الانتخابات الإيرانية: تزييف مفهوم الديمقراطية وبيع الفكرة للعالم

يقدم النظام الإيراني ومناهضوه في جميع أنحاء العالم انطباعا بأن الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في البلاد يوم 19 مايو الجاري ستكون تتويجا لعملية ديمقراطية. ولكن يبدو أنها خطوة وهمية يتخذها النظام الإيراني أسوة بمصطلح “الديمقراطية” الدارج هذه الأيام في الولايات المتحدة.
الخميس 2017/05/18
كل يعرف حجمه في المشهد الإيراني

طهران - ينادي النظام الشعب الإيراني ويحثه على الخروج والتصويت حتى يتسنى للجمهورية الإسلامية أن تثبت مدى الحرية التي يتمتع بها مواطنوها من خلال الإقبال على الانتخابات، وأيضا للدعم الشعبي الواسع للنظام، حيث يتم تشجيع المواطنين على التصويت من أجل البلاد ومن أجل الإسلام.

وقال المرشد الأعلى آية الله خامنئي “أي تصويت في الانتخابات الرئاسية هو بحد ذاته تصويت للنظام الحاكم”. وكلما زاد عدد الناخبين كلما كان ذلك أفضل.

بيد أن الانتخابات في جمهورية إيران الإسلامية بعيدة عن أن تكون حرة أو ديمقراطية، حيث استعرض مجلس صيانة الدستور الإيراني المئات من الطلبات ووافق على عدد قليل من المرشحين للترشح لمنصب الرئيس. ويتألف المجلس من ستة أشخاص خبراء في الشريعة الإسلامية وستة من المحامین من ذوي المتخصصين في مختلف مجالات القانون المدني، ويتم تعيينهم بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل مرشد الجمهورية.

وبغض النظر عن عدد الأصوات التي يحوز عليها المترشحون، فسيختار آية الله الفائز بنفسه بشكل أو بآخر. وكجزء من عملية تصدير الفكرة للعالم، وهي أن الجمهورية الإسلامية تقدس الديمقراطية، يعتمد النظام نمطا غربيا في تنظيمه لحملات انتخابات الرئاسة؛ مثل المناظرات التي يتم بثها على التليفزيون، والتي من خلالها ينتقد المرشح الحكومة ومنافسيه، وكذلك الفصائل السياسية المعارضة، إن لم يكن المرشد الأعلى نفسه.

يُلقي المرشحون بوعودهم للإصلاحات التي يودّ جيل الشباب أن يراها، حتى لو كانت تناقض القوانين والأنظمة الحالية، ثم يحث النظام الإرادة الشعبية، وخاصة الشباب، حتى يتوجهوا إلى مراكز الاقتراع. وحين يقف الناخبون في صفوف طويلة ينتظرون الإدلاء بأصواتهم، يبث النظام هذه الصور من المشاركة الضخمة كنوع من أنواع الاستهلاك المحلي والدولي. ويأتي انتقاد الرئيس حسن روحاني للقوة العسكرية الإيرانية كمثال على هذه الواجهة الديمقراطية التي اكتسبت اهتماما دوليا، حيث اتهم روحاني في أوائل مايو القوة العسكرية الثورية الإيرانية بتخريب الاتفاق النووي مع دول القوى العظمى الموقع في يوليو 2015 قائلا “رأينا كيف كشفوا القواعد تحت الأرض، وكتبوا رسائل ضد الإسرائيليين على صواريخ لتخريب الاتفاق النووي”.

يظهر روحاني الآن مرشحا ينتمي إلى التيار الإصلاحي، يقول الحقيقة في وجه القوة التي تعلوه، لكنه بذلك يهيّج نزاعا كان يغط في سبات، لطالما سمح النظام بأن ينضج بهدوء لسنوات.

لا يحظى الحرس الثوري الإيراني عادة بشعبية خاصة في الشارع الإيراني، وسمح كثيرا بالهجوم عليه وانتقاده من خلال خطابات الإصلاحيين، وخاصة خلال موسم الانتخابات. وكان من المرجح أن يتوجه انتقاد روحاني الجريء للخارج أكثر من الداخل، ولكن من الواضح أنه أراد مساعدة حلفائه في الخارج لإثبات صورته لديهم بأنه زعيم معتدل، وبالتالي أيضا مساعدة النظام الذي قام بتنصيبه رئيسا للبلاد. ويبدو أن روحاني لا تزعجه برامج الصواريخ الخاصة بالحرس الثوري الإيراني، أو حتى عداءه لإسرائيل، بل ما يقلقه حقا هو شبكة علاقاته العامة.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، ضاعف الرئيس روحاني بنفسه من ميزانية الحرس الثوري الإيراني. كما أكد نائبه إسحق جاهانجيري المرشح الإصلاحي الآخر في 19 مايو علنا أن الذراع التجارية للحرس الثوري الإيراني التي تسيطر على صناعات متعددة في إيران لا يُسمح لها ببدء أي مشروع جديد دون الحصول على موافقتها.

