الانتخابات الأميركية تؤجج الشعبوية في أوروبا

السبت 2016/11/05

سيختار الناخبون الأميركيون قريبا رئيسا لهم، وينهون بذلك حملة مثيرة للجدل تبنى خلالها مرشح أحد الحزبين الرئيسيين شكلا من أشكال الشعبوية يقوم على عداء المهاجرين، ومن المفارقات أنه باستثناء عدد من الملايين المتبقين من الهنود الحمر لا يوجد في الولايات المتحدة سكان أصليون.

رغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الجمهوري دونالد ترامب من المحتمل أن يخسر في انتخابات 8 نوفمبر، من المقلق أن يدعو أحد المرشحين إلى حظر هجرة المسلمين، وبناء حاجز ضخم على طول الحدود الأميركية المكسيكية وإلغاء الاتفاقات التجارية.

مواقف ترامب -وكذلك عداؤه للنساء، وموقفه المتعجرف حيال الحرب النووية وتصريحاته الرافضة للحلفاء القدامى للولايات المتحدة- ستكون في صالح المرشح المنافس.

وفي الفترة التي تمتد من إجراء الانتخابات الأميركية إلى غاية ديسمبر عام 2017، سيتوجه السكان في دول أوروبية، بما في ذلك فرنسا وألمانيا وهولندا والنمسا، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية أو لانتخاب البرلمان. وتقريبا في كل تلك البلدان يشن المرشحون القوميون واليمينيون حملات ضد الهجرة، يحركهم في ذلك التصويت لفائدة خروج بريطانيا من المملكة المتحدة في الصيف الماضي، وهي الحملة التي بُنيت على المشاعر المعادية للمهاجرين.

في الوقت الذي تبدو فيه الولايات المتحدة آمنة من انتصار الشعبوية، من المتوقع أنه بحلول نهاية عام 2017، سيكون في فرنسا وهولندا والنمسا زعماء معادون للمهاجرين ومناهضون للعولمة. وإن لم يفوزوا بشكل قاطع، فإنه، كحد أدنى، من المرجح أن تزداد شعبية أحزابهم.

مثل ترامب، هناك العديد من الأوروبيين المعادين للمهاجرين معجبون بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأمر الذي يثير الاهتمام، ففي حين لم ينجح الاتحاد السوفييتي في قهر أوروبا، يحظى الاتحاد الروسي بإعجاب الملايين في الغرب. فما الذي يفسر هذا الاتجاه المقلق؟

الجواب معقد ولكن يمكن أن يتم تبسيطه من خلال ثلاثة عوامل: تواصل الضعف الاقتصادي في أعقاب انهيار الاقتصاد العالمي لعام 2009؛ تزايد عدم المساواة الاقتصادية، مما خلق شعورا بالظلم والبحث عن شخص لإلقاء اللوم عليه.

وفي حالة أوروبا على وجه الخصوص، ازدياد الهجرة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط – وهي الظاهرة التي جعلت قادة اليمين المتطرف والقوميين الشعبويين يشعرون بالأريحية لأنهم وجدوا من يلقون عليه اللوم.

إذا استمرت الاقتصاديات الغربية في النمو ببطء وتواصل عدم المساواة الاقتصادية في الاتساع على نحو غير متناسب وبما يؤثر على السكان من الطبقة العاملة، بالإضافة إلى الإهانة التي يشعرون بها وهم يشاهدون وظائفهم تنتقل إلى الخارج أي إلى البلدان ذات الأجور المنخفضة، ستبقى الاتجاهات الشعبوية المعادية للهجرة صلبة وقوية، مدعومة باستمرار، وستبقى أيضا بعض الهجمات الإرهابية.أمام هذا الواقع، هل من السهل تعزيز النمو الاقتصادي بشكل سريع وتقليل عدم المساواة في الغرب؟

الجواب نشره الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت شيلر في مقال في صحيفة نيويورك تايمز، جاء فيه “شيء ما ينبغي القيام به بشأن تزايد عدم المساواة والنمو الضعيف، لأنه إذا استمر الأمر على هذه الشاكلة قد نرى المزيد من التعاسة، والسخط والاضطرابات السياسية“.

ولكن حتى لو افترضنا ارتفاعا في النمو وتقليص الفجوة في عدم المساواة في الغرب، لا تزال الهجرة تمثل مشكلة. بالنسبة للكثير من الأوروبيين، تعتبر الهجرة في آن واحد تهديدا اقتصاديا (سوف يستولون على وظائفنا)، وتهديدا ثقافيا (سوف يستولون على وطننا)، فمثلا سيطر على النقاش بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد التهديد الثقافي: الخوف من أن تفقد الشوارع الإنكليزية التقليدية هويتها. تم استحضار التهديد الثقافي من الهجرة أيضا في الولايات المتحدة ولكن ليس بنفس القدر. وتستند المشاعر المناهضة للمهاجرين في الولايات المتحدة في المقام الأول على المجالات الاقتصادية وبشكل محدد التهديد في مجال الوظائف، رغم أن ترامب أجج التهديدات الأمنية من خلال التركيز على الإرهاب الإسلامي، إلا أنه سلط الضوء على الجرائم التي يرتكبها المهاجرون اللاتينيون غير الشرعيين.

في الواقع، منذ أحداث 11 سبتمبر ليس هناك سوى ثلاثة مهاجرين ارتكبوا جرائم تتعلق بالإرهاب في الولايات المتحدة ومعدل الجريمة بين المهاجرين غير الشرعيين هو أدنى بكثير من جرائم المواطنين الأميركيين. لقد ارتكب الإرهابيون أعمالا مروعة في باريس ونيس وبروكسل وأورلاندو، إلى جانب أماكن أخرى ولكن دعوة ترامب غير المؤكدة بأن الآلاف من المهاجرين السوريين من الذين تم السماح لهم بدخول الولايات المتحدة (بعد فحص شامل) ينتسبون إلى تنظيم الدولة الإسلامية تم استخدامها لجذب الأصوات عبر إذكاء المخاوف.

دونالد ترامب ومارين لوبان وخيرت فيلدرز ونوربرت هوفر ونيكولا ساركوزي جميعهم يغذون خطاباتهم بقصص عن الجهاديين، ومن بين أهدافهم التحريض على الصدام بين الحضارات.

وسوف تكشف الثلاثة عشر شهرا المقبلة إلى أي مدى سيوطد الديماغوجيون علاقاتهم وتحركاتهم في الديمقراطيات الغربية. وإذا نجحوا في ذلك، فإن التوقعات بالنسبة للمهاجرين والعلاقات العامة الغربية مع العالمين العربي والإسلامي سوف تكون قاتمة.

*عن العرب ويكلي

أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون

7