الانتخابات الإسرائيلية: نحو المزيد من التطرف

يعتبر انتخاب نتنياهو، الذي يزداد تطرفاً مع كل ولاية، جزءا من موجة الشعبوية السياسية التي عصفت بالديمقراطيات الغربية والعالم.
السبت 2019/04/13
نتنياهو يفوز بأغلبية مريحة

مع إعلان النتائج النهائية للانتخابات الإسرائيلية، تأكد فوز تحالف اليمين المتطرف بزعامة حزب الليكود بأغلبية مريحة بمقاعد البرلمان، وهو ما يمهد الطريق أمام بنيامين نتنياهو لولاية خامسة. اعتبرت النتائج مفاجئة نوعاً ما بسبب الفترة الطويلة التي أمضاها نتنياهو في الحكم، إذ بدا من غير المرجح أن يحظى بولاية خامسة، ليصبح الأطول أمدا في رئاسة الوزراء بعد الزعيم الصهيوني المؤسس لدولة إسرائيل ديفيد بن غوريون. يضاف ذلك إلى اتهامات الفساد التي توقع البعض أن تقضي لا على فرصه في الفوز بالانتخابات الأخيرة فقط، بل على مستقبله السياسي أيضا.

ويعتبر انتخاب نتنياهو، الذي يزداد تطرفاً مع كل ولاية، جزءا من موجة الشعبوية السياسية التي عصفت بالديمقراطيات الغربية والعالم، والتي كانت قد بدأت مع نتائج استفتاء “بريكسيت” في بريطانيا، لتبرز بوضوح مع تصاعد شعبية أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، ولتبلغ ذروتها بانتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة وجايير بولسونارو في البرازيل.

لا تقوم الشعبوية على برنامج سياسي دقيق ورؤية واضحة بما يخص المستقبل. كل ما تحتاجه هو وجود حنق شعبي واسع وعجز الطبقة السياسية عن تحديد تصور مبسط لمكمن الأزمات التي تعصف بهؤلاء الحانقين. ومن ثم يظهر “القائد المخلص” الذي يقدم حلولاً تبسيطية من خلال اختراع عدو يوجه الغضب الشعبي تجاهه.

 تتطلب الشعبوية تصنيع “الآخر”، المسؤول عن معاناة الشعب والذي يشكل خطرا داهما على هويته. ولا تتخذ من الآخر مجرد خصم سياسي بل تصوره كعدو وكتهديد وجودي. وقد عرف عن نتنياهو استخدام الخطاب الشعبوي وتصنيع “الآخر” خصوصاً في ظل وجود “فزاعة الفلسطينيين”، وقد استغل ذلك في الحملة الانتخابية وفي برامجه القائمة على استئصالهم وضم أراضيهم.

ولم يقدم نتنياهو نفسه كرئيس وزراء فقط، بل كزعيم تاريخي يضطلع بمهمة سامية مرتبطة بإرادة الرب. ففي خطاب النصر قبل أيام قال “أؤمن بأن الرب والتاريخ أعطيا لشعب إسرائيل فرصة أخرى، فرصة ذهبية لتحويل دولتنا إلى أمة قوية جداً بين دول العالم”. وكما هي عادة القادة الشعبويين في إضعاف الفصل بين السلطات، هاجم نتنياهو خلال الحملة الانتخابية الجهاز القضائي واتهمه بتسييس ملفات الفساد الموجه ضده بما يخدم مصالح “أعداء الأمة”.

ولكن ليس صعود الشعبوية في العالم هو فقط ما يدفع نحو التطرف الإسرائيلي الذي يسبق هذه الموجة. أظهرت نتائج الانتخابات حجم التحولات العميقة في المجتمع الإسرائيلي، وكانت إحدى نتائجها زيادة أعداد الأحزاب المتطرفة والتأييد الشعبي لها؛ إذ نمت البيئة الشعبية المؤيدة للأحزاب الدينية بصورة سريعة خلال العقود الماضية، وذلك بفعل معدلات الإنجاب العالية والهجرة اليهودية، مقابل تراجع القاعدة الشعبية للأحزاب والجماعات ذات التوجه الليبرالي.

وبهذا المعنى، فإن رفع حدة الخطاب السياسي من قبل نتنياهو يتوافق مع ارتفاع منسوب التطرف في المجتمع الإسرائيلي. أصبح الجمهور الإسرائيلي شديد العداء للأسئلة السياسية التي كانت تطرح خلال العقود الماضية من قبل أحزاب اليسار والوسط، مثل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وحصار قطاع غزة والحل السياسي وملف حقوق الإنسان بصورة عامة.

 تعرضت القوى السياسية التي عالجت تلك الملفات بصورة نقدية إلى اتهامات بالخيانة والعداء للأمة اليهودية. وهو ما شدد من عزلة اليسار الإسرائيلي الذي رضخ لمناخ التطرف وتجنب الخوض في المسائل السياسية الشائكة، فاقدا بذلك هويته التي ميزته خلال العقود الماضية ودون أن يكسب أصوات اليمين أيضاً.

وبذلك حقق حزب العمال الإسرائيلي أسوأ نتيجة له منذ تأسيس الدولة الصهيونية بحصوله على 4.4 في المئة من أصوات الناخبين. ولا نتحدث عن حزب متواضع حولته التطورات المذكورة إلى حزب هامشي بل نتحدث عن الحزب المؤسس لدولة إسرائيل والحزب المهيمن على صنع السياسات الداخلية والخارجية حتى مطلع عام 2000.

ليست خسارة الحزب فقط هي ما يوضح الارتفاع في منسوب التطرف في المجتمع الإسرائيلي، بل كونه ليس حزباً معتدلاً من الأساس. فرغم عباءة الليبرالية ودعوات السلام التي صبغت خطاب الحزب منذ تأسيسه، فقد قام بصورة رئيسية على الأيديولوجيا الصهيونية التي دفعت اليهود للهجرة إلى فلسطين ومثلت الفكر الاستئصالي للفلسطينيين.

9