الانتخابات الجهوية خطوة ثابتة على نهج الإصلاح المغربي الطموح

تحظى الانتخابات المحلية والجهوية المغربية، التي أجريت أمس الجمعة، بأهمية كبرى لدى المواطنين المغاربة، لا لكونها تفتح أمامهم أفقا واسعا من أجل تفعيل خيار الجهوية المتقدمة الذي من شأنه أن يمنح المزيد من الحكم الذاتي إلى الهيئات المنتخبة محليا فحسب، بل لأنها تمثل كذلك خطوة مفصلية في سياق المسار الإصلاحي الطموح الذي رسمه العاهل المغربي الملك محمد السادس وبدأ في تفعيله منذ سنوات، وفق دراسة للباحثة سارة فوير صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
السبت 2015/09/05
المغاربة ماضون في ترسيخ مسارهم الانتخابي الديمقراطي

الرباط- توجّه المغاربة، أمس الجمعة، إلى صناديق الاقتراع للتصويت في انتخابات مجالس الجماعات الترابية التي تسمى كذلك الانتخابات المحلية والجهوية. وفي الـ17 من سبتمبر الجاري، ستجتمع مجالس الجماعات الترابية الجديدة لاختيار أعضاءٍ في مجالس المقاطعات. وفي الثاني من أكتوبر المقبل، ستدلي الهيئات الناخبة، التي تمثّل الجهات والغرف المهنية، بأصواتها في مجلس المستشارين (المجلس الأعلى للبرلمان).

وتُعدّ هذه الجولات المتتالية من التصويت، الانتخابات الأولى على هذا المستوى التي تشهدها البلاد منذ عام 2011، عندما دفعت الاضطرابات السياسية التي أثارها ما يسمى بـ”الربيع العربي”، إلى قيام النظام المغربي بإطلاق سلسلة من الإصلاحات الجوهرية، والتي شملت جملة من التعديلات الدستورية وإجراء انتخابات تشريعية.

ويعتبر الاقتراح القاضي بتفويض سلطة الدولة إلى الجهات الفرعية، التي يسمّيها صنّاع القرار المغاربة بـ”الجهوية المتقدمة”، عنصرا كثيرا ما يتمّ إغفاله في هذه الإصلاحات. ومن شأن هذه الإستراتيجية أن تمنح المزيد من الحكم الذاتي إلى الهيئات المنتخبة محلياً وزيادة المساءلة العامة كما يُفترض، وذلك عبر ربط المواطنين بطريقة أفضل بالمسؤولين المحليين.

وبما أنّ الانتخابات التي أجريت أمس ستحدّد تركيبة هذه الحكومات المحلية وتمهّد الطريق أمام تمثيلها في البرلمان، فهي تشكّل لا محالة اختبارا مهما لعملية الإصلاح الجارية في المغرب.

مسار إصلاحي طموح

ترجع فكرة تقسيم المغرب إلى جهات فرعية إلى عهد الحكمين الفرنسي والأسباني بين 1912 و1956، عندما أنشأت السلطات في كلّ من المحميّتين جهات إدارية لإدارة شؤون السكان بسهولة أكبر. وفي الفترة التي أعقبت الاستعمار، برزت الفكرة مجدّداً عام 1971، عندما أنشأ العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني سبع “جهات اقتصادية” مع مجالس معينة ظلت استشارية إلى حد كبير دون تمتعها بأيّ سلطة تشريعية. وقد منحت التعديلات الدستورية في عامي 1992 و1996 الجهات والمقاطعات والجماعات الاعتراف القانوني بوصفها وحدات إدارية مميزة، كما زاد مرسوم صدر عام 1997 من عدد الجهات من 7 إلى 16 جهة. لكنّ هذه الجهات ظلّت تتمتّع باستقلال سياسي محدود فقط.

وفي يناير 2010، وبعد مرور عقد على عهد العاهل المغربي الملك محمد السادس، أعلن الأخير عن خطة لامركزية بدت ظاهرياً أنّها أكثر قوة مع إنشاء “اللجنة الاستشارية للجهوية” التي تعرف باسم “اللجنة”.

سارة فوير: هذه الانتخابات تشكل لا محالة اختبارا مهما لعملية الإصلاح الجارية في المغرب

وخلال الأشهر الـ14 التي أعقبتها، عقدت الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات المهنية والهيئات الحكومية مناقشات وندوات للبحث في اللامركزية وتلقّت “اللجنة” 150 مقتَرحا رسمياً من مختلف القطاعات. وقد أصبح بعض هذه المقترحَات جزءا من التوصيات النهائية التي تقدّمت بها “اللجنة”، والتي صدرت في أوائل عام 2011 في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تكسب زخما على خلفية الانتفاضات التي وقعت في تونس ومصر.

