الانتخابات البريطانية المبكرة بين الإرهاب والبريكست

الخميس 2017/06/08

ثمة سؤال يواجه الانتخابات العامة المبكرة في بريطانيا: ما مدى تأثير الإرهاب الذي استهدف مانشستر ولندن على سير ونتائج الانتخابات؟ الحالة القصوى في مقياس التأهب الأمني ربما تكون مؤشرا، بمعنى أن المخاطر قائمة وتستوجب زج الشرطة والاستعانة بالجيش لزيادة التواجد الأمني في الشوارع، ومظاهر ذلك في الدوريات والحواجز على ثلاثة جسور من بينها جسر ويستمنستر، وهي حالات استثنائية.

الانتقادات لرئيسة الوزراء تيريزا ماي تركزت على خفض درجة التأهب بعد أيام من اعتداء مانشستر أرينا ثم إعادته إلى درجته القصوى بعد الإرهاب الذي استهدف لندن مع اقتراب موعد الانتخابات بما يمكن وصفه قلقا أو ارتباكا في معادلة حماية المواطنين وعدم التضحية بصراعها الانتخابي الذي تعرض إلى هزة في الاستطلاعات وتباين النقاط في حصاد التنافس بين الأحزاب قبل وبعد العمليات الإرهابية.

يؤاخذ عليها موافقتها عندما كانت تتولى منصب وزيرة الدفاع، على التقشف في مجال الأمن وتسريح أعداد كبيرة من المنتسبين وغلق وبيع مراكز ومبان عائدة إلى الوزارة، وهو ما عادت إليه قبل موعد الانتخابات في زيادة ميزانية وزارة الداخلية من موقع منصبها الجديد لتتلافى الانتقادات قبل يوم التصويت. لكن تحت كل الظروف يتقدم ظرف الإرهاب ليقارب رؤية الأحزاب من بلورة موقف موحد لمجابهة الخروقات وعدم تكرارها، مع تأكيد ماي أن حكومتها أحبطت 5 عمليات إرهابية.

الأهم في يوم الانتخابات صوت الناخب الذي تحيط به صدمة مشاهد الضحايا والهلع والحزن والتساؤلات المتعلقة بحياته ومستقبله، ولمن يعطي ثقته ليوفر له الأمن وفرص العمل والعيش بمقياس الطمأنينة والاستقرار. هذا النوع من الناخبين هم الأكثرية من الأصوات التي ربما لا تتابع باستمرار أنشطة وتصريحات زعماء الأحزاب، رغم تصنيفهم كمجموعات سياسية أو عمرية أو تصنيفات أخرى عرقية أو دينية في استفتاء البريكست، أي الاستفتاء على خروج بريطانيا مـن الاتحاد الأوروبي، إلا أنهم شكلوا سقفا إحصائيا عاليا في المشاركة ولا يتوقع أن تصل إليه أو تقترب منه أعداد المشاركين في الانتخابات المبكرة، وربما لوقع الأعداد في الاستفتاء دور في تعظيم الديمقراطية والقبول بنتائج الاستفتاء مهما كانت المثالب.

الإرهاب والبريكست لن يسمحا للناخب البريطاني أن يدلي بصوته على إيقاع الانتماء التقليدي وهو انتماء طبقي في جذوره، لحزب العمال أو المحافظين وهما الحزبان الرئيسيان في الانتخابات البريطانية. الإرهاب والبريكست كان لهما الحسم حتى في الانتخابات الفرنسية، نستطيع القول إن صعود إيمانويل ماكرون وأيضا مارين لوبان وما جرى بينهما في المناظرة التي سبقت المنافسة الأخيرة، هو استفتاء ما بعد وضوح الرؤية لنتائج استفتاء البريكست وردود الفعل على الإرهاب والموقف من العمالة الوافدة والاستثمارات واللاجئين والمقيمين وتفاصيل كثيرة ترتبط بالتدمير الذي تسبب فيه الإرهاب وصعود الأحزاب والتيارات اليمينية والشعبوية. التخريب الذي طال تموضع الأحزاب في اليسار أو اليمين سمح لماكرون بحصاد الأصوات لصالحه من الطرفين؛ أي إن الإرهاب والبريكست وفرا القناعة لدى الكثيرين بعدم المبالاة بقوالب السياسة عموما.

الانتخابات البريطانية افتقد فيها الحزبان الرئيسيان في حملتهما إلى الصوت القوي الرافض لنتائج الاستفتاء، وهي محاولة لكسب أصوات الرافضين أصلا ومعها أصوات أصيبت بالندم لأنها تبينت الفروقات في مزايا الخروج من الاتحاد الأوروبي أو البقاء فيه. كان حزب العمال وزعيمه جيريمي كوربن الأقرب إلى تقمص دور مناضلي النقابات العمالية العتيدة المدافعة عن حقوق الطبقة الفقيرة الكادحة ودون تمييز بينهم، رغم علمنا أن حكومات حزب العمال هي من شاركت في أكثر الحروب ومنها حكومة توني بلير التي ساهمت في احتلال العراق؛ لكنهما، أي جيريمي كوربن وحزبه فضّلا تبني الخيار الديمقراطي كما فعل حزب المحافظين.