وبينما انتقد روحاني الحرس الثوري الإيراني بسبب شعاراته المكتوبة على الصواريخ التي تدعو إلى تدمير إسرائيل، لم تغير طهران رفضها للوجود الإسرائيلي في ظل ولايته. واستمرت خطابات الحرس الثوري الإيراني العدوانية ودعمه العملي والبلاغي للجماعات الإرهابية التي أقسمت على تدمير إسرائيل والتظاهرات والمسيرات التي أجريت لتشويه وتهديد “الكيان الصهيوني” دون انقطاع منذ أن تولى روحاني “المعتدل” الرئاسة بعد محمود أحمدي نجاد “المتطرف”.

سيختار آية الله الفائز بنفسه. وكجزء من عملية تصدير الفكرة للعالم يعتمد النظام نمطا غربيا في تنظيم انتخابات الرئاسة

ما هي الإصلاحات الداخلية التي كانت محور حملة روحاني لعام 2013؟ ولكن بعد أربع سنوات، ازدادت انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك اعتقال الصحافيين ونشطاء الحقوق المدنية والأقليات العرقية والدينية. كما أن “ميثاق حقوق المواطنين” الذي وعد به قبل أربع سنوات ووقع عليه العام الماضي، لا يُلزم أي مسؤول حكومي ولا يحمل أي قوة قانونية فعلية. يبدو أنه قد نسي كل ذلك.

بان كي مون الأمين العام السابق للأمم المتحدة، أشار في تقريره لعام 2014 إلى أنه “لسوء الحظ لم يتم الوفاء بأي من تعهدات الرئيس روحاني بتحسين حرية التعبير والصحافة، بل لا يزال الضغط على حرية التعبير يمتد إلى جوانب كثيرة من الحياة”.

ويشير تقرير الأمين العام للعام 2017 أيضا إلى “القلق إزاء استمرار القيود المفروضة على الحريات العامة وما يتصل بها من اضطهاد لعناصر المجتمع المدني، واستمرار التمييز ضد المرأة والأقليات، وظروف الاعتقال”.

وفي ظل رئاسة روحاني، شهدت إيران أيضا ارتفاعا في عمليات الإعدام من قبل النظام. وأعرب أحمد شهيد المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إيران عن خيبة أمله، وقال عام 2014 إنه “لا يزال لا يفهم كيف ينبغي أن يكون الرئيس الإصلاحي في منصبه وأن يرى هذا الارتفاع الحاد في عمليات الإعدام. أود أن أسمع تفسير الحكومة لذلك”. وأشار في تقريره للعام 2017 إلى انخفاض عدد عمليات الإعدام، لكنه قال أيضا إن الأمين العام “ما زال يشعر بقلق عميق إزاء استمرار تزايد عمليات الإعدام وخاصة للأحداث”.

يتعاطف معظم الصحافيين الإيرانيين، داخل إيران وخارجها، بمن فيهم الذين يعملون في القنوات الإخبارية الدولية الرائدة مع ما يسمى بالمعسكر الإصلاحي. ويأتي ذلك في صالح الإصلاحيين الذين يحوزون على اهتمام وسائل الإعلام على الصعيد الدولي. وكثيرا ما تُصور التقارير الإعلامية روحاني على أنه شخصية مقهورة أو ضحية من ضحايا المتشددين الذين يعتزمون تخريب جهوده.

أعطى كل هذا روحاني ومعسكره الإصلاحي متنفسا سياسيا مكنهما من تجنب الوفاء بوعودهما بالإصلاح الاجتماعي، وخاصة في ما يتعلق بالحريات الإعلامية.

وعلى الصعيد المحلي، تمكن روحاني إلى حد كبير من خلق الانطباع بأن الاقتصاد يتحسن أيضا، وأن الإصلاحات رغم تأخرها، في طريقها على الرغم من المعارضة العنيفة من المتشددين. وقد ساعد هذا الانطباع على تقليل التوترات بين الجيل الأصغر من الشعب الإيراني، وبالتالي تجنب موجات الاحتجاجات على غرار 2009، على الرغم من الإحباط الذي يعيشه الإيرانيون في ظل القيود المفروضة عليهم، ولم يكن هناك انتقاد صريح لروحاني بين فئة الشباب الإيرانيين في تلك الأيام التي تسبق انتخابات الجمعة القادم.

من هنا، شعر النظام في طهران بأنه سيكون من الأفضل إعطاء روحاني الفرصة لفترة رئاسية أخرى عوض الاتجاه إلى الحزب اليميني المحافظ. ولا عجب إذا تخلى المرشحان الرئاسيان الآخران اللذان ينتميان إلى المعسكر الإصلاحي المزعوم، جاهانجيري ومصطفى هاشمي طابا، عن ترشيحهما في الأيام القليلة المقبلة وقدما دعمهما الكامل لروحاني الذي سيُنتخب على الأرجح للمرة الثانية.

كما استفاد أيضا نظام الجمهورية الإسلامية استفادة كبيرة على الصعيدين الدولي والمحلي منذ انتخاب روحاني. فعلى الصعيد الدولي والإقليمي، توصلت إيران إلى اتفاق نووي مع الغرب، وشهدت رفع جزء من نظام العقوبات الدولية، وتحسنت علاقاتها مع روسيا، وتعزز موقعها الإقليمي وازدادت تدخلاتها في سوريا والعراق واليمن، وانتهت عزلتها الدولية التي كانت تعيش فيها.

13