الانتحار ظاهرة طارئة تهدد المجتمع العربي بصمت

تشهد معدلات الانتحار في العالم العربي ارتفاعا سريعا ولافتا رغم حالة الغموض والتكتم التي تحيط عادة بهذه الظاهرة. ويرجع الخبراء ذلك إلى القاعدة التي تقول إن نوعية الانتحار هي شفرة أو مفتاح لسببه، وبما أن أغلب الحالات، غير المرضية، كانت مرتبطة في السابق بأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية فإن الحكومات العربية لم تكن تفصح عنها. لكن تغيرت المعطيات بتغير الأوضاع بعد “الربيع العربي” الذي باتت تداعياته من أهم أسباب استفحال ظاهرة الانتحار المرشحة للارتفاع مع تواصل الأزمات والضغوط.
السبت 2015/10/03
ظاهرة الانتحار.. العلم والدين يرفضانها وإحباط الشباب العربي يساهم في تحويلها إلى وسيلة للاحتجاج

القاهرة – يعتبر الانتحار من أبرز الطرق التي يلجأ إليها الغربيون للتخلص من الحياة، في المقابل، كانت هذه الظاهرة، على مستوى العالم العربي حتى وقت قريب نادرة للغاية. الأمر الذي أثار الكثير من الاستغراب والتساؤل بشأن الأرقام التي ذكرتها تقارير منظّمة الصحة العالمية والمنظّمات المختصّة بشأن الارتفاع الخطير في معدّلات الانتحار المسجّلة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحذّر خبراء تحدّثت إليهم “العرب” من خطر تحوّل هذه الظاهرة إلى عائق اجتماعي جديد يزيد من تدهور الوضع في بعض المجتمعات العربية، خاصة وأن أعلى النسب مسجّلة في صفوف الشباب والإناث؛ وهو ما يعني توجيه ضربة قاضية لعصب هذه المجتمعات المتمثل في الشباب الجامعيين، الذين يقع على عاتقهم عبء النهضة والتقدم.

وسجّل الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، مثلا، وقوع نحو 3 آلاف محاولة انتحار سنويا، وحوالي 66 في المئة منها كان مصدرها الفئة العمرية التي تتراوح بين 15 و40 عاما، وفي الجزائر وصلت محاولات الانتحار إلى حوالي 27 حالة في اليوم.

وفي أحدث تقارير منظمة الصحة العالمية جاءت الدول العربية على قائمة البلدان الأكثر تسجيلا لمعدّلات الانتحار وذلك بـ4 منتحرين في كل 100 ألف نسمة؛ وجاء ترتيبها كما يلي: في السودان كانت النسبة 17.2، والمغرب 5.3، وقطر 4.6، واليمن 3.7، والإمارات 3.2، وموريتانيا 2.9، وتونس 2.4، والأردن 2، والجزائر 1.9، وليبيا 1.8، ومصر والعراق 1.7، وسلطنة عمان 1، أما لبنان 0.9، وسوريا والسعودية 0.4.

ويقول الخبراء إن الخطر الكامن في هذه الظاهرة، ليس الأرقام، بقدر ما هو كامن في الأسباب المؤدّية إلى الانتحار والمستجّدات التي تعيشها المنطقة على ضوء المتغّيرات الأمنية والسياسية والاجتماعية، والتي أدّت إلى استسهال الانتحار لدرجة أنه بات مهربا لكلّ من يعترضه أيّ عائق في حياته، مهما كان بسيطا أو معقّدا.

