الانتحار كاحتجاج: طابور هاربين من الحياة في تونس

ظاهرة الانتحار أصبحت معضلة في تونس، وتقرأ من عدة جوانب لعل أهمها أنها أصبحت طريقة احتجاج جماعي على مجتمع المخاطر الذي يهدد أفراده خاصة من الشباب خريجي الجامعات العاطلين عن العمل ويدفعهم في اتجاه المجهول.
السبت 2018/12/29
حرق الأنفس مثل الشعلة التي تلهم المحتجين

تونس - “سأسكب على نفسي قارورة بنزين” أصبح تهديدا منتشرا وواضح المعاني في تونس، إنه إنذار بحرق النفس قد ينفذ في أي وقت. وفي السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة التهديد أو محاولة الانتحار حرقا، سواء بشكل فردي أو جماعي، خصوصا في صفوف خريجي جامعات عاطلين عن العمل ويطالبون بوظائف.

وفي تونس، معظم العاطلين عن العمل هم من الشبان. وقد ظهر المصور الصحافي عبدالرزاق زرقي قبل “انتحاره” في مقطع فيديو على فيسبوك “يائسا” حاملا بيده قارورة بنزين، مؤكدا عزمه الانتحار. وانتحر زرقي أو شارك في حرق نفسه مع متواطئين، وفق تحقيقات أمنية أولية. وتحولت قضية زرقي إلى قضية رأي عام في تونس.

وقال شقيق عبدالرزاق، بحري زرقي، إن شقيقه لم يكن في حالة خصاصة، وقد سهرا معا إلى حدود الساعة الرابعة صباحا في العمل وكان يحدثه عن مشاريعه المستقبلية، خاصة وأنه كان يحضر نفسه للسفر إلى فرنسا. وأكد أن عائلته لا تعاني الخصاصة، مؤكدا أن نية أخيه كانت إيصال رسالة وتحريك الشارع في القصرين.

وأشار إلى أن عبدالرزاق كان ضحية “عصابة” تمكنت من غسل دماغه وأقنعته بالظهور في مقطع فيديو مهددا بحرق نفسه. وأردف أن “العصابة تنقسم إلى عدة مجموعات واحدة للحشد وإقناع الضحية وأخرى مهمتها التصوير وتنزيل مقاطع الفيديو”، وفق تعبيره. وقال إنها أحرقت أخاهم لأجل إحراق البلاد.

تأثير البوعزيزي

لم تقنع رواية أخ عبدالرزاق تونسيين. وقال سعيد وهو خريج جامعي (35 سنة ) “كأننا نعيش في محرقة وليس في دولة أو مجتمع، وهذا ليس بغريب على ثورة انطلقت بعملية انتحار حرقا”.

وفي 17 ديسمبر 2010، انتحر بائع الخضر محمد البوعزيزي حرقا، نتيجة شعوره باليأس والإحباط في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها مدينة سيدي بوزيد بالجنوب التونسي، وتسببت هذه الحادثة في اندلاع العديد من الاحتجاجات الشعبية على كامل تراب البلاد، ونظرا إلى تنامي الاحتجاجات الشعبية وسط القمع الأمني، فر الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي من تونس.

وبعد الثورة، ارتفعت نسبة حالات الانتحار حرقا، تحت “تأثير البوعزيزي”، وفق مختصين.

وإذا كان انتحار محمد البوعزيزي أثار صدمة في المجتمع والعالم، إلا أن الظاهرة بدأت “منذ أكثر من عشر سنوات”، بحسب ما تقول الدكتورة فاطمة الشرفي الأخصائية في الطب النفسي.

وترأس الشرفي لجنة لمكافحة الانتحار أسستها وزارة الصحة في 2015 بعدما دق اختصاصيون “جرس الإنذار” في هذا الشأن. وتتمثل مهام اللجنة في وضع استراتيجية وقائية وسجل وطني يتضمن إحصاءات حول الانتحار، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

وعلى الرغم من أن حالات الانتحار في تونس بعيدة عن النسب المرتفعة المسجلة في بلدان أخرى، إلا أن فاطمة الشرفي ترى في ارتفاعها “المستمر” أمرا “خطيرا جدا”. وبما أن السجل الوطني لمعدلات الانتحار ليس موجودا بعد، من الصعب قياس هذا الارتفاع. وتقول “عندما نقارن بيانات بعض مصالح الطب الشرعي للسنوات 1990 و2000 وبعد سنة 2010، نلمس هذا الارتفاع”.

