الانتخابات الرئاسية خطوة حاسمة في الاستثناء التونسي

الأربعاء 2014/11/05
تونس أثبتت للجميع بهذه الانتخابات أن عملية التغيير يمكن أن تحدث

تمثل الانتخابات الرئاسية المقبلة الخطوة الحاسمة في مسار الانتقال الديمقراطي الاستثنائي لتونس التي تواصل تقدّمها وسط محيط معقد مليء بالتقلبات. وسيختار التونسيون يوم 23 نوفمبر القادم لأول مرة رئيسا لبلادهم بشكل ديمقراطي، وسط توقّعات تفيد بأن يكون السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي الأوفر حظا بالفوز.

انطلقت يوم السبت الماضي حملة الانتخابات الرئاسية التونسية التي تنتظم دورتها الأولى يوم الـ 23 من نوفمبر الجاري، والتي تشهد مشاركة 27 مترشحا للفوز بهذا المنصب، في أول انتخابات يختار من خلالها التونسيون رئيسهم بنظام الاقتراع المباشر منذ تمت الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

على الرغم من تعدد الأسماء المطروحة والخيارات المتاحة، إلاّ أنّ عددا من المتابعين للشأن التونسي يحصرون حظوظ الفوز (بصفة تراتبية) بين اسمين، يقولون إنّهما الأكثر حظوظا للمرور إلى الدور الثاني الذي سينتظم أواخر شهر ديسمبر المقبل، إذا لم تُحسم النتيجة بأغلبية الـ 50 بالمئة زائد واحد لصالح مرشح بعينه منذ الدور الأول.

المرشح الأوفر حظا، في نظر المراقبين، هو الباجي قائد السبسي رئيس حزب نداء تونس العلماني الذي فاز بالانتخابات التشريعية الأخيرة (بالدرجة الأولى). أما الأسماء الأخرى المطروحة، وهي أسماء رؤساء أحزاب لديها تمثيل في البرلمان التونسي الجديد، على غرار سليم الرياحي، الملياردير المثير للجدل، فحزبه “الاتحاد الوطني الحر” حل بالمركز الثالث في الانتخابات التشريعية قبل الجبهة الشعبية التحالف اليساري، التي لديها مرشحها أيضا للانتخابات وهو حمة الهمامي المعارض التاريخي لبن علي.

أما الرئيس التونسي الحالي محمد المنصف المرزوقي، فهو رغم أنه مازال يتمتّع ببعض الشعبية، إلا أنها شعبيته تلك بقيت محصورة في بعض الفئات التي استفادت من وجوده في أعلى السلطة التونسية، فيما عدا ذلك لا يبدو أن حظوظه لدى الرأي العام التونسي ستكون أفضل من حظوظ حزبه، المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي فشل فشلا ذريعا في الانتخابات التشريعية (حصّل 4 مقاعد فحسب من جملة 217 مقعدا في البرلمان).

بهدف تفادي الجنوح مجددا نحو حكم تسلطي، حد الدستور التونسي الجديد من صلاحيات رئيس الجمهورية

والمنصف المرزوقي الرئيس المنتهية ولايته ورئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، سبق له أن تقلّد هذا المنصب بتزكية من نواب المجلس التأسيسي، بمقتضى “محاصصة” حزبية للسلطة تمّت بينه وبين حركة النهضة الإسلامية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، على إثر الإعلان عن نتائج انتخابات 2011 التي فازت فيها النهضة بأغلبية المقاعد.

ولقد ارتبط اسم المرزوقي في أذهان التونسيين بـ”تخاذله” في السنوات الثلاث الماضية في ممارسة سلطاته، مقابل تشبثه بتحالفه مع الحركة الإسلامية التي استعملته كغطاء (بصفته التي يروجها عن نفسه كونه حقوقيا علمانيا) لتضفي قليلا من “المصداقية” على حكمها الذي قالت إنه “تشاركي”، مما جعله في أوقات ولحظات كثيرة يظهر بمظهر “المتشبّث بكرسي الرئاسة” لا غير (رغم أنه لم يكن يتمتع بصلاحيات كبيرة) إرضاء لـ”نزعاته السلطوية الضيقة”، وهو ما أثار حنقا شديدا لدى قطاع واسع من التونسيين.