على الحكومات العربية الاقتداء بتجربة الإمارات في قياس مدى رضى مواطنيها عن الخدمات المقدمة إليهم

ويعتبر الانتحار عاشر أسباب الموت عامة وثالثها بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و44 عاما. وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية يوجد حوالي أكثر من مليون شخص ينتحرون سنويا في العالم. وأفادت المنظمة في تقرير لها بأن معدلات الانتحار في العالم قد ازدادت بنسبة 65 بالمئة في آخر 45 عاما، وهي ظاهرة متفشية بين كافة الثقافات. وفي العالم العربي لم تكن هذه الظاهرة تثير مثل هذا القلق، من قبل، وذلك مردّه بالأساس إلى التعتيم الذي كانت تحيط به بعض الحكومات هذا الملف، إضافة إلى غياب الأرقام والإحصائيات الدقيقة.

لكن، بعد إقدام الشاب التونسي محمد البوعزيزي على إضرام النار في نفسه، في شهر ديسمبر 2011، تغيّرت كل المعطيات المرتبطة بظاهرة الانتحار؛ بدءا من الأرقام التي سجّلت ارتفاعا مقلقا مرورا بقائمة المظاهر والأسباب التي شهدت دخول مسبّبات وظروف جديدة، وصولا إلى ضمّ بعض الخبراء لظاهرة الانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية إلى قائمة وسائل الانتحار.

أرقام مخيفة

صحيح أن حوالي 90 بالمئة من حالات الانتحار هي نتيجة لمشاكل نفسية، لكنّ هناك أناسا يفكرون في الانتحار من دون أن يكونوا مصابين بأيّ نوع من الأمراض العقلية.

معدلات الانتحار في العالم

وأغلب دوافع التخلص من الحياة، بحسب الباحث المصري، محمد منتصر، هي الأوضاع السياسية غير المستقرة، والتضييق على الحريات وغياب العدالة والديمقراطية والحروب؛ هذا بالإضافة إلى الأسباب التقليدية من قبيل تردي الوضع الاقتصادي وانتشار البطالة والفقر والتقاليد الاجتماعية القاسية.

وتشير الأرقام إلى أن ما بين 11 و14 ألف شاب وفتاة يحاولون الانتحار كل عام، وتتركز أعلى المعدلات في الدول العربية التي ترتفع فيها نسبة الفقر والبطالة. لكن الانتحار لا يرتبط دائما بالبطالة والفقر، إذ صنّفت منظّمة الصحة العالمية قطر في المركز الثالث، بمعدل 4.6 حالة انتحار.

كما تزيد معدلات الانتحار في المجتمعات التي تعاني من صراعات أو ترزح تحت الخطر الإرهابي أو الاقتتال الطائفي؛ ويعتبر العراق من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث تسبب الاحتلال الأميركي للبلاد، وما أعقبه من تداعيات في ارتفاع عدد العراقيين الذين أنهوا حياتهم بأيديهم، خصوصا في صفوف النساء، وأهم وأخطر سبب وراء هذه الظاهرة هو التنظيمات الإرهابية، انطلاقا من القاعدة وصولا إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وذكر تقرير صدر أواخر عام 2014 عن منظمة العفو الدولية، أن فتيات أقدمن على الانتحار خوفًا من تعرضهن لعمليات سبي واغتصاب على يد عناصر تنظيم داعش.

الطيب الطويلي: الثورة في تونس حولت المنتحر إلى شخص "أسطوري"

وذكرت تقارير لمنظمة الصحة العالمية أن معدلات الاكتئاب الشديد أصابت ما يقرب من 30 بالمئة من السوريين. وبين عامي 2012 و2014، شهد لبنان 364 حالة وفاة انتحارا؛ وهي نسبة عالية جدا في هذا البلد الصغير المعروف عن شعبه حبّه للحياة والأمل. وفي الأردن تبرز ظاهرة انتحار الأطفال، التي تمثل 18 بالمئة من حالات الانتحار في المملكة. وفي قطاع غزة حذّر فضل عاشور إخصائي علم النفس في جامعة الأزهر في غزة من أن محاولات الانتحار تشكل “رسالة لانفجار جماعي وشيك”.

