الانتخابات الأميركية

الأحد 2016/04/17

تساؤلات كبيرة تطرحها الانتخابات الحزبية التي تمهد للانتخابات الأميركية، بل ربما هي انتخابات القرن على مستوى العالم، نظرا لهول الملفات التي تنتظر الرئيس المقبل للبيت الأبيض، وأهمها تقليم النفوذ الروسي وإخلاء الشرق الأوسط.

لو نظرنا إلى التحليل الشخصي، فالحزب الديمقراطي قدّم مشهدا سهلا، هيلاري كلينتون ممثلة الطبقة السياسية التقليدية المتحالفة مع وول ستريت تخوض منافستها الطبيعية مع بيرني ساندرز، الاشتراكي هوية واليهودي ديانة، ورغم النتائج المعقولة التي حققها ساندرز، فإن النتيجة محسومة لهيلاري.

مرشحو الحزب الجمهوري بحاجة إلى تفصيل، ولنبدأ بالمرشح الذي شكل سقوطه مفاجأة مدوية، جيب بوش، كان أداؤه في الانتخابات الحزبية فوق المخيّب، وشاءت المصادفة أن أسأل قبل أشهر أحد أقطاب الحزب الجمهوري عن عيوب جيب فأجاب مباشرة “إنه فاقد الحماسة وعاجز عن استنهاضها عند الجمهوريين”.

سباق بين العقل والجنون

ومن وجهة نظري إن تنكّر جيب بوش لعائلته ساهم في تنفير الناخب الجمهوري منه، كما أن ضعف أدائه في المناظرات أمام المرشح المنافس دونالد ترامب دفع بعض المحللين الجمهوريين إلى التساؤل، إذا كان أداؤه هكذا أمام ترامب فكيف سيكون أمام بوتين! وطرح المقارنة بين جيب وبين شقيقه جورج دبليو بوش لم يصبّ لمصلحة حاكم فلوريدا السابق، على الرّغم من كل عيوب الرئيس بوش الابن فهو يتحلى بكاريزما القائد، معتمداً على المستشارين في صناعة السياسة التي يتولى تنفيذها وإدارتها، أما شقيقه جيب فيبدو أنه أقرب إلى شخصية «الرجل الثاني»، يرسم السياسة ويحيل تنفيذها إلى الطاقم البيروقراطي، جورج عاطفي ولاذع وجيب منطوٍ ودبلوماسي، لتتبلور بين جورج وشقيقه جيب المقارنة النموذجية بين الشخصية القيادية والشخصية التنفيذية.

في الحزب الجمهوري برزت شخصيتان لافتتان أيضا، سيناتوران من نفس السن، 44 سنة، وكلاهما من أصل لاتيني وملقبان بأوباما الجمهوريين، أي أنهما من أبناء المهاجرين الذين آمنوا بالحلم الأميركي، وانصهروا فيه وتصدّروا من خلاله، إنني أتحدث عن ماركو روبيو وتيد كروز، والأخير أكثر فصاحة وصدامية وسبب مشكلات حقيقية لإدارة أوباما في الكونغرس وهاجم -بضراوة- الجناح التقليدي في الحزب الجمهوري بسبب انتمائه إلى جناح الشاي المتطرّف داخل الحزب الجمهوري، بينما تفوق عليه روبيو بالوسامة وسرعة البديهة.

ماركو روبيو خسر لأنه انتهج سياسة خاطئة، فقد فصل بين التصويت الانتخابي داخل الحزب وبين تصويت المندوبين فانتهى إلى خارج السباق بعد هزيمته المذلة في منطقته فلوريدا، كما أنه لم يحظ بدعم جناح واضح داخل حزبه، في المقابل فإن تيد، المتصحر تماما، ما زال يواصل الركض، مع ترجيح ضياع جهوده سدى بسبب ارتياح ترامب على صعيد المندوبين.

دونالد ترامب، الذي أصبح حديث العالم ظاهرة فريدة، هو النسخة الأميركية من الإعلامي والسياسي المصري توفيق عكاشة الذي نال أعلى الأصوات خلال ترشّحه في البرلمان.

يعبر ترامب عن غضب الرجل الأبيض الذي اقترب من أن يكون أقلية داخل النسيج الأميركي إن لم يكن كذلك فعلا، ما يطلقه ترامب من مواقف عنصرية أو ألفاظ بذيئة يعبّر علنا عن وجدان سرّي لبعض الناخبين، وسمعته كملياردير ارتبطت بالنجاح مع أنه أفلس غير مرّة، ليس له نهج سياسي واضح، تسمع منه الرأي وعكسه، وبإمكانك أن تعدد أسباب فشل مرشحيه، لكنك لا تستطيع تعداد أسباب منطقية لنجاحه، عارضته كل أجنحة الجمهوري ومع ذلك اكتسحها.

باختصار، إننا أمام معركة واضحة الأدوات ملتبسة النتيجة عكس ما يتصوّر البعض، لن أتعجب أن يفاجئنا ترامب أميركيا بعد أن فاجأنا جمهوريا، فنوعا ما، يشبه ترامب اليميني منافس هيلاري، ساندرز اليساري، من ينتخب هذين النقيضين هو يعلن احتجاجه على الطبقة السياسية التقليدية، لذلك سيشكّل منصب نائب الرئيس دفعة حاسمة للمرشح المعتمد، هيلاري تبحث عن نائب من أصول أفريقية أو لاتينية، وترامب يبحث عن نائبة، أو نائب يستطيع أن يوحّد الحزب الجمهوري خلفه، وهنا تبرز حظوظ بوش الثالث مجددا، ولديه أيضا روبيو أو كروز، إضافة إلى مرشحة ممتازة لم تنل حظها في الانتخابات الحزبية هي كارلا فيورينا.

المعنى أن ما تريده هيلاري كمرشحة تقليدية هو عكس ما يريده المرشح الثوري ترامب، كلينتون تريد نائبا يجتذب الناقمين على الطبقة السياسية التقليدية لتجتذب المزيد من الأصوات، وترامب يريد نائبا من صميم الساسة التقليدين لتغطية ترشحه بالشرعية.

ومن خلال هذه النتائج نقرأ، مزاج القواعد الديمقراطية يميل إلى الثورة، ومزاج القواعد الجمهورية يميل إلى التطرف، وبعيدا عن السياسة، لا بد أن يأتي دور علماء الاجتماع، هل شاخ «أنكل سام» أم اضطرب عقله؟

هل أميركا مستعدة لرئيسة في البيت الأبيض؟ سارة بالين ضيعت ماكين أمام أوباما، أما هيلاري فلها وضع آخر، نقطة قوة كلينتون هي نقطة ضعفها أيضا، فالمرأة الحديدية ذات السبعين عاما تمثل الماضي عند بعض أميركا رغم كفاءتها الناصعة، أقلّه أن هذا ما يدغدغ به بعض الجمهوريين مشاعر الأميركيين، في المقابل تحاول هيلاري أن تقدم نفسها كنسخة ديمقراطية من ريغان.

لا أستطيع أن أتخيل ترامب متقدما أكثر، كارثة لو نال البطاقة الرئاسية وكارثة أكبر لو أصبح رئيسا بالفعل، يميّز المفكر اللبناني لقمان سليم الانتخابات الراهنة بقوله “لأول مرة يخيّر الناخب الأميركي في سباق بين العقل والجنون”، المشكلة يا عزيزي أننا جميعا مجانين.

صحافي سعودي

5