الانتخابات التشريعية في العراق: صورة جديدة لنفس الوجوه القديمة

أغلب الناخبين في جميع أنحاء العراق لا ينظرون بتفاؤل إلى الاستحقاق الانتخابي، ويؤكدون أن الكلام نفسه يتكرر في كل حملة انتخابية وأن البرلمان القادم لن يحمل تغييرا كبيرا.
الأحد 2018/04/29
خيبة أمل شعبية من طبقة سياسية تتقاسم السلطة من أجل مصالحها

بغداد - بعد نحو عشر سنوات من أول انتخابات شهدها العراق إثر سقوط النظام السابق، يبدي العراقيون من بغداد إلى أربيل مرورا بمختلف المدن العراقية، خيبة أمل اليوم من الوجوه المتكررة، معتبرين أن بديل صدام حسين كان طبقة سياسية لا يمكن إزاحتها، تتقاسم السلطة من أجل مصالحها.

وفي بلد عانى لسنوات من العنف الطائفي والحروب والحصار، سيختار أكثر من 24 مليون ناخب يتوزعون على 18 محافظة تمثل كل واحدة منها دائرة انتخابية، نحو سبعة آلاف مرشح يتنافسون على 329 مقعدا برلمانيا، بينهم نحو ألفين يخوضون السباق لنيل 71 مقعدا في بغداد وحدها.

وتناوبت على الحكم منذ سقوط نظام حسين، شخصيات باتت أسماؤها محفوظة عن ظهر قلب لدى العراقيين، وتهيمن بشكل تام، هي وأحزابها، على مفاصل السلطة.

ويقول ميدان الحمداني (40 عاما) “منذ متى ونحن نرى إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وإياد علاوي وحيدر العبادي، تارة نائبا ومرة وزيرا. نفس الطاسة ونفس الحمام”. ويضيف “هي الأحزاب نفسها والأشخاص أنفسهم سيعودون للحكم مجددا، شئنا أم أبينا” خلال الانتخابات البرلمانية المقررة في 12 مايو.

ويعزز هذا الشعور الفساد المستشري في البلاد، والذي غالبا ما يفلت مرتكبوه من العقاب بينما لا يستفيد المواطنون من الخدمات الأساسية مثل مياه الشرب والكهرباء ووسائل النقل العام، في حين أن إنتاج وأسعار النفط، الذي يعتبر المورد الرئيسي للبلاد، لم تكف عن الارتفاع.

لا جديد

لم يبق ركن في العاصمة العراقية إلا ونصبت فيه لافتات عملاقة عليها صور لمرشحين، فيما غطت أخرى أعمدة وأشجار النخيل، حتى منهم من علق صوره مكان صور قتلى القوات الحكومية والحشد الشعبي، الذين قضوا في المعارك التي انطلقت منذ العام 2014 ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

فوز وجوه جديدة يشكل تحديا كبيرا وسط المنافسة مع الأحزاب الكبيرة التي تهيمن على السلطة منذ 15 عاما

أمام تلك اللافتات في شارع السعدون الشهير بوسط بغداد، يقف حيدر الشمري (35 عاما) وتعلو ملامح الغضب وجهه قائلا “كلها للوجوه السابقة نفسها (..) همها الوحيد كسب الأموال وليس خدمة الشعب”.

وما يعزز يأس العراقيين، أن الكلام نفسه يتكرر في كل حملة انتخابية، ويسألون عن وعود لم يف بها المرشحون بعدما أصبحوا نوابا.

ويشعر بهذا السخط في بقية أنحاء البلاد، وخاصة في مدينة الموصل التي دمرت إلى حد كبير أثناء القتال من أجل استعادة السيطرة على “عاصمة الخلافة” السابقة لتنظيم الدولة الإسلامية.

وتتساءل أم يوسف (54 عاما) من الموصل “ما هو مفهوم التغيير إذن؟ فلنغير الوجوه على الأقل! لقد مللنا الكذب”.