ويحتلّ اليمن المركز الرابع عربيا على مستوى معدّلات الانتحار المسجّلة، بسبب الفقر والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة، والتي ازدادت سوءا جرّاء الحرب الدائرة في البلاد.

لكن هذه الأرقام تبقى غير دقيقة، لأنّ الكثير من الحالات في جميع الدول العربية غير مبلّغ عنها، بسبب الدين والمجتمع، اللذين يعتبران الانتحار من المحرّمات ويدرج في خانة الفضيحة، كما أن هناك حالات لا يمكن التحقق منها أو الوصول إليها، خصوصا في البلدان التي تشهد حروبا، على غرار سوريا التي كان من الغريب أن تتساوى مع السعودية في نسب الانتحار، وتأتي في أسفل قائمة منظمة الصحة العالمية لمعدّلات الانتحار في الدول العربية.

الانتحار يتربص ببلدان الثورات

كانت تونس تصنّف ضمن الدول العربية الأقل تسجيلا لظاهرة الانتحار، بمختلف أسبابها ووسائلها، إلى أن اندلعت الثورة الشعبية التي أسقطت النظام الحاكم، وغيّرت معطيات وظواهر كثيرة في البلاد. ويكشف الباحث الاجتماعي التونسي الطيب الطويلي، لـ”العرب” عن أن الانتحار في تونس ظاهرة اجتماعية تزايدت حدّتها بعد 2011. ويرجع ذلك إلى عوامل عدّة، أهمها أن الثورة حوّلت المنتحر إلى شخص “أسطوري”، متعاطَف معه إعلاميا واجتماعيا، ونذكر هنا بدايات “الربيع العربي” حين تداولت وسائل الإعلام، التونسية والعربية، مصطلحات تفخيمية عند الحديث عن المنتحر محمد البوعزيزي، بصفته “الشهيد البطل” أو “البطل الرمز”. وهو ما يفسر حينها ارتفاع عدد حالات الانتحار بطريقة الحرق، كتعبير عن الاحتجاج الاجتماعي، والتي ناهزت الـ200 حالة انتحار منذ حادثة البوعزيزي، هذا دون اعتبار الذين أشعلوا النار في أنفسهم دون أن يؤدي ذلك إلى وفاتهم وهم يقربون من الـ300 حالة.

معدلات الانتحار في العالم العربي

وفي السابق، كان المجتمع التونسي، كغيره من المجتمعات العربية، يعتبر أن المنتحر شخص خارج من الملة. لكن، تغيّر الوضع وانقلب بانقلاب حال البلاد، التي كانت رمزا للاعتدال والتسامح وأصبحت اليوم المصدّر الرئيسي للمقاتلين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، وما شابهه، في ظاهرة يصنّفها خبراء على أنها نوع من الانتحار، حيث يندفع الشباب إلى هذا التنظيم لأسباب كثيرة، لا علاقة لها بالدين أو الجهاد، بل كشفت بعض الشهادات أن للعائد المادي المغري دورا كبيرا في تحفيز الشباب على هذا العمل الانتحاري.

إلى جانب الانضمام إلى داعش، يعتبر الباحث محمد منتصر، أستاذ علم الاجتماع السياسي، الهجرة غير الشرعية، وسيلة أخرى من وسائل الانتحار الحديثة، حيث يشير في حديثه لـ”العرب” إلى أن اليأس يدفع الشخص للتفكير في تغيير الواقع مهما كانت النتائج، مدللا على ذلك بالشاب المصري الذي يجمع المال ليسافر إلى أوروبا عن طريق البحر، وهو يعلم أن نسبة غرقه أكبر من نسبة نجاته.

وأوضح منتصر أن طموح الشباب في بعض البلدان العربية وصل إلى أدنى مستوياته خلال السنوات القليلة الماضية، وهو مؤشر خطير يزيد من احتمال تفاقم ظاهرة الانتحار، للشعور بعدم الرضى عن الأوضاع الحالية. ونوّه إلى أن إحدى الدراسات الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية حول أحلام المصريين، أظهرت أن الغالبية العظمى من شريحة البحث تحلم بكوب ماء نظيف وركوب وسيلة مواصلات آدمية وتوصيل الكهرباء، وهذه الأحلام تشير في مضمونها إلى اكتئاب غير ظاهر لانخفاض سقف الطموح.

