الانتخابات البريطانية.. نكبة العمال

البريطانيون توصلوا إلى نتيجة مفادها أن العمال يعيقون الخروج، وبدلا من أن ينقموا على المحافظين تعاطفوا معهم وصوتوا لهم.
السبت 2019/12/14
الرسالة واضحة: الخروج يعني الخروج

كان حزب العمال يعرف منذ البداية أن ذهاب المحافظين إلى الانتخابات العامة سيعيده إلى البرلمان بأكثرية مطلقة، تسمح له بتنفيذ الخروج من الاتحاد الأوروبي كما أراد البريطانيون في استفتاء عام 2016. يعرف العمال هذا ولذلك رفضوا دعوة بوريس جونسون للانتخابات المبكرة مرات عدة.

بقي العمال يكابرون على حقيقة أن البريطانيين يريدون الخروج لمدة تزيد على ثلاث سنوات. ليس هذا فقط وإنما واظب زعيمهم جيرمي كوربين على إغلاق كل الأبواب في وجه المحافظين لإتمام الخروج، ظنا منه أنه بهذا ينقص شعبية الحزب الحاكم ويزيد من رصيد حزبه المعارض الذي لم يعد أحد يعرف ماذا يريد.

راهن العمال على تغير المزاج العام في البلاد مع مرور الوقت. لكن ما تغير هو شعبية الحزب والثقة بقادته وقدرته على ملامسته محددات تطلعات الكثير من أعضائه، والكثير من البريطانيين في العودة إلى دولة مستقلة عن العباءة الأوروبية. قد يكون هذا خطأ ولكنه اختيار اجتمع عليه الملايين في استفتاء 2016.

رسالة البريطانيين في هذه الانتخابات كانت واضحة. الخروج يعني الخروج، وما حدث عام 2016 هو اختيار ديمقراطي لشعب مستعد لتحمل تبعات قراراته، وإن كانت خاطئة. وبالتالي تجاهل الإرادة الشعبية هو نوع من الوصاية التي لا يقبل بها البريطانيون، حتى وإن كانت من الحزب الذي ينتمون إليه سياسيا.

ربما تكون أسباب مؤيدي الخروج غير منطقية، وربما اكتشفوا بعد الاستفتاء أن بريكست الذي يريدون ليس بالسهولة التي كان يتوقعونها. ولكنهم لم يتراجعوا وقرروا المضي قدما والتكاتف وراء أي قائد يذهب بهم إلى الضفة التي أعلنتها صناديق الاقتراع عام 2016، فكان هذا القائد هو بوريس جونسون.

كان يمكن أن يكون هذا القائد جيرمي كوربين. وكان يمكن أيضا أن يكون كوربين قائد البقائيين في البلاد، ويحشد ضد المحافظين كل من يفضل الاستمرار داخل الأسرة الأوروبية. ولكنه تجاهل الاحتمالين و مضى في وسطية مؤذية بين الخيارين دون قرار محدد. فما طال بلح الشام ولا عنب اليمن، كما يقول المثل الشعبي.

هي أسوأ خسارة طالت حزب العمال منذ عام 1935. وذلك الثائر الاشتراكي الذي اصطف خلفه نصف مليون بريطاني، قاد أكبر أحزاب أوروبا إلى أكبر خسارة قد تلقاها اليسار ربما في القارة العجوز. وصفها بعض قادة الحزب بخيبة الأمل الكبرى، ولكنها بعيدا عن دبلوماسية المفردات فاجعة كبرى ونكبة ستبقي اليسار البريطاني بعيدا عن السلطة لعشر سنوات مقبلة ربما.

في كل مناسبة قبل الانتخابات الأخيرة كان جيرمي كوربين يقول إن العمال مستعدون للانتخابات المبكرة. يتساءل المرء إن كان سوء تقديره هذا، نابع من ضغوط القيادات المؤيدة للبقاء في الحزب، أم هو الانفصال عن الواقع الذي يعيشه بعض الثوار اليساريين. أولئك الذين يترعرعون على جملة من الأفكار المثالية تتحول إلى خطوط مستقيمة ترسم مسارات حياتهم إلى الأبد.

على عكس كوربين، تعامل زعيم حزب المحافظين بوريس جونسون مع قاعدته الشعبية بواقعية شديدة تكاد لا تحتمل أحيانا. وقف بين هؤلاء الذين رفعوا شعار “الخروج يعني الخروج”، وراح يردد هتافاتهم ويتحدث بلسانهم. إلى أن جاء يوم الحسم واستنجد بهم، فجاؤوه ملبين النداء عجالا.

تعامل جونسون مع شعار “الخروج يعني الخروج”، بانتهازية في مرتين. المرة الأولى عندما تمرد به على زعيمة الحزب ورئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، والثانية عندما تمرد على البرلمان وعلق أعماله قبل أشهر من الانتخابات. وفي المرتين عاد منتصرا على العمال الذين ظنوا أنفسهم يجرّون حزب المحافظين إلى الهاوية.

العمال تعاملوا أيضا بانتهازية مع ملف الخروج. ظلوا يسقطون محاولات الحزب الحاكم لتنفيذ بريكست المرة تلو الأخرى، ظنا منهم أنهم بذلك يدفعون البريطانيين إلى النقمة على المحافظين العاجزين عن إتمام طلاق لندن وبروكسل. لكن ما حدث هو أن البريطانيين توصلوا إلى نتيجة مفادها أن العمال يعيقون الخروج، وبدلا من أن ينقموا على المحافظين تعاطفوا معهم وصوتوا لهم.

حتى في برنامجهم الانتخابي مارس قادة الحزب نوعا من المساومة مع البريطانيين، وبخاصة مع العمال الذين يريدون الخروج من الاتحاد الأوروبي. طرح الحزب عناوين خدمية واقتصادية كبيرة، وخيّر مؤيدو بريكست من العمال بين الرفاهية أو الشقاء. الرفاهية في برامج إنفاق عام كبير وخدمات كثيرة وتأميم يصنع منهم أرباب مال وأعمال، وبين شقاء التصويت للخروج وما سيجره ذلك على الاقتصاد البريطاني.

رفض البريطانيون المساومة واختاروا الشقاء على الرفاه. قرروا أن يثبتوا على موقفهم الذي سيساءلون عليه أمام أولادهم وأحفادهم مستقبلا. الخروج يعني الخروج هذا ما قاله البريطانيون وأصغى إليه جونسون بعناية فائقة أوصلته إلى رئاسة الحكومة بأكثرية ساحقة، أما كوربين فقد صم آذانه عنه وانتهى به الحال من بطل إلى صفر.

9