة نقل حيوية بالقاهرة بين العمر المبكر واستخدام الخط القديم لمترو الأنفاق الذي يمتاز ببطئه وكثرة أعداد محطاته المكشوفة، ليبدو الأمر كما لو كان مقصودا لتوفير الإضاءة المناسبة للجمهور لمتابعة المشهد بهواتفهم بدقة ونقل المشهد إلى المجتمع كله، فتصل الرسالة مدوية.

20