هل يفعلها النداء مرة أخرى؟


في المقابل، يبدو أنّ الباجي قائد السبسي يحظى بدعم شعبي أكبر وسند سياسي أهم، من حيث الثقل والامتداد، لتولي منصب رئاسة الجمهورية. فالرجل الذي يرى فيه التونسيون امتدادا لفكر زعيمهم الراحل الحبيب بورقيبة، الذي بنى تونس الحديثة وثبّت أركان الدولة وركّز هيبتها، نجح في مرحلة أولى وفي وقت قياسي في تعديل الكفة السياسية وسحب البساط من تحت أقدام الحركة الإسلامية التي ظنّت لوهلة أنّ الطريق أمامها مفتوح للهيمنة على السلطة والتمكّن من مفاصل الدولة التونسية. كما أنّ حزبه، الذي أسسه سنة 2012 في محاولة منه للم شتات الديمقراطيين الذي أسهم في فوز حركة النهضة في الانتخابات التأسيسية سنة 2011، تمكّن مؤخرا من تحقيق الهدف الذي جُعل لأجله وتحصل على ثقة التونسيين الذين مكنوه من المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة بـ 85 مقعدا في البرلمان المقبل.

فوز من شأنه أن يدعم حظوظ السبسي في الرئاسية، خاصّة بعد تواتر تصريحات من بعض قياديي الحركة الديمقراطية واليسار تفيد بإمكانية دعمهم لترشح السبسي على حساب مرشحيهم، عملا بمبدأ “الاقتراع المفيد” (الذي لا تضيع معه أصوات الناخبين وتتشتّت فتخدم الطرف المقابل)، لما أضحت تحظى به قدرة الرجل على كبح جماح “التغوّل الإخواني” لديهم من ثقة.


ماذا يريد التونسيون من الرئيس؟

سليم الرياحي من دنيا المال إلى تزعم ثالث قوة سياسية
شكّل رجل الأعمال التونسي سليم الرياحي (42 سنة) مفاجأة الانتخابات التشريعية في تونس، بعد أن رشّحت استطلاعات الرأي حزبه “الاتحاد الوطني الحر” ليكون ثالث القوى السياسية في البلاد، حيث جاء الحزب في المركز الثالث بعد نداء تونس، وحركة النهضة.

والرياحي رجل أعمال كبير ومستثمر، ويترأس منذ يونيو 2012 فريق ”النادي الإفريقي”، أهم نوادي كرة القدم في تونس، ويملك 20 بالمئة من مجموعة “دار الصباح”، أعرق المؤسسات الإعلامية في تونس.

أسس الرياحي حزبه في 2011، بعد ثورة يناير من العام ذاته، وهو حزب تقدمي ليبرالي.

وتُثار حول الرجل شكوك كثيرة حول مصادر ثورته مقارنة بسنه التي لا يتجاوز 42 عاما وماضيه الذي لايزال غامضا، حتى أن تقارير إعلامية كشفت علاقاته الوطيدة مع عائلة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وهو ما نفاه الرياحي في كل مرة يسأل فيها عن ثروته.


أمّا العامل الحاسم والأهم، في نظر المراقبين، والذي من شأنه أن يدعم فرص السبسي في الفوز بكرسي الرئاسة (ربما منذ الدور الأول)، فيتمثّل في وعي التونسيين بقدرته على تجميع جلّ الفرقاء حول المصلحة الوطنية، وحنكته في التعامل مع الملفات الإقليمية الشائكة التي برهن عليها زمن ترؤّسه للحكومة الانتقالية الثانية من خلال تعامله مع مستجدات الثورة الليبية وفق نهج لم يضر بمصالح تونس التي كانت تشهد اضطرابات عدّة في ذلك الوقت ولم يخالف إرادة الليبيين في التحرر في آن واحد.

هي المرة الأولى التي يخوض فيها التونسيون انتخابات لاختيار رئيسهم. فمنذ الاستقلال في 1956 وحتى الثورة، لم تعرف تونس سوى رئيسين هما الحبيب بورقيبة الذي انقلب عليه رئيس وزرائه بن علي في 7 نوفمبر 1987 ثم بقي في قصر قرطاج حتى هرب إلى السعودية في 14 يناير 2011، أما المنصف المرزوقي، فلم يختره التونسيون بل حركة النهضة، التي رأت فيه الشخص الأنسب الذي يمكنها من خلاله أن تدير البلاد بحرية.