وعلى الرغم من أنّ الانتخابات البرلمانية والاستفتاء الدستوري الذي أعقب الاحتجاجات حوّل الأنظار عن القضية، إلّا أنّ الدستور المغربي الجديد ألزم الدولة بتنفيذ “الجهوية المتقدمة”. ودعا الباب التاسع من الدستور إلى انتخاب مجالس الجهات والجماعات مباشرة، وبيّن على نطاق واسع دور هياكل الإدارة المحلية.

كذلك، أعلن الباب التاسع عن عملية يمكن للمواطنين بموجبها تقديم عرائض إلى المجالس الترابية، ونصّ أيضا على وجوب تمثيل الحكومة المركزية من خلال حكّام الجهات والمقاطعات.

ومنذ ذلك الحين، اعتمد البرلمان سلسلة من القوانين التي ترسي الأسس للانتخابات المقبلة وتفصّل مهام المجالس الترابية، والتزام الدولة المالي تجاه المجالس المحلية، والإجراءات المطلوبة لالتماسات المواطنين، والصلاحيات التي يتمتّع بها المسؤولون المنتخبون محليا تجاه الدولة.

وعلى الرغم من أنّه من السابق لأوانه إصدار حكمٍ على الإصلاحات، إلّا أنّ هناك ما يبرر تقديم ثلاث ملاحظات أولية تتمثل في:

* أوّلا، شدّدت الإصلاحات المغربية على تعزيز الحكم المحلي للمشاريع الخاصة والاستثمارات العامة في مجالات مثل تحسين البيئة وإدارة المياه، والطاقة والبنية التحتية والتعليم والصحة والنقل. ويشير هذا التركيز على التنمية إلى أنّ الحكومة المركزية تعتبر “الجهوية المتقدمة” أساسا، أداة للنمو الاقتصادي.

وصحيحٌ أنّ أداء الاقتصاد المغربي أفضل من معظم دول المنطقة، لكنّ صنّاع السياسة يدركون أنّ البلاد تواجه معوّقات هيكلية خطيرة بوجه النمو على المدى الطويل، ومنها خصوصا الاعتماد المفرط على الزراعة وأوجه القصور التي تؤثر على سوق العمل، والتي لا تزال تخرّج طلّاب الجامعات بعدد يفوق الوظائف المتاحة.
أمّا مدى تخفيف الجهوية لهذه الضغوط، فلا يؤثّر في استقرار المغرب فحسب، بل في استقرار دول أخرى في المنطقة مثل تونس، على سبيل المثال، التي تسعى أيضا إلى تطوير المناطق المهمشة وتعمل على خلق فرص عمل جديدة.
في جميع الجهات المغربية الـ12 ومجالس الجماعات التي يصل عددها إلى 1503 مجلسا، طرح 30 حزبا 138 ألف مرشّح عن 32 ألف مقعد شاغر في المجالس المفتوحة

* ثانيا،

تؤثر جهود اللامركزية بصفة أو بأخرى على النزاع القائم بين المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية، المدعومة من الجزائر، حول الصحراء المغربية؛ فنتيجةً للإصلاحات الأخيرة، تمّ دمج الجهات الـ16 للمملكة في 12 جهة، وتقع الصحراء المغربية الآن ضمن ثلاث من هذه الجهات المعيّنة حديثاً.
وعلى الرغم من أنّ ذلك لا يتعارض مع اقتراح الدولة من عام 2007، القاضي بمنح سكان الإقليم حكما ذاتياً إضافيا في إطار السيادة المغربية، إلّا أنّ الخارطة الجديدة ستثير على الأرجح سخط جبهة البوليساريو ومؤيديها الجزائريين، الذين يعارضون مبدأ الوحدة الترابية للمملكة المغربية ويعملون على تعطيل ذلك بشتى السبل المشروعة واللامشروعة.

