الانتحار يفتك بأطفال تونس فمن يتحمل وزره

الجمعة 2015/01/16
الانتحار ظاهرة تستقطب ضحايا من الجنسين

تونس - تفشت حوادث الانتحار في تونس بعد ثورة 14 يناير 2011 إلى درجة أنها أصبحت تنذر بخطر يتهدد المجتمع، خاصة بعدما انتشرت هذه الظاهرة في صفوف الأطفال الصغار، الذين بات إقدامهم على اتخاذ مثل هذه الخطوة لوضع حد لحياتهم ينبئ بخلل أخلاقي واجتماعي يجب معالجته والتصدي له.

أثار تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لشهر ديسمبر الماضي حول التحركات الاجتماعية الاحتجاجية في ما يتعلق بتنامي ظاهرة الانتحار خلال التسعة أشهر الأخيرة من سنة 2014 والذي سجل 122 حالة انتحار من بين المنتحرين تلاميذ وأطفال، الريبة والهلع في الشارع التونسي.

ومن جانبه عبر المشرف على المرصد الاجتماعى التونسي والمختص في علم الاجتماع عبدالستار السحبانى خلال ندوة صحفية انتظمت في العاصمة تونس بمناسبة عرض هذا التقرير، أن ارتفاع عدد المقبلين على الانتحار يعكس حالة اليأس والاضطراب النفسي عموما، وكذلك تصدع المؤسسة التربوية، كما شدد على ضرورة اليقظة للتصدي لهذه الظاهرة بتشخيصها وإيجاد حلول لها.

وكشف عبدالستار السحباني أن شهر ديسمبر وحده سجل 26 حالة انتحار أي بمعدل حالة انتحار يوميا، كما شهد ارتفاعا في عدد حالات انتحار الأطفال والقصر، حيث أقدم أكثر من 6 تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 6 و19 سنة على الانتحار شنقا أو بإلقاء أنفسهم من الطوابق العليا في المعاهد الثانوية.

ولفت إلى أنه تم خلال شهر ديسمبر 2014 رصد 133 تحركا اجتماعيا احتجاجيا فرديا وجماعيا من ضمنها 26 تحركا احتجاجيا فرديا عبر الانتحار أو محاولة الانتحار أي بنسبة 19.5 بالمئة من مجموع التحركات.

وأشار إلى أن محافظة القيروان احتلت المرتبة الأولى في المناطق التي سجلت حالات انتحار خلال شهر ديسمبر، حيث أقدم 9 أشخاص على الانتحار في المحافظة. وطالب عبدالستار السحباني السلط الجهوية والحكومة الجديدة بتدارس الملفات المتمثلة أساسا في رفع نسق التنمية والتشغيل بالقيروان حتى يقع الحد من حالات الانتحار والتحركات الاحتجاجية.

تنامي ظاهرة انتحار الأطفال في المدارس التونسية مؤخرا، راجع إلى الضغط النفسي المتنامي

وكشف المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن تسجيل 15 حالة انتحار في تونس خلال شهر أكتوبر، ونبه إلى أن 10 محافظات شملتها موجة الانتحار وهي تونس وسوسة وسيدى بوزيد وصفاقس وقابس وقفصة والقيروان والقصرين وجندوبة.

وأشار المرصد إلى أن عدد حالات الانتحار المرصودة خلال أشهر أغسطس وسبتمبر وأكتوبر، أظهرت إقدام 46 شخصا على وضع حد لحياتهم في مختلف المحافظات، معتبرا أن هذا الرقم مثير للانشغال ويحتاج إلى اهتمام السلطات خاصة، ونبه إلى أن المقبلين على الانتحار هم من مختلف الشرائح العمرية وهم أيضا موظفون وأصحاب شهائد عليا وأيضا متقاعدون وأطفال. كما اعتبر أن هذه الظاهرة الاجتماعية أصبحت تستقطب ضحايا من الجنسين، إذ لا تخلو حصيلة هذه الثلاثية المثقلة بفواجع الانتحار من النساء ليسجل شهر أكتوبر 2014 إقدام فتاة على إلقاء نفسها وإمرأة على حرق نفسها.

