الانتخابات العراقية تؤول إلى أزمة سياسية وقانونية تنذر بالفوضى

حريق الرصافة شرّع لطرح سيناريوهات كانت مستبعدة، وأطراف خاسرة تدفع باتجاه صيغة توافقية تحفظ حصصها في السلطة.
الثلاثاء 2018/06/12
العرس تحول إلى مأتم

بغداد - أزال الحريق الذي اندلع في مخازن صناديق الاقتراع التابعة لمفوضية الانتخابات في العراق، آخر التحفظات أمام اقتراح سيناريوهات كانت مستبعدة، من بينها إلغاء نتائج الانتخابات وإعادة الاقتراع، وتشكيل حكومة طوارئ والتمديد للبرلمان الحالي الذي تنتهي ولايته القانونية مطلع الشهر القادم.

وجاءت نتائج الانتخابات خلافا لجميع القراءات التي كانت تتوقع أن تسهم الانتخابات العامة في ترسيخ الاستقرار، بسبب موعدها مباشرة بعد الانتصار العسكري على تنظيم داعش.

وبدلا من أن تدعم الانتخابات هذا الاستقرار الهش، باتت تشكّل مصدر تهديد كبير له، مع تزايد الشكوك حول سلامة إجراءاتها، وتبادل الجدل بين الفائزين والخاسرين فيها بشأن مزاعم التزوير، ليبلغ الوضع أوج خطورته بتعرض المخازن التي تضمّ أصوات سكان جانب الرصافة من بغداد إلى حريق في ظروف غامضة، أتى على معظمها.

ويرى متابعون للشأن العراقي أنّ هناك قوى لا تزال مهيمنة على المشهد السياسي في البلاد بالرغم من أنها خسرت بالانتخابات أو لم تحقق النتائج التي كانت ترجوها. ومن مصلحة تلك القوى أن تدبّ الفوضى وينتقل العراق إلى فراغ لا يمكن أن يملأ عن طريق العودة إلى نتائج انتخابات صارت موضع تشكيك في نزاهتها، وهو ما يستدعي تجميد الأوضاع على ما هي عليه والبحث عن مخرج من خلال طي صفحة الانتخابات، حيث صار الحديث عن انتخابات بديلة هو الغالب في ظل تواطؤ مريب بين السلطتين التشريعية والقضائية. ويتهم نائب سابق في البرلمان العراقي، سليم الجبوري رئيس مجلس النواب الحالي ونوري المالكي رئيس الوزراء السابق بمحاولة القفز على الفوز الذي حققه ائتلاف “سائرون” المدعوم من زعيم التيار الصدري.

انتقل الاهتمام من بحث تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر إلى البحث عن صيغة تدفع عن البلاد شبح الحرب الأهلية

ويرى ذات المتحدّث أنّ المحاولة نجحت إلى حدّ الآن، بحيث انتقل اهتمام الكتل السياسية من البحث عن تحالفات من أجل تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، إلى البحث عن صيغة توافقية، تدفع عن البلاد شبح الحرب الأهلية وتضمن للجميع الاحتفاظ بحصصهم في مجلس النواب والحكومة، بالمعنى الذي يصنع من نظام المحاصصة ضمانة للسلام الأهلي.

ويضيف أن هذه الصيغة سترضي رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي لأنها ستجعله يحتفظ بمنصبه، غير أنها لن تكون موضع رضا بالنسبة لمقتدى الصدر الذي خطط أن يكون فوز ائتلافه مناسبة للانقضاض على نظام المحاصصة.

وأربك الحريق الذي اندلع في مخازن المفوضية، الأحد، قرار إعادة العد اليدوي الذي أقر البرلمان إلزاميته بتعديل أدخله على القانون الانتخابي.

وكانت عمليات بغداد، وهي الجهة الأمنية الأعلى في العاصمة العراقية، قالت إن مسؤولية حماية الصناديق داخل قاعات الخزن هي من اختصاص مفوضية الانتخابات.

وألمح مكتب العبادي إلى إمكانية تورط مفوضية الانتخابات نفسها في افتعال الحريق، لكن المفوضية حاولت التقليل من قيمة الأضرار الناتجة عنه، وقالت إنه لم يصل إلى صناديق وأوراق الاقتراع، وأقرّت في المقابل بأن النيران التهمت “جميع أجهزة تسريع النتائج وأجهزة التحقق الإلكترونية الخاصة بمكتب انتخابات بغداد الرصافة”.

Thumbnail

وبغياب هذه العدة، تصبح عملية العد والفرز اليدوي لأصوات سكان الرصافة، بلا قيمة، إذ لا يمكن مطابقة الأصوات الصحيحة مع النتائج السابقة التي أعلنتها المفوضية. ويقول ساسة عراقيون إن “الحريق لو كان يستهدف تعطيل عملية العد اليدوي، فقد حقق نجاحا كبيرا”.

وإثر الحريق تصاعدت وتيرة تبادل التهم بين الفائزين والخاسرين بشأن المسؤولية عن الحادث. ووسط هذا الجدل، سلك النقاش السياسي مسلكين، الأول يدور حول فكرة تشكيل حكومة إنقاذ وطني تعمل بشكل مؤقت، وتكون مهمتها الأساسية ضبط إيقاع العمل التنفيذي في البلاد والإعداد لانتخابات مبكرة، فيما يدور المسار الثاني حول تمديد ولاية البرلمان الحالي التي تنتهي مطلع الشهر القادم لضمان عدم الوقوع في فراغ تشريعي من جهة، والإسهام في عملية الاتفاق على موعد جديد للانتخابات من جهة ثانية.

وبالرغم من صعوبة تنفيذ المسار الأول، وعدم دستورية المسار الثاني، إلا أنهما يطرحان حاليا داخل كواليس السياسة العراقية من قبل أطراف مؤثرة.

ويصطدم مسار حكومة الإنقاذ بحاجز صعوبة الاتفاق على رئيسها وصلاحياتها في ظل حالة الشك التي تطبع تعاملات القوى السياسية العراقية مع بعضها البعض وخشيتها من أن يستخدم الطرف السياسي الذي يرشح رئيس الحكومة المؤقتة الفراغ القانوني لتصفية خصومه السياسيين.

ولا تقل المصاعب التي تواجه المسار الثاني تعقيدا، بل تزداد مع وجود نص دستوري صريح يحدد مدة عمل البرلمان وغياب أي إشارة أو ثغرة يمكن استخدامها لتمديد عمر السلطة التشريعية.

Thumbnail

ومع ذلك، قد تجد القوى السياسية العراقية نفسها مضطرة لخرق الدستور، والتمديد للبرلمان، في حال تأكدت من حاجة القضاء لوقت طويل من أجل حسم نتائج الانتخابات.

وعلمت “العرب” أن عددا من النواب يعكفون على إعداد تشريع خاص يسمح بتمديد ولاية مجلس النواب الحالي مؤقتا، لكن قانونيين يعتقدون بصعوبة إنجازه أو تمريره بسبب العقبة الدستورية. وفي حال فشلت هذه المساعي، هناك من يطرح فكرة “نقل الولاية التشريعية إلى السلطة القضائية”.

ويقول مراقبون إن الحكومة العراقية تكاد تفقد زمام السيطرة على التطورات، فيما تتزايد المطالبات السياسية للعبادي بضرورة طمأنة العراقيين الذين يخشون أن يتطور الصراع السياسي بين الفائزين والخاسرين في الانتخابات إلى اقتتال داخلي.

3