الانتخابات البرلمانية تضع مستقبل الاتحاد الأوروبي في الميزان

صدام متوقع بين الأحزاب الفائزة في الانتخابات حول منصب المفوضية الأوروبية.
الاثنين 2019/05/27
تصويت يرسم معالم المرحلة المقبلة للاتحاد الأوروبي

ترسم انتخابات البرلمان الأوروبي معالم المرحلة المقبلة داخل الاتحاد الأوروبي، فنتائجها بمثابة الاستفتاء على الوحدة الأوروبية والسياسات الأوروبية المشتركة، وهي بمثابة المواجهة عبر الاقتراع بين من يريدون الاستمرار بالمغامرة الأوروبية وبين من يحاربونها، وستعيد انتخابات البرلمان تشكيل المشهد السياسي في القارة وستكون حاسمة للسباق إلى المناصب الأساسية في المؤسسات الأوروبية.

بروكسل -  بنهاية التصويت  على انتخبات  البرلمان الأوروبي تنطلق دورة سياسية جديدة تتضمن تغيير القيادة في المؤسسات الرئيسية في الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي تشهد فيه أوروبا حالة من البحث عن الذات بسبب خروج بريطانيا المقرر والتهديدات من داخل وخارج التكتل.

وقد دعي 427 مليون ناخب أوروبي إلى التصويت لانتخاب 751 نائبا في البرلمان الأوروبي لولاية مدتها خمس سنوات في ما يوصف بأنه أكبر انتخابات عابرة للحدود الوطنية في العالم، حيث يلعب الناخبون دورا حاسما في صياغة القوانين الأوروبية.

وأظهرت أولى التقديرات تقدم الأحزاب المشككة في جدوى الاتحاد، الأمر الذي يهز من جديد مكانة الأحزاب التقليدية المؤيدة للاتحاد الأوروبي، فمع صعود التيار القومي في البرلمان الأوروبي سيقع كبح العمل المشترك في السياسات الاقتصادية والخارجية. وهذه الانقسامات السياسية تهدد مستقبل الاتحاد الأوروبي بسبب وجهات نظر مختلفة حول معنى المشروع الأوروبي والوحدة الأوروبية التي ينادي بها الاتحاد منذ تأسيسه.

وتتزامن الانقسامات مع الاحتفال بذكرى أحداث شكلت الاتحاد. فقد مر 75 عاما على نزول القوات الأميركية في فرنسا لهزيمة ألمانيا النازية ومنذ سمحت القوات الروسية للألمان بسحق محاولة بولندية للحصول على الحرية وكذلك مرور 30 سنة منذ هدم الألمان سور برلين لإعادة توحيد شطري أوروبا في الشرق والغرب. غير أن ذكريات الحرب، ساخنها وباردها، لم تكف لبلورة الإيمان بمستقبل موحد. ويشير مراقبون إلى أن المشروع الأوروبي الذي كان يحظى إلى غاية أمس القريب بدعم شعبي واسع، بدأ يفقد بريقه بفعل الأزمة الاقتصادية التي كان تأثيرها قويا على الدول الأقل نموا، ووسط تداعيات أزمة الهجرة والتطرف التي استهدفت القارة السنوات الأخيرة.

بإعلان النتائج تبدأ أسابيع من المساومات بين الزعماء على مستوى الدول لاختيار من يخلف جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية

ويجد اليمين المتطرف في هذه القضايا التي أضعفت الاتحاد وسيلة للتشكيك في المشروع الأوروبي وورقة انتخابية دعائية له. وقد تصدر استطلاعات الرأي أصحاب التيار الشعبوي اليميني في اثنتين من الدول الأربع الكبرى الأعضاء في الاتحاد، وهما إيطاليا وبريطانيا التي يفترض أن تنفصل عن الاتحاد.

ومن التحديات التي تواجه المشروع الأوروبي إهانات غير مسبوقة من رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب الذي يحتفي بالشعبويين في أوروبا وكذلك خلافات حدودية بين دول أعضاء بسبب المهاجرين والاقتصاد الذي يكبله الدين العام، إضافة إلى ما يمثله صعود الصين من تحد للمجموعة الأوروبية.

وقد واجهت أحزاب التيار الرئيسي الداعي لتوثيق التكامل الاقتصادي في منطقة اليورو صعوبات في استمالة ناخبين انتابهم الملل من النخب السياسية. ورجحت تقديرات أولية تفوق حزب الرابطة الذي ينتمي إليه نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني في إيطاليا على الديمقراطيين المسيحيين بزعامة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ليصبح أكبر حزب منفرد في البرلمان الأوروبي الذي يبلغ عدد أعضائه 751 عضوا.

ويرغب سالفيني في التعاون مع “التحالف المدني المجري” (فيديس) حزب رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي علقت عضويته حاليا من مجموعة المسيحيين الديمقراطيين في الحزب الشعبي الأوروبي، وما زالت نواياه للمستقبل غامضة.

لكن كل محاولات التقارب هذه تواجه صعوبات بسبب خلافات عميقة بين هذه الأحزاب، حول عدد من القضايا بينها مثلا الموقف حيال روسيا.

وستكون إعادة تشكل المشهد السياسي هذه حاسمة للسباق إلى المناصب الأساسية في المؤسسات الأوروبية وخصوصا رئاسة المفوضية خلفا لجان كلود يونكر من الحزب الشعبي الأوروبي.

Thumbnail

وبإعلان النتائج تبدأ أسابيع من المساومات بين الأحزاب لتشكيل أغلبية مستقرة في البرلمان وبين الزعماء على مستوى الدول لاختيار من يخلف يونكر. ويتوقع كثيرون صداما الثلاثاء، إذ من المرجح أن يتجاهل القادة المجتمعون في بروكسل مطالب البرلمان الأوروبي بأن يدير المفوضية واحد من النواب الجدد في البرلمان.

وعلى الرغم من المنافسة المحتدمة بين الأحزاب يبقى منصب رئيس المفوضية الأوروبية الذي يشغله حاليا رئيس وزراء لوكسمبورغ السابق جان كلود يونكر هو الأهم بالنسبة الأحزاب المتنافسة، نظرًا للسلطات الممنوحة له وللمفوضية من قبل زعماء الاتحاد.

وفي باريس جعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المعارض بشدة للشعبوية من الانتخابات الأوروبية بمثابة مواجهة مباشرة بينه وبين اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبن، وهي لعبة خطرة نظراً لتراجع شعبيته بعد ستة أشهر من أزمة “السترات الصفراء”.

وبعيداً عن اللعبة الأوروبية، تريد لوبن أيضاً الدعوة إلى استفتاء مناهض لماكرون. ومن جهته، لم يتوقف ماكرون عن تهويل الاستحقاق الأوروبي، والانخراط بالحملة في أواخرها.

ورأت صحيفة “لوفيغارو” أن “حملة الانتخابات الأوروبية تحولت إلى امتحان وطني”، مضيفة أن غالبا ما ينخرط الرؤساء الفرنسيون في حملات الانتخابات الأوروبية، لكن “إيمانويل ماكرون ذهب أبعد من غيره” في ذلك.

وختمت الصحيفة اليمينية أن وضع ماكرون لنفسه “في الطليعة يجعل من الانتخابات الأوروبية استفتاء على شخصه”. ومع تقديم نفسه كعدو للشعبويين وخصوصا للتجمع الوطني، أوقع ماكرون نفسه في فخ جعل تقدم حزبه أمام اليمين المتطرف، المعادلة الأبرز في الانتخابات الأوروبية.

6