الانتخابات اختبار لفاعلية النظام السياسي

الثلاثاء 2017/09/05
الطريق إلي الديمقراطية يبدأ بالانتخابات

حتى اليوم لم تخترع البشرية نظامًا أنجع ولا أذكى من الانتخابات كأساس لتحقيق الديمقراطية، ولا ديمقراطية دون انتخابات، وأيًا ما كان الحكم على مدى نزاهة الانتخابات أو حجم التلاعب بها هنا أو هناك، فالراسخ في وجدان كل الشعوب هو أن التوجه إلى الصندوق أمر حتمي لا بديل عنه لتحقيق المساواة بين المواطنين.

صحيح أن للديمقراطية المعاصرة أشكالًا وتطبيقات عديدة تختلف من مجتمع إلى آخر، إلا أن النوع الأهم من الديمقراطية، وحتى إشعار آخر، هي الديمقراطية التمثيلية أو النيابية، التي تعني توجه الناس إلى صناديق الانتخاب أو الاقتراع أو الاستفتاء لاختيار ممثلين لهم، سواء في البرلمان الأم أو على مستوى المحليات في القرى والنجوع والمراكز والمحافظات، وفي كل الأحزاب والتنظيمات السياسية والنقابات والجمعيات.

الانتخابات هي الضمانة الأهم لتحقيق شرعية حكم الحكام ومشروعيتهم، ولا يمكن لحاكم مهما كان جبروته أن يطمئن إلى سلامة موقفه أمام شعبه، إلا إذا كان قد وصل إلى الكرسي عن طريق الانتخاب، أي من خلال الشعب نفسه، ولهذا سنجد العسكريين الذين يغيرون أنظمة الحكم في بلدانهم يسارعون إلى إجراء الانتخابات في غضون أشهر قليلة سعيًا إلى اكتساب الشرعية.

والانتخابات ضمانة تحقيق الرضى العام عن السياسات التي يصنعها، ومن ثم فهي ضمانة المساندة الشعبية لما تم اتخاذه، لأنه من دون تلك المساندة بين أطياف المجتمع سيدب الانقسام، وسيشعر الناس بأن هذه السياسات لا تعبر عنهم وبالتالي يقاومونها ويتمردون عليها، فيفقد الحاكم سيطرته ويشعر بالعجز، وتتسع الهوة بينه وبين شعبه.

ثم إن الانتخابات هي التي تحقق أكبر قدر من المشاركة السياسية بين الجمهور العريض، وقد أثبتت تجارب التاريخ المعاصر أنه كلما زادت مساحة المشاركة في العملية السياسية بالمجتمع أنجز النظام السياسي نجاحات أكبر بعكس الأمر في الأنظمة الدكتاتورية ذات الصوت الواحد والرأي المنفرد.

النوع الأهم من الديمقراطية، وحتى إشعار آخر، هي الديمقراطية التمثيلية أو النيابية، التي تعني توجه الناس إلى صناديق الانتخاب أو الاقتراع أو الاستفتاء لاختيار ممثلين لهم

في أعتى الأنظمة الفاشية السلطوية الشمولية التي عرفها تاريخ القرن العشرين، كنا نرى “الزعيم” حريصا على إجراء الانتخابات حتى لو كانت بطريقته هو الخاصة، لماذا؟ لكي يخرج للجمهور زاعمًا “أنكم أنتم من اخترتموني وبالتالي فإن قراراتي ما هي في الواقع إلا تعبير عنكم”، ما يعكس إيمانا لا شعوريا بضرورة الانتخابات حتى لو كانت شكلية.

كذلك فإن الانتخابات هي التي تحقق للنظام السياسي فعاليته من خلال وجود مؤيدين ومعارضين، إذ بات من المؤكد أن المعارضة هي الجهاز المناعي لأي نظام سياسي، لتنبيهه إلى مكامن ضعفه ومرضه فيسعى إلى علاجها، بالتالي فالانتخابات من خلال إنتاجها معارضة حقيقية تحمي النظام من الترهّل والتكلّس والتآكل، وفي النهاية الانهيار، كما رأينا ونرى في العديد من الدول القريبة منا.

الانتخابات تحقق التوزيع العادل لثروة وموارد الأمة على مكونات المجتمع، لأن الوظيفة الأساسية للبرلمانات والمجالس المحلية وغيرها هي التشريع والرقابة والمساءلة ثم المحاسبة، من خلال آليات كثيرة، منها الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجواب للمسؤولين، فضلا عن دراسة القوانين والتشريعات التي تضعها الحكومات فيقوم المجلس النيابي الذي أفرزته الانتخابات بدراستها دراسة متعمقة قبل التصديق عليها.

الانتخابات هي الوسيلة لتسليط الضوء على الفئات المهمشة بالمجتمعات، لأن هؤلاء بذهابهم إلى صناديق الانتخاب يكونون قادرين على إيصال أصواتهم إلى صانع القرار، كما أنهم باعتبارهم قوة تصويتية يحرص عليها المرشحون سيصبحون جزءا من المؤسسات السياسية، ومن ثم مصدرا إضافيا لعافية النظام السياسي، وكم رأينا كيف كان إهمال تلك الفئات سببا في انهيار مجتمعات بكاملها.

يضاف إلى ذلك، أن الانتخابات مدرسة لتعليم بسطاء الناس بالمجتمع السياسة، من خلال عملية تسجيل أسماء الناخبين، ثم التوجه إلى التصويت في البطاقات، والاستماع إلى برامج المرشحين أثناء الدعاية الانتخابية، وقبل ذلك المناقشات التي تسبق يوم الانتخاب بين مؤيد للمرشح ورافض له، وكل هذا يمثل فرصة للكثيرين لزيادة الوعي بما يدور بالبلد، وجذب اهتمام غير المهتمين، ما يؤدي في النهاية إلى مقاومة السلبية واللامبالاة والشعور باللا جدوى بين المواطنين.

وهكذا فإنه أصبح في حكم العبث الفكري القول بعدم جدوى الانتخابات تحت ذريعة أنه يتم تزويرها أحيانا، فالانتخابات ليست مجرد إجراءات شكلية ودعائية، بل هي بالأساس حق أصيل نصت عليه كل الدساتير لحصول المواطن على حقوقه الأساسية، فلا مساواة ولا سياسة أصلا من غير الانتخابات.

12