عاطلون عن العمل أثناء محاولة انتحار جماعي في القصرين
عاطلون عن العمل أثناء محاولة انتحار جماعي في القصرين

وأفاد مهدي بن خليل، الطبيب المساعد في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة تونس والذي شارك في تأليف دراسة حول تأثير الثورة على الانتحار في تونس، بأن البلاد شهدت ارتفاعا في حالات الانتحار، فسرها بصعوبة “فترة الانتقال” السياسي وتأثير “أزمة الاقتصاد الكلي على الأفراد”.

وأشار إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل أو الناس الذين يعيشون “صعوبات مالية” بين الأشخاص الذين يقدمون على الانتحار. وعلى فيسبوك، تنظم أحداث ساخرة لانتحارات جماعية تستقطب كثيرين.

قرار جماعي

يعتبر ديسمبر ويناير في تونس شهري “الثورات” صغيرة كانت أم كبيرة دون منازع. فكل المواجهات بين الحكومات المتعاقبة والفئات المفقرة تحدث في هذين الشهرين. انطلاقا من الخميس الأسود الذي كان في يناير 1978 والمواجهة كانت عنيفة بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، ثم تلتها احتجاجات الخبز في يناير 1984، لتصل بعد ثلاثين سنة، وإثر حكم قمعي، إلى سقوط بن علي في يناير2011.

وتتوسع جغرافية الاحتجاجات ومبرراتها في كل مرة على نحو مختلف. لكن النقطة المشتركة بينها هي بحثها في كل مرة عن مصدر اشتعال. وقد مثل حرق الأنفس والتضحية بها شعلة تلهم المحتجين.

وينتحر نحو 800 ألف شخص سنويا، وهو عدد لا يستهان به، إذ ينتحر شخص كل 40 ثانية، ويقتنص الانتحار الشباب والمراهقين بنسبة كبيرة، إذ يُعد ثاني سبب للموت لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة هو الانتحار.

وكشف المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية أن عدد الاحتجاجات بلغ 5625 احتجاجا خلال الشهور الستة من العام الجاري،  كما سجل المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية في الشهور الستة من العام الجاري، 281 حالة انتحار، منها 205 من الذكور، و76 من الإناث، بينهم 45 شخصا لم تتجاوز أعمارهم الـ15 سنة، و40 بين 16 و25 سنة، و141 بين 26 و35، و32 بين 36 و45، و16 بين 46 و60 سنة، و7 تتجاوز أعمارهم الـ60 سنة. وفي السنة الماضية وصلت أعداد حالات ومحاولات الانتحار إلى 462 حالة؛ منها 34 من الأطفال دون الـ15 سنة، وفي سنة 2016 وصل العدد إلى 583 حالة؛ منها 40 حالة لأطفال من نفس الفئة العمرية، حسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وفي 2015، انتحر في تونس التي يقطنها نحو 11 مليون نسمة، 365 شخصا أي ما يعادل 3.27 حالة انتحار لكل 100 ألف نسمة، وفق اللجنة. وحوالي نصف المنتحرين شباب تتراوح أعمارهم بين 30 و39 عاما.

ويربط عبدالستار السحباني، المسؤول في “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، بين تدهور المناخ الاقتصادي والاجتماعي في تونس بعد الثورة وإقدام أشخاص يعيشون ظروفا صعبة على الانتحار. يقول “طبعا (الانتحار) مرتبط” بالمشاكل السوسيو-اقتصادية و”نتيجة لفقدان الأمل”.

لم يعد الانتحار في تونس قرارا فرديا، بل تجاوزه إلى مفهوم الجماعة، حيث أكد السحباني أن أكثر من نصف حالات الانتحار أو محاولات الانتحار التي تم رصدها منذ بداية 2018، والتي بلغ عددها 72 حالة، “هي تهديد بانتحار جماعي أو محاولات انتحار جماعية”.