من هم المحسوبون على نظام بن علي؟


من بين الأسماء الـ27 المترشّحة للانتخابات الرئاسية، والتي لا يتوقّع لها أن تحقق نتائج إيجابية، على غرار الانتخابات التشريعية، أسماء عرف عنها أنها محسوبة على نظام زين العابدين بن علي. وقد أثارت مشاركتها جدلا كثيرا في تونس. و من بين هذه الأسماء:

* حمودة بن سلامة:

وزير الشباب والرياضة بين 1988 و1991

* منذر الزنايدي: غادر منذر الزنايدي تونس بعد الإطاحة بنظام بن علي في 14 يناير 2011، ولم يعد إليها إلا منتصف سبتمبر الماضي. ويوم عودته، قال الزنايدي وسط مئات من الأنصار الذين قدموا لاستقباله في المطار “أنا واحد من الشعب وفي خدمته”، ليعلن بعد أيام ترشحه إلى الانتخابات الرئاسية كـ”مستقل”.


* كمال مرجان:

كان كمال مرجان أول مسؤول سابق في نظام بن علي يقدم، سنة 2011 ،اعتذارات للتونسيين على قبوله الانضمام سنة 2005 إلى حكومة بن علي كوزير للدفاع ثم كوزير للخارجية. ونفى مرجان مسؤوليته عن الممارسات الاستبدادية التي كانت سائدة في عهد الرئيس المخلوع واعتذر عن “صمته” على هذه الممارسات.


* عبدالرحيم الزواري:

أعلن عبدالرحيم الزواري، الذي أقرّ بأنه من “أزلام” نظام بن علي، أنه ترشح للانتخابات الرئاسية حتى يضع “تجربته” السياسية “الطويلة” من أجل “التقدم بالبلد إلى الأمام”. وقال الزواري في تصريح صحافي “نحن نعترف بأننا أزلام النظام الأسبق” الذي ارتكب “كثيرا من الأخطاء” مضيفا “نحن نعترف بهذه الأخطاء، ورجل الدولة هو من يعترف بالأخطاء ويُصلِح”. وكان الزواري من بين وزراء تم إيقافهم بعد الثورة بتهم فساد، قبل أن يفرج عنهم تباعا لعدم وجود أدلة تدينهم.


* مصطفى كمال النابلي:

يرفض وصفه بأنه من “أزلام” بن علي رغم عمله كوزير للتخطيط في الفترة ما بين 1990 و1995. وقال النابلي في مقابلة تلفزيونية إنه كان “وزيرا” تكنوقراط وإنه استقال سنة 1995 “عندما رأى أن النظام زاغ عن الأهداف الوطنية ومصالح تونس، وأصبحت (تحكمه) المصالح الشخصية، وأصبح الفساد يستشري”. وبعد الإطاحة بنظام بن علي، تم تعيين مصطفى كمال النابلي الذي عمل في البنك الدولي، محافظا للبنك المركزي التونسي قبل أن يقيله الرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي من هذا المنصب نهاية يونيو 2012.

هذا وينتقد كثير من التونسيين عودة مسؤولين تقلدوا مناصب في الحكومة وفي حزب “التجمع الدستوري الديمقراطي” الحاكم في عهد بن علي، إلى الساحة السياسية، في المقابل، لا يرى آخرون أن كل من تولى منصبا في العهد السابق هو بالضرورة “فاسد”، وينقل تقرير لـ”فرانس 24” عن مواطنة تونسية تدعى كريمة بن حميدة، وهي خريجة جامعية عاطلة عن العمل منذ 5 سنوات أن “الذين حكموا تونس بعد الثورة (الترويكا) أدخلوا البلاد في حائط (قادوها إلى حافة الهاوية) إذ عجزوا حتى عن تنظيف الشوارع من القمامة، وانتشر الإرهاب وحصلت اغتيالات (سياسية لإثنين من قادة المعارضة في 2013) وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق وأصبحنا نعيش وضعية (اقتصادية) أتعس كثيرا من وقت (عهد) بن علي”.

وبهدف تفادي الجنوح مجددا نحو حكم تسلطي، حدّ الدستور الذي تم تبنيه في يناير من صلاحيات الرئيس، حيث باتت السلطة التنفيذية في يد رئيس الوزراء المنبثق من الأغلبية البرلمانية التي لها صلاحيات مساءلة الرئيس.

6