الانتخابات.. آلية تغيير

الانتخابات الجزائرية ستوفر مناسبة لاختبار فعالية الأحزاب وحتى منظمات المجتمع المدني، وقياس أثر تلك الأجسام السياسية والمدنية على وعي الجماهير وعلى توجهاتها السياسية والانتخابية.
الثلاثاء 2019/02/26
مشهد يتحدى أطروحات التشكيك

تتهيأ تونس للانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية العام الجاري، وتستعد الجزائر لانتخابات رئاسية ستجرى قريبا في بداية شهر أبريل.

وفي استعداد البلدين لموسم الانتخابات تثار مسائل ضبابية الخيارات في تونس، وأسئلة الجدوى في الجزائر. الضبابية التونسية كما اللاجدوى الجزائرية في انتظار قطاف مواسم الانتخاب، لا تسحبان من الاستحقاقين أهميتهما. في النهاية يظل يوم الانتخاب حدثا، يمثل “مكسبا” تتمنى جغرافيات عربية أخرى انتظامه وحدوثه، ويظل أيضا مفصلا أساسيا من مفاصل الديمقراطية وإن غابت بعض شروطها.

نجت الجزائر من استتباعات عشرية سوداء عاش فيها المجتمع أياما حالكة، ونجت تونس من نتائج ربيع عربي، أفرز دمارا طال كل شيء. لكن البلدين، رغم كل الهنات والمطبات، يعيشان مسارا سياسيا مفقودا في أقطار عربية أخرى، اكتوت بنتائج الربيع العربي وطالتها مفاعيل الإرهاب والتطرف فأضحى الانتخاب رديف الكفر والطاغوت، أو تحول إلى حلم ترنو إليه الأقليات المطحونة بالإرهاب وبجماعاته.

في البلدين “دولة” ما زالت تكابد رغم علامات الضعف والهوان، وعلى ذلك فإن الانتخابات وإن انتظمت في مسارات جديرة بالنقد والتشكيك، إلا أنها تمثل حدثا تختبر فيه مصداقية الأحزاب وجماهيريتها، كما تمتحن فيه حرية المنتخبين وقدرتهم على التخلص من مطارق التوظيف والتدجين والتعبئة.

في جديد العالم أن منظمات حقوقية ومدنية أضحت متخصصة في متابعة الانتخابات وبحث مدى مطابقتها للمواصفات العالمية. وفي المواصفات العالمية معايير دقيقة صارمة اشتقها العالم من التجارب المقارنة وأصبحت تقاس من خلالها الانتخابات، كل الانتخابات، لذلك لم يكن غريبا أن نقرأ تشكيكا أو تقليلا من مصداقية انتخابات جربت هنا أو هناك.

الانتخابات تمثل حدثا تختبر فيه مصداقية الأحزاب وجماهيريتها، كما تمتحن فيه حرية المنتخبين وقدرتهم على التخلص من مطارق التوظيف والتدجين والتعبئة
 

وفي الحالة الجزائرية مثلا، فإن الانتخابات القادمة، مع ما يتخللها من مظاهر ديمقراطية من قبيل الاحتجاجات ضد العهدة الخامسة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، تمثل فرصة لضخ دماء جديدة في شرايين العملية السياسية المحتبسة، وستوفر مناسبة لاختبار فعالية الأحزاب وحتى منظمات المجتمع المدني، وقياس أثر تلك الأجسام السياسية والمدنية على وعي الجماهير وعلى توجهاتها السياسية والانتخابية.

تجري الانتخابات في الجزائر، كما في تونس، في ظل واقع سياسي موسوم بالانسداد، لكن انسداد الواقع لا يعدّ حائلا أمام إجراء هذا الاستحقاق عله يحرك المياه الراكدة، وعله يفرز قوائم من خارج السياق المعتاد أو مفاجأة أو مرشحا مستقلا. وحتى إن ركنت النتائج إلى المنتظر والسائد فإن ذلك سيتحول إلى موضوع انتقاد وإلى قادح لحبر التحاليل.

رغم الإقرار المجمع عليه بكون الحدث الانتخابي عاملا غير محدد بمفرده في الوصول إلى الديمقراطية الحقة، إلا أن أهميته تبدأ من إشاعته لمبدأ المشاركة السياسية، وقطعه مع ثقافة العزوف السياسي؛ إذ أن الوعي بأهمية المشاركة وبمدى تأثير الصوت الانتخابي، يعكس وعيا مدنيا عميقا لدى الفرد كما لدى المجموعة. وفي العزوف أو في ضآلة نسبة المشاركة إتاحة الفرصة للكتل الأيديولوجية الصمّاء بأن تنتصر وتهيمن. عندما تراجعت نسبة المشاركة الانتخابية في تونس، صعد اليمين الديني المدجج بكتلة انتخابية شبه عسكرية، تصوتُ بانضباط عقائدي كبير، وكانت الانتخابات المصرية التي جرت في عام 2012 والتي أفرزت صعود المرشح الإخواني محمد مرسي إلى سدة الرئاسة، دليلا مضافا على أهمية نسب المشاركة.

تجري الانتخابات في الجزائر في ظل جدل كبير حول معنى ودلالة ترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وإذ اعتبرت قراءات كثيرة أن مجرد ترشح الرئيس العاجز منذ سنوات، يمثل دليلا على “عبثية” الاستحقاق الانتخابي إلا أن ذلك لا يسحب من الحدث أهميته بالنسبة للجزائريين. إذ أن الحدث، وأيا كانت نتائجه، يمثل عنوانا للحراك السياسي، ولعل المظاهرات الحالية ضد العهدة الخامسة دليل مضاف على أن الانتخابات أداة تغيير، حيث بدأت مبكرا في الدفع بآلاف المحتجين إلى الشوارع، وهي أولى دلائل التغيير وعلاماته.

الانتخابات حدث دوري يرادُ له أن يكون مناسبة سياسية تختبر فيها مصداقية الأحزاب وبرامجها، وتتاح فيه فرص التعبير وإبداء الرأي والاحتجاج، ويتم فيه تطارح البرامج والأفكار، وحتى إن غابت كل هذه الشروط، فإن ذلك سيمثل منطلقا لقراءة وضع البلاد وتشخيص أحوالها، وكلها مقدمات للتغيير. أما النتائج فتخضع لتضافر عوامل، سابقة ولاحقة، على يوم الاقتراع.

قد يبدو ترشح بوتفليقة عبثيا، وقد يبدو المناخ السياسي الجزائري محكوما بقواعد صارمة لا تقبل الفكاك، ومع ذلك يظل الحدث مهما ونقطة ضوء يمكن أن تأتي بتغيير وتفرز حراكا أو تدفع إلى ابتكار يقطع مع السائد.

12