وأوضح أن الانتحار الجماعي أو محاولات الانتحار الجماعي، معطى جديد داخل المجتمع التونسي، وأن نسبة الذكور فيه بلغت 93 في المئة، وتتراوح أعمارهم بين 26 و35 سنة. وبالنسبة إلى العدد الكبير من الذين أقبلوا على الخطوة، وسواء نجحوا أم لم ينجحوا في إنهاء حياتهم، يبقى الانتحار سبيلا قاسيا يسلكه أشخاص يائسون تغلبت عليهم الأوضاع الصعبة، واتخذوا طوعا القرار بالاستسلام. ويعد العالم الفرنسي الشهير إيميل دوركايم، مؤسس علم الاجتماع الحديث، من أفضل من كتبوا عن علاقة الفرد بالمجتمع المحيط به، ففي كتابه الصادر عام 1897، والذي اختار له عنوان “الانتحار” أشار دوركايم إلى أن ما يدفع الأفراد إلى الانتحار هو ضعف التنظيم الفردي والجمعي، أي أن المجتمع فقد القدرة على حفظ أفراده وتنظيم شؤونهم بشكل يجعلهم يواصلون الحياة.

وأشار دوركايم إلى أن ارتفاع معدلات الانتحار دلالة على وجود “خطأ ما” في النظام الاجتماعي. وتخلص نظرية مؤسس علم الاجتماع إلى أن الانتحار تتسبب فيه قوة متجاوزة لقدرة الفرد، وأن الانتحار في صيغته المجردة هو “إعلان موقف يتخذه الفرد ضد وضع اجتماعي بعينه”.

ظاهرة اجتماعية

 تذهب الدراسات المتناولة لظاهرة الانتحار بشكل عام إلى ثلاثة عوامل بارزة، ممثلة في أسباب اجتماعية، ونفسية، وأخرى جينية تؤجج السلوك الانتحاري لدى الفرد، وتذكر منظمة الصحة العالمية أن ظاهرة الانتحار عادة ما تكون مرتبطة بالأشخاص الذين يفقدون القدرة على مواجهة ضغوط الحياة، والمشاكل الأسرية، والعاطفية، والمالية، وبالذين يعانون من اضطرابات نفسية، أو أمراض مزمنة، أو حالات إدمان، وأيضا بالأقليات المضطهدة في المجتمعات.

وأشارت المختصة في علم الاجتماع رحمة بن سليمان في هذا الصدد إلى أنّ الانتحار ظاهرة اجتماعية مرتبطة بعدة متغيرات وقد ارتفعت نسب الانتحار أو الإقدام عليه في المدّة الأخيرة بسبب عدم قدرة الشخص على تحمّل التغييرات الطارئة والمتسارعة على المشهد الاجتماعي والاقتصادي وحتى السياسي أو العيش وسط ما يعرف في علم النفس الاجتماعي بـ”مجتمع المخاطر” الذي يجعل الفرد غير قادر على استيعاب ما يدور حوله من تعاقب متسارع للأحداث.

وأضافت أن دوافع هذه الظاهرة الاجتماعية المنتشرة لدى الشباب تندرج تحت إطار نظرية الحرمان “النسبي” أي أن الشباب التونسي بعد اندلاع ثورة 14 يناير ارتفع سقف انتظاراته وعلّق آمالا كبيرة على تغير الوضع الاجتماعي والمهني خصوصا، إلا أنه لم يجد ما يرنو إليه حيث اصطدمت هذه الانتظارات بواقع عجز الدولة عن تحقيقها، مما ولد بداخله صراعا نفسيا تشكل في تمظهرات مختلفة، على غرار الاحتجاجات العنيفة أو اللجوء إلى الانتحار كحركة احتجاجية على الوضع العام وتعبير عن الرفض واستحالة مواصلة العيش في مثل هاته الظروف.

واعتبرت بن سليمان أن الفقر والتهميش والبطالة تؤدي إلى عجز الشاب عن إثبات ذاته وتحقيق كرامته، وهو ما يدفعه إلى فكرة الانتحار والإقدام عليه، مشددة على أنّ هذه العوامل وإن ساهمت في ارتفاع نسب الانتحار بالبلاد إلا أنّ ذلك يختلف من فرد إلى آخر من خلال حسن إدارة الأزمة الاجتماعية التي يعيشها وفق آليات دفاعية مرتبطة مباشرة بالخصوصية النفسية للشخص.

20