* ثالثا، تشير الأحكام الدستورية والقوانين المشتقّة ذات الصلة إلى أنّ المغرب قد اختار حلا وسطا بين الاستقلال السياسي الكامل للجهات الفرعية والسيطرة المركزية الكاملة، فعلى سبيل المثال، تمنح الإصلاحاتُ رؤساء المجالس الترابية مسؤولية إدارية أكبر وسلطة تقديرية بشأن الميزانية، لكنّها تشترط تنفيذ معظم المبادرات المحلية بالحصول على الموافقة النهائية من الوزارة ذات الصلة في الحكومة المركزية. ويُعتبر هذا النهج متّسقاً مع تفضيل الرباط منذ فترة طويلة للانفتاح السياسي التدريجي الخاضع للسيطرة.

خطوات ثابتة

في جميع الجهات المغربية الـ12 ومجالس الجماعات التي يصل عددها إلى 1503 مجلسا، طرح 30 حزبا 138 ألف مرشّح عن 32 ألف مقعد شاغر في المجالس المفتوحة. وقد تم حفظ ثلث مقاعد مجالس الجماعات والمجالس الجهوية للنساء المرشحات. وقد ركّزت الحملات الانتخابية للمرشحين على “الجهوية المتقدمة” والتنمية الريفية والإدارة التشاركية للشؤون المحلية، وتحسين الخدمات العامة، وحماية البيئة. وقد تخلّل بعض الحملات خطابٌ أخلاقي، يعالج مسائل كالفساد والهيمنة السياسية لعائلات معينة. غير أنّ اللافت أنّ الخطاب الديني كان غائبا إلى حد كبير عن خطاب الحملات، بما فيها حملة حزب العدالة والتنمية.

إقبال الناخبين دلالة قبول بخيار التقسيم الجهوي

وفي انتخابات مجالس الجماعات عام 2009، كان حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، الحزبين اللذين نالا أكثر الأصوات. ومن المرجّح أن يتنافس كلا الحزبين على المركزين الأول والثاني هذا العام، بينما يُتوقّع أن يحلّ حزب العدالة والتنمية في المركز الثالث. ونظرا إلى أنّ مجلس المستشارين سيضمّ الآن ممثلين عن الجهات والغرف المهنية، فإن الرهان على الانتخابات المحلية والجهوية قد أصبح وطنياً.

وإذا ما وضعنا نتائج الانتخابات بين الفوز والخسارة جانباً، يمكن القول إنّ النتيجة الأكثر أهميةً لهذه الانتخابات كانت إقبال الناخبين، الذي بيّن أن المواطن المغربي بدا قابلا بعملية التقسيم الجهوي ومسار الإصلاح بصورةٍ أعمّ. وتفيد معطيات أولية بأنّ نسبة المشاركة هذه السنة فاقت بفارق كبير نظيرتها المسجلة سنة 2009 والتي قدرت بـ 52 بالمئة.

ويرى مراقبون أنّ هذه الانتخابات ستؤدي إلى صلاحيات اقتصادية أكبر تتمتّع بها الجهات الترابية، كما أنّها ستدفع المسار الانتخابي الديمقراطي والنسق الإصلاحي الطموح الذي رسمه العاهل المغربي الملك محمد السادس، أشواطاً كافية تضمن الاستجابة للمطالب الشعبية ومن شأنها أن تُبقي المغرب بعيدا عن الفوضى التي تعمّ بلدانا أخرى في المنطقة.

وبغضّ النظر إن كانت هذه المحطة الانتخابية وما تعبّر عنه من خيار تشكّل رهانا فائزا إن عاجلا أم آجلا، الثابت أنّ المغرب وإلى حدود الآن، خطا خطوات ثابتة وحقيقية في مسار الإصلاح الذي انتهجه، وتجاوز بشكلٍ جيد العواصف التي هبّت بعد ما سمي بـ”الربيع العربي”، وأثبت جدارته سياسيا على جميع المستويات، وخاصة على مستوى انخراطه في الخطة الدولية لمكافحة الإرهاب، حيث أطلقت قواته الجوية طائراتها في سوريا لمقاتلة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وشارك المغرب في ترؤس الفريق العامل المعني بمكافحة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، التابع للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب”. كما أنه أضحى يمثل رقما مهما في المعادلات الإقليمية والدولية، بفعل مواقفه الثابتة بخصوص أمن أشقائه وجيرانه، خاصة بعد أن كان من المنضمين الأوائل لحملة “عاصفة الحزم” التي تقودها المملكة العربية السعودية لدحر التمرّد الحوثي ومن ورائه المطامع الإيرانية في اليمن.

اقرأ أيضا

المرأة المغربية رقم فعال في الانتخابات المحلية والجهوية

7