وتشترك هذه الحالات وفق المرصد في وجود غموض حول أسباب إقدام الضحايا على الانتحار، ليظل شبح الفقر والخصاصة بسبب البطالة الدافع الأبرز، واعتبرت شبكة دستورنا أن تنامي ظاهرة انتحار الاطفال في المدارس التونسية مؤخرا، راجع إلى الضغط النفسي المتنامي على الأطفال وتدهور المناخ التعليمي وغياب أبسط ظروف الإحاطة والتأطير في المؤسسات التربوية.

كما دعت المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والمختصة إلى التحرك لدراسة هذه الظاهرة وتحليلها والتصدي لمظاهرها والسعي إلى إرساء برنامج وطني لمعالجة مشكل التمدرس وعلاقة التلميذ بالمدرسة والانقطاع المبكر عن التعليم.

و جاء في البيان أن انهيار المدرسة والمنظومة التعليمية هو العنوان الرئيسي والمدخل الأساسي لانهيار الدولة المدنية والمكتسبات الحداثية للمجتمع التونسي.

وخلال ملتقى جمع عددا من الأطباء النفسانيين والأخصائيين الاجتماعيين وممثلي المجتمع المدني والمنظمات وعدد من الوزارات صرح وزير الصحة محمد صالح بن عمار، أنه تم تسجيل 304 حالة انتحار سنة 2013 أي ما يعادل 3 حالات على 100 ألف ساكن.

ونبه الوزير إلى أن عدد عمليات الانتحار تضاعف منذ الثورة مقارنة بسنوات 2008 و2009، واعتبر أنّ تطور هذه الظاهرة يبعث على القلق حول الأسباب والدوافع.

ارتفاع عدد المقدمين على الانتحار يعكس حالة اليأس والاضطراب النفسي وتصدع المؤسسة التربوية

وشدد بن عمار على ضرورة التحرك بسرعة إزاء انتشار هذه الظاهرة المخيفة، مؤكدا أنه من المهم وضع سجل وطني للانتحار يتضمن كافة المعطيات والإحصائيات الدقيقة حول هذه الظاهرة، فضلا عن وضع استراتيجية وطنية لمقاومة الانتحار.

وتم خلال هذا الملتقى التطرق إلى عدد من المسائل منها بالخصوص أسباب إقدام الأطفال على وضع حد لحياتهم والإجراءات الكفيلة بوقايتهم من الانتحار.

وأكد المشاركون على أن تعدد حالات الانتحار لدى الأطفال يتطلب وضع مخطط عمل يهدف إلى مكافحة هذه الظاهرة.

وحذر الخبراء وممثلو المجتمع المدني خلال الملتقى من خطورة الانتحار كظاهرة معدية، وأكدوا على دور الإعلام في معالجة هذه الظاهرة، وتساءلوا في هذا الصدد كيف يمكن تمرير معلومات قد تتسبب بطريقة أو بأخرى في تضخيم هذه الظاهرة.

وأكد المختصون أن هذه الظاهرة جديدة على المجتمع التونسي، واعتبروها انعكاسا لما حدث من انحدار في الأخلاق والسلوك، وتولدت أساسا من الكبت الذي عانى منه المجتمع على مدار سنوات طويلة ومن انشغال الوالدين بالعمل عن تربية الأولاد وترك تربيتهم لجهات أخرى، وغياب القدوة الصالحة التي يمكن أن يقتدي بها، والاهتمام المبالغ فيه بالأخبار السلبية والحوادث من قبل وسائل الإعلام.

وفسر الطبيب المختص في علم النفس عماد الرقيق انتشار ظاهرة “الانتحار” في تونس خاصة في هذه الآونة الأخيرة، بارتباطها بالظروف العائلية الصعبة وغياب التفاهم والآذن الصاغية والاستماع إلى الأبناء والأطفال وغياب التواصل بين جميع أفراد الأسرة الواحدة، والمعاملات الطيبة وغياب العاطفة في التعامل وغياب الرعاية الاجتماعية والنفسية، وهو ما دعا الشباب أو الاطفال أو الكهول إلى اتخاذ القرار الخاطئ لديهم.

21