وتقول المرشحة هالة كريم (30 عاما) الموظفة بوزارة الصحة “لقد مللنا ومضت 15 عاما ولم نر أي تغيير، من سيء إلى أسوء”. وأضافت “هذا بلد الحضارات بلاد الرافدين، ما الذي جرى فيه خلال 15 عاما هو طائفية وانحدار”.

ويشكل فوز وجوه جديدة تحديا كبيرا وسط المنافسة مع الأحزاب الكبيرة التي تهيمن على السلطة منذ 15 عاما. والأمر كان مستحيلا بالنسبة إلى حيدر البيضاني (38 عاما) الذي شارك في الانتخابات السابقة بقائمة مستقلة، لذلك قرر الانضمام إلى حزب كبير ومعروف وهو تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم.

ويقول البيضاني، في تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس، “وصلت إلى قناعة بأن المرشح لم ولن يفوز دون مجازفة إذا لم ينخرط في قائمة كبيرة”، معتبرا أن “الكتلة الكبيرة قد توصلك إلى العتبة الانتخابية وتفوز”.

ووفق أرقام مفوضية الانتخابات، فإن أكثر من 20 بالمئة من المرشحين في العراق، هم وجوه جديدة تؤكد نيتها في التغيير.

وفي وسط بغداد، ساحة معروفة فيها نصب امرأة تدعى كهرمانة مستوحاة من قصص ألف ليلة وليلى، اشتهرت بصب الزيت في 40 جرة اختبأ في كل واحدة منها لص.

وتنشر الناشطة والشاعرة العراقية آية منصور صورة عبر حسابها على تويتر لعشرات من صور المرشحين التي حجبت رؤية التمثال. وتعلق منصور بالقول “وين كهرمانة؟ خلف الأربعين حرامي!”.

كسر عظام في كردستان

لا تختلف فوضى الحملات الانتخابية في كردستان العراق عن نظيرتها في بغداد وبقية المحافظات العراقية.

ويقول هونر حمه رشيد، الصحافي في موقع نقاش العراقي، إن الدعاية الانتخابية للقوى السياسية في كردستان وصلت إلى مرحلة كسر العظام، واتخذت اللعبة شكلا يسمح باللجوء إلى كل الطرق المشروعة وغير المشروعة من أجل الفوز فقط.

ويلفت إلى أن الأطراف السياسية في الإقليم كانت تستخدم الشوارع لحملاتها الانتخابية في السابق وذلك عبر حشد مؤيديها وتنظيم مواكب السيارات وتزيينها والسير في الأماكن العامة، إلا أن هذه الظاهرة قلت في معظم المدن خلال الحملات لهذه الانتخابات، وحلت محلها الحملات الرقمية.

وتختلف الحملات الانتخابية هذه المرة في أن أكثر الدعايات تجري على مواقع التواصل الاجتماعي ما مهد الطريق لتسقيط الآخرين،  وفق هونر حمه رشيد، الذي يضيف أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق والجهات القانونية في الإقليم عاجزتان عن محاسبة القوى السياسية على الهجمات التي تشن في السوشيال ميديا.

 تتشابه مواقف الناخبين الأكراد مع بقية مكونات المجتمع العراقي في النظرة التشاؤمية حول البرلمان المقبل الذي لن يختلف عن سابقيه. والناخبون الأكراد بين مؤيد للمشاركة ومقاطع للعملية.

ويوجد بين هاتين الفئتين عدد كبير من الأصوات الرمادية أو التي لم تحسم أمرها وهي تمثل أهمية كبيرة للمرشحين والكيانات السياسية في سعيها للفوز بمقاعد البرلمان.

وينقل معاذ فرحان، الصحافي في موقع نقاش، عن محمد أحمد (32 سنة)، قوله إنه فقد الأمل في الانتخابات، إذ ولدت السنوات الأربعة المليئة بالأزمات في إقليم كردستان لديه قناعة بأن لا يلون إصبعه لأي مرشح أو قائمة كما فعل في المرات السابقة.

