الانتخابات الإماراتية المقبلة.. التمكين والتدرج

الأربعاء 2015/07/15

لسنوات عديدة، ظلّت جملة من التساؤلات يطرحها المتابعون للشأن السياسي في الإمارات العربية المتحدة، لعل أهمها: ما هو حجم المشاركة السياسية بما يتناسب والمنجزات التي تحققت محليا على مختلف الأصعدة أولا، وبما يواكب التطورات العالمية في مجال المشاركة السياسية ثانيا، وبما يجعل الإمارات في اتساق بالتجارب الديمقراطية في العالم ثالثا؟

وعلى أهمية السؤال السابق وتفرعه في الماضي، واستمرار طرح البعض من قضايا، إلا أن انشغال المراقبين في الحاضر تركّز، بالأساس، على اتجاه الفعل السياسي داخل الإمارات، وفي أذهان كثيرين تلك الخسائر المصاحبة للعمل السياسي على المستوى العربي، سواء خلال العملية الانتخابية وما صاحبها من عنف وتزوير واسع النطاق، أو ما تبعتها من نتائج أدّت إلى انزلاقات وكوارث، وانتهت في بعض الدول إلى حرب أهلية، ولا يزال الخلاف بل والاقتتال يجد مرجعيته في مطلب حق انتهى إلى باطل وغلو وتطرف ودماء، وأقصد به هنا “المشاركة السياسية”.

انطلاقا مما سبق، وبناء على خصوصية التجربة الإماراتية، وعلى خلفية المتابعة المتواصلة لما يحدث في دول الإقليم وفي معظم الدول العربية وفي الكثير من دول العالم، يمكن لنا اليوم، ونحن على موعد قريب مع انتخابات المجلس الوطني الاتحادي (بداية من يومي 20 و21 سبتمبر المقبل للإماراتيين الموجودين في الخارج) التأكيد على توفر إجابات عملية من خلال التجربتين السابقتين للانتخابات عامي 2006 و2011، وأخرى نظرية يمكن التأسيس عليها لاتخاذ موقف أو اكتساب معرفة، من خلال شروح وافية قدمها أهل الخبرة والدراسة والمسؤولية.

هنا سنعتمد في التحليل على المحاضرة التي ألقاها الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات، مساء الأحد الماضي 12 يوليو، بدعوة من اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، وبالتعاون مع اللجنة الوطنية للانتخابات في أبوظبي، وأدارها حبيب الصايغ رئيس الاتحاد، بحضور عدد من المسؤولين وأعضاء الاتحاد ومثقفين وطلبة جامعات وحشد من الجمهور.

من خلال محاضرة أنور قرقاش يمكن لنا تصوّر الإمارات في المستقبل المنظور وحتّى البعيد بناء على تجربتها الراهنة، ذلك لأن القيادة السياسية لدولة الإمارات تسعى في الحاضر إلى تحقيق مطالب مستقبلية ليس من ضمنها بالطبع تداول السلطة، لأن وجود المعارضة في دول العالم جميعها الهدف منه تحقيق ما عجزت السلطة عن عمله، الأمر الذي لا وجود له في الإمارات، ففي تجربتها الانتخابية مثلا نجد فلسفة، بيّنها أنور قرقاش، بقوله “إن فلسفة التجربة الانتخابية في دولة الإمارات تقوم على الحاجة إلى تطوير المشاركة السياسية، مع الحرص على أن تكون هذه التجربة متدرجة، وراسخة”.

والواقع أن مبدأ التدرج يحقق جملة من الفوائد، منها على سبيل المثال: القدرة على مراجعة المسار، وتدارك الأخطاء، ومعرفة مواطن الخلل، والتجاوب مع درجة الوعي السياسي لأفراد المجتمع، وعدم الاندفاع نحو المجهول، لذلك علينا عدم فصل تجربة الانتخابات في الإمارات عن هذا المبدأ لأن ذلك يساعدنا على فهم رؤية القيادة السياسية في الإمارات، كما يمكننا من فهم إستراتيجية مرحلة التمكين التي وجه بها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات في ‏‏‏‏ديسمبر 2005، حيث اقتضت فتح المجالات كافة أمام المشاركة من خلال مسار متدرج منظم، يبدأ بتفعيل دوره عبر انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، لذلك بدأت التجربة محدودة في عام 2006، مع مشاركة 7 آلاف ناخب، واتسعت في عام 2011، لتصل إلى 130 ألفاً وصولاً إلى عام 2015، الذي سيشهد مشاركة 224 ألف ناخب، مع استحداث الصوت الواحد هذا العام بدلاً من الصوت المتعدد، كما كان الحال في الدورتين السابقتين، كما أشار لذلك أنور قرقاش.

هكذا إذن تشقُّ الإمارات طريقها بمنهج سياسي هو أقرب إلى نظام الشورى منه إلى الديمقراطيات الغربية، مما يجعلها تكرس طابعها الخاص، فلا هي نسخا ولا مسخا لتجارب الآخرين، وإنما هي ابنة بيئتها ولها تراثها الوطني والقومي، وهي شاهدة على التجارب العربية، ومتجاوزة لها، بما يحقًّ لنا من توقعٍ على أنها ستكون الأفضل عربيا، ومُبّررنا في ذلك، النجاحات الظاهرة في المجالات الأخرى.

من ناحية أخرى، فإن التجربة الإماراتية في مجال الانتخابات تعد فعلا وطنيا خَالِصًا، وليست رد فعل، وهو ما يفهم من حديث الدكتور قرقاش حين قال “إن التجربة الانتخابية عندما بدأت في دولة الإمارات لم يكن هناك ما يسمى بـ”الربيع العربي”، الذي جاء بعد ست سنوات من انطلاقها، ما يعني أن الإمارات لم تكن في مأزق، وهي ليست في مأزق اليوم”.

وقول قرقاش السابق، يُفهم منه أن الممارسة السياسية ليست واحدة في الدول العربية، وهذا يتطلب متابعة واعية لكل تجربة باعتبارها حالة خاصة قد تلتقي مع بعض التجارب الأخرى، لكن ليست ولن تكون متطابقة، وأن تجربة الانتخابات في الإمارات تنطلق، كما ذكرت في البداية، من التركيز على توسيع المشاركة السياسية بما يواكب مسيرة التنمية التي شهدتها الدولة في كل المجالات، ومنها المجال السياسي، وهو ما أكد عليه أنور قرقاش في محاضرته، وما أثبتته التجربة خلال الاستحقاقيْن الماضيين، وسيتعمق أكثر في التجربة المقبلة حيث سيدعى للتصويت ما يقارب الخمسين بالمئة من العدد الإجمالي، ممن يحق لهم التصويت، من مواطني دولة الإمارات.

كاتب وصحفي جزائري

9