وطالب بضرورة قيام المسؤولين في الحكومات العربية بوضع مقياس لجودة الحياة، ومدى سعادة الشعوب، وإحساسهم بالأمان في حياتهم وتعليمهم ومسكنهم، بدلا من التشدق بارتفاع معدلات النمو، مشيدا في ذلك بمبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة، عندما أجرت مؤخرا استطلاعا لقياس مدى رضى مواطنيها عن الخدمات المقدّمة إليهم، للوقوف على مناطق القوى والضعف في الخدمات المقدمة إرضاء لشعبها.

بدروه، يرى جمال شهبوب، الخبير النفسي المغربي، أن من أسباب الانتحار التغييرات المتسارعة التي يعيشها العالم، والتي أثرت في المجتمعات العربية وطريقة عيشها وتفكيرها. ويضيف أن تغير مفهوم الأسرة أدى إلى تغير جوهري في شخصية الإنسان وفي علاقاته الاجتماعية والأسرية، وبالتالي فهذه التناقضات الاجتماعية المرفقة بالغموض حول هوية الإنسان العربي والمغربي على الخصوص هي أشياء تزيد من احتمالية الاقدام على فعل الانتحار.

طموح الشباب في بعض البلدان العربية وصل إلى أدنى مستوياته خلال السنوات القليلة الماضية

مواجهة دينية وتعليمية

يحذر محمد عبدالحكم، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، من الخلط بين الانتحار والاستشهاد والجهاد والإرهاب.

ويوضح عبدالحكم لـ”العرب” قائلا إن “الشخص الذي يقوم بتفجير نفسه بين الآمنين آثم مرتكب لعدة جرائم أولها جريمة الانتحار (قتله لنفسه)، ثم جريمة قتل الآخرين، والمعلوم من الدين بالضرورة أن قتل الإنسان لنفسه أو لغيره حرام بالإجماع، إلا إذا كان يدافع عن نفسه وعرضه وماله ووطنه، كما أن قتل النفس من أكبر الكبائر.

ودعا إلى ضرورة أن تقوم الأسرة بدورها، وتربية الأبناء التربية الدينية الصحيحة ورعايتهم بصورة مستمرة والخروج بهم من دوامة اليأس، خاصة مع إهمال الدين كمادة أساسية في المدارس؛ فيما يرى الباحث التونسي الطيب الطويلي أن الحلول لمواجهة هذه الظاهرة الطارئة تتمثل في تحسين التعليم وتنمية فرص العمل وخاصة التركيز على الرعاية الاجتماعية، مع الحرص في وسائل الإعلام على التناول العلمي والمعرفي لظاهرة الانتحار عبر استدعاء الخبراء لتحليل الظاهرة، والعمل على الحدّ منها، لا أن يتم يتناول موضوع خطير في حضور سياسيين لا يراعون في تحليلاتهم سوى المكاسب السياسية والتعاطف الشعبي.

ويطالب الخبراء الحكومات العربية بأن تتجرّأ على إزاحة النقاب وتعالج بعمق في الأسباب التي تفضي إلى ارتفاع نسبة المنتحرين وتسارع إلى وضع حدّ لتدهور الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والشعور بالغبن والتهميش في ظل تغير بينة المجتمعات العربية وظهور تباين كبير بين طبقات المجتمع وارتفاع استهلاك المخدرات وفتور الوازع الديني أيضا؛ مؤكّدين أن هذه الخطوات تعتبر جزءا من الحرب الشاملة ضدّ الإرهاب ومواجهة أدقّ تفاصيله.

6