ويؤكد يقوله محمد أحمد، الذي يعمل سائق سيارة أجرة في السليمانية، “لم أر شيئا طيبا من السلطة ولا من المعارضة، سواء أكانوا علمانيين أم إسلاميين، يساريين أم يمينيين، لم أعد أثق بأحد منهم”.

ومحمد واحد من مئات الأشخاص الذين قرروا عدم المشاركة في انتخابات الدورة الرابعة للبرلمان العراقي، وفي المقابل هناك كثيرون قرروا مسبقا المشاركة في العملية فهم مهما حصل خلال جميع الانتخابات يصوتون للجهة التي يعتبرونها محل آمالهم.

الأصوات الرمادية

لا تستحق عناء إعادتها إلى مكانها
لا تستحق عناء إعادتها إلى مكانها

مع أن محمد ينظر إلى عملية التصويت من منطلق حياته الحالية، إلا أن العملية لها جانب قومي بالنسبة إلى آخرين.

ويقول كنعان صابر (39 سنة) وهو يبيع أجهزة ريموت كونترول في شارع مولوي في السليمانية منذ تسعينات القرن الماضي، وهو في الأصل من كركوك ويذهب إلى هناك في كل انتخابات للإدلاء بصوته، “لا أنتظر أن يمنحني أي حزب أموالا، ومع ذلك سأذهب للإدلاء بصوتي، لماذا يذهب العربي للتصويت لكيانه ولمَ لا أذهب أنا أيضا؟”.

وأضاف كنعان أن “الأعوام الأربعة الماضية من الأزمات أثرت على حياتي أيضا، ولكنني سأذهب للإدلاء بصوتي من أجل الأكراد”.

وشارك 60 بالمئة من المواطنين في آخر انتخابات لمجلس النواب العراقي، ولكن “شبكة شمس” تقدر حسب تحليلاتها أن تكون نسبة المشاركة في كردستان لهذا العام 50 بالمئة.

ونقل موقع نقاش عن هوكر جتو، منسق الشبكة قوله، إن “جميع المؤشرات ليست إيجابية بالنسبة لمشاركة المواطنين في الانتخابات” وعزا السبب في ذلك إلى ثلاث نقاط:

- لم يظهر تطور كبير من قبل القوى والأطراف المشاركة أي أنه لا توجد جهة تنقذ الناخبين من الوضع الحالي وتأتي بموديل جديد للحكم.

- وعود الانتخابات السابقة التي لم ينفذ معظمها في العراق وكردستان ولم يطرأ تغيير على الوضع المعيشي للمواطنين.

- القوى والأطراف السياسية هي أقوى من الدولة وهي تدعي أن عملية التسجيل البايومتري والإجراءات الأخرى للمفوضية لن تنفع في منع التزوير، ما يؤدي إلى فقدان الناس الأمل في الانتخابات.

ويضم إقليم كردستان 503 من المرشحين من 25 كيانا سياسيا يتنافسون للحصول على (46) مقعدا في البرلمان كما يحق لثلاثة ملايين و(144) ألفا و(730) شخصا التصويت. وهناك عدد آخر من المواطنين يدخلون ضمن التصنيف الذي يسمى بالأصوات الرمادية، فهم لم يقرروا المقاطعة ولكن لم يحسموا الجهة التي سيصوتون لها بعد.

ويرى منسق شبكة شمس أن الأصوات الرمادية هي أكثر أهمية للمرشحين والكيانات من الأصوات المضمونة “لأن نسبة الأصوات الرمادية كبيرة وتنحصر المنافسة عليها وهي التي ستحسم الكثير من المعادلات”.

ويضيف جتو “ستدخل أربعة أعمار جديدة الانتخابات وهم لا يؤمنون كثيرا بالحياة السياسية ويمكن العمل عليهم”.

4