حزب الديمقراطيين الليبراليين اقتحم الرهان الانتخابي ليتفرد في دعوته الناخبين إلى التصويت لبرنامجه ليتمكن من إيقاف البريكست والبقاء في الاتحاد الأوروبي. التوقعات الأولية لهذا الحزب الذي يقوده تيم فارون ترجح الفوز بأكثر من 40 مقعدا في البرلمان القادم، مقابل 8 مقاعد في البرلمان الحالي.

تيريزا ماي صرحت مرارا بأنها لا تنوي إجراء أي انتخابات مبكرة لغاية انتخابات عام 2020 المقررة، لكنها أقدمت على خوضها لأكثر من سبب من ذلك انخفاض شعبية حزب العمال ومعاناته من أزمة هوية في ظل انقسامات داخل صفوفه وولاء بعض أعضائه في البرلمان أو الحزب إلى رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، كذلك قرأت ماي التوقيت الزمني كفرصة لحصد المقاعد في البرلمان لتضمن لها موقفا موحدا تجاه محادثات الخروج مع الاتحاد الأوروبي بأفضل الشروط مع حصولها على منصب رئيسة الوزراء بالانتخاب.

لكن لم تجر الرياح كما توقعت وحدثت الاعتداءات الإرهابية في فترة وجيزة دفعت بالانتخابات ومعها أصوات الناخبين بقوة إرادات مختلفة. إرادات تقتصر على مخاوف البريطانيين وحكومتهم من انهيار اقتصادهم، خاصة أنهم تلمسوا الانخفاض في عملتهم النقدية وغلاء في أسعار المستورد من السلع، أي من ظواهر أولية للتضخم التي لم تعد تنظيرا بل هي واقع يفرض شروطه على اختيارات الناخب.

أيا كانت توجهات حزب العمال أو المحافظين مع أو ضد البريكست قبل الاستفتاء، إلا أنهما الآن بقيادة كوربن وماي التزما بالديمقراطية واحترام النتائج. ورغم ما يثار حول التمسك بالخيار الديمقراطي كحل استراتيجي للانتقال إلى مرحلة حكومة تستند إلى شرعية انتخابية يمكنها أن تتفاوض وهي تستند إلى برلمان قوي يمثل إرادة الشعب، إلا أن خيار إعادة الاستفتاء يظل هاجسا عمليا يمكن للبرلمان المنتخب أن يقدِمَ عليه بوجود أعضاء من جميع الأحزاب يصرحون علنا بانتقادهم للبريكست الذي أضر بالمصالح العليا للأمة البريطانية، يعتمدون في ذلك على استشارات قانونية تتيح السماح لدورة انتخابية أخرى غير التي وافقت على الاستفتاء الأول بإجراء استفتاء آخر.

هل وضعت تيريزا ماي ذلك في حساباتها المستقبلية وهي تبادر إلى الانتخابات العامة المبكرة؟ ما دام الالتزام بالديمقراطية يوجب عدم نقض الاستفتاء أو حتى مجرد التلميح إلى إعادته دون التصريح؛ البرلمان بدورته القادمة برلمان لاستعادة بريطانيا دورها ما قبل الاستفتاء في الاتحاد الأوروبي أو التخلي عن بريطانيا التي كانت داخل الاتحاد وخارجه، إلى بريطانيا فاعلة في الاتحاد كما هي ألمانيا وفرنسا، ولعل في فوز ماكرون بالانتخابات الفرنسية ومنهجه الملتزم بوحدة الاتحاد الأوروبي وقوة الاقتصاد، دورا يقتدى في مواجهة التحديات الدولية وتوثيق التعاون الأمني والعسكري المشترك بين دول الاتحاد الأوروبي، وبين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في حالتي البريكست أو البقاء.

التضامن مع بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي لا يقتصر على المشاركة في الحرب على الإرهاب إنما في رسالة تطمين لبريطانيا مفادها أن الإرهاب يستهدف أمن الاتحاد الأوروبي وهي جميعا بما فيها بريطانيا تتقاسم الرؤية نحو هدف واحد هو الأداء الأفضل لشعوب الاتحاد الأوروبي.

تتجه الانتخابات عادة إلى توزيع مقاعد البرلمان إلى الأحزاب السياسية حسب نسب التصويت، لكن عدد المقاعد في هذه الدورة الانتخابية المبكرة لبريطانيا سيهيئ تصورا يعتمد على واقع التوجهات في مرحلة حرجة على مستوى العلاقة مع الاتحاد الأوروبي لبحث التصدي للإرهاب وترسيخ اليقين بالمثل العليا عند الشباب وعند العمال الذين خسروا الكثير من مزاياهم الاعتبارية ليس ضمن حدود بريطانيا فحسب إنما في معظم دول العالم. هل مازال هناك من يُعَرِفّ نفسه مفتخرا إنه عامل؟ ربما القلة؛ المهم لا توجد نتائج مسبقة في الانتخابات البريطانية رغم الترشيحات واستطلاعات الرأي المعروفة؛ لا شيء ثابتا على أرض غير ثابتة.

كاتب عراقي

9