الانتخابات العراقية لعبة ثانوية لإعادة إنتاج التوازنات

الأحد 2014/05/04
المواطن العراقي سيجد نفسه مرة أخرى أمام برلمان وحكومة سمتها الطائفية ويرعيان مصالح الأطراف الخارجية

بغداد - النظام في العراق لا يعدو عن كونه مجرد إطار ينظم العلاقات بين القوة السياسية الطائفية التي دخلت البلاد مع الاحتلال الأميركي عام 2003. وتأتي الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في أجواء سياسية واجتماعية عاصفة، لتعيد ترتيب الوجوه.

أفرزت الانتخابات العراقية نتائج تمثلت بفوز القوى التقليدية المهيمنة على المشهد العراقي منذ ما سمي بتسليم السلطة للعراقيين من قبل الحاكم المدني الأميركي في حزيران 2004. الأمر ليس مفاجئا؛ رغم أنه كان كذلك بالنسبة إلى بعض الشرائح والنخب المدنية؛ التي حلمت بتغيير مشتهى ومنطقي بعد فشل القوى والأحزاب الطائفية الحاكمة منذ عشر سنوات؛ في كافة الملفات المتعلقة بالخدمات والأمن والاقتصاد؛ والعلاقات مع دول الجوار.

ما حصل بدا مخالفا لحركة التاريخ كما ترسمها الديمقراطية التعددية؛ حيث يسقط الفاشلون في الانتخابات؛ ويستبدلون بآخرين يمتلكون برامج وأفكار ومنهجيات مختلفة. هذا ما تخبرنا إياه الديمقراطيات التعددية؛ ولاسيما بعد تبلور تيارات وتحالفات سياسية جديدة في العراق؛ ذات طابع مدني ديمقراطي ببرامج تغيير توسم بها العراقيون خيرا. وخصوصاً في ضوء التذمر الشعبي الواسع جدا على أداء الحكومات المتعاقبة والقوى التي شكلتها والذي وصل إلى حد الثورة في مناطق واسعة من البلاد.

حقيقة النظام السياسي القائم في العراق لا يعدو عن كونه مجرد إطار ينظم العلاقات بين القوة السياسية الطائفية؛ التي دخلت العراق مع الاحتلال الأميركي عام 2003؛ والتي أوكلت إليها مهمة بناء النظام السياسي على أنقاض النظام القديم، بشكل يضمن التوازن للمصالح الدولية والإقليمية، التي كان لها الدور الرئيس في هدم الدولة واحتلال العراق؛ فكانت النتيجة ما عنوانه اليوم “العملية السياسية”.

ربما يعكس هذا العنوان الجوهر الحقيقي للنظام السياسي العراقي؛ فهو بالفعل مجرد عملية سياسية أبطالها أحزاب وفرق هيمنت على المجتمع والثروة. وتقوم أميركا وإيران اللاعبان الأبرز في المشهد العراقي بلعب دور ضابط الإيقاع. هكذا، فما من نظام سياسي يدير جهاز الدولة المستقلة التي تمثل بدورها عقدا اجتماعيا ينظم العلاقات في المجتمع وفق مصلحة السكان، ويمارس تداول السلطة بشكل طبيعي كما في الديمقراطيات المعروفة. بل إن وجود دولة ربما يعرقل بشكل أو بآخر عملية السيطرة على البلاد؛ لذلك كان قرار هدمها واستبدالها بسلطة طائفية هزيلة وضعيفة أمراً ضرورياً بالنسبة للاحتلال الأميركي وحلفائه الإقليميين.

المواطن العراقي سيجد نفسه مرة أخرى أمام برلمان وحكومة طائفية هزيلة وضعيفة، ترعى مصالح الأطراف الدولية والإقليمية وتبقيه حبيساً لاستعصاء تغييري مزمن بين أركان العملية السياسية الراهنة

ولإكمال عملية السيطرة كان لا بد من تمزيق المجتمع لكيانات طائفية وعرقية؛ فأوجد الدستور الذي ينظم هذه العملية السياسية، وليكون السند القانوني الناظم لها؛ ومن جنسها.

فمنذ انتخابات عام 2006 ظهر جليا بأن ما يُمارَس ضمن أطر العملية السياسية وهياكلها؛ ما هو إلا تنفيذ لتوافق مبدئي يقضي بالإبقاء على التشكيلة السياسية ذاتها؛ وأن أي تغيير أو تبديل في بعض الوجوه ما هو إلا نتيجة لمحاولات الشد والجذب الأميركي الإيراني لتحقيق مكاسب أكبر لكل طرف على حساب الآخر.

فكان تشكيل التحالف الشيعي الذي ضم حزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري وتكليف إبراهيم الجعفري بتشكيل حكومة أغلبية شيعية عام 2006 بمثابة تقدم لإيران؛ سرعان ما واجهته أميركا والقوى التابعة لها؛ ليصبح استبدال إبراهيم الجعفري الموالي لإيران بشخصية أخرى توافقية بين الطرفين ضرورة من ضرورات الاستقرار للعملية السياسية وضمان لمصالح جميع الأطراف. أما نوري المالكي فقد كان ثمرة هذا التوافق، حيث كلف بتشكيل الوزارة بعد أشهر من حكم الجعفري؛ وتضمن الاتفاق أيضاً إرضاءً لباقي الكتل والكيانات السياسية بمناصب مختلفة كإعطاء رئاسة الجمهورية للتحالف الكردستاني والبرلمان لشخصية سنيّة؛ هكذا تكون قد ثبتت ملامح الخارطة السياسية التوافقية في البلاد.

ولعل ما حدث بعد انتخابات 2010 يعد بمثابة الحلقة الثانية من حلقات محاولات اقتناص المكاسب بين الطرفين الأميركي والإيراني؛ حيث فاز ائتلاف العراقية ذو الغالبية السنية الذي يقوده إياد علاوي الحليف الأقوى لأميركا بأكبر عدد من مقاعد البرلمان، بما يخوله تشكيل حكومة والظفر بمنصب رئاسة الوزراء. وأحدث فوز علاوي خللاً كبيراً في التوازنات السياسية المتوافق عليها وأدخل البلاد في أزمة سياسية بدت مستعصية هددت بتفجير صراع دموي بين المكونات السياسية.

الجوهر الحقيقي للنظام السياسي العراقي، هو بالفعل مجرد عملية سياسية أبطالها أحزاب وفرق هيمنت على المجتمع والثروة، وتقوم أميركا وإيران اللاعبان الأبرز في المشهد العراقي بلعب دور ضابط الإيقاع

لكن انعقاد مؤتمر أربيل أخيراً أعاد التوافق الأميركي الإيراني من جديد إلى الواجهة، وتم تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة لولاية ثانية سميت حكومة شراكة وطنية، وظفرت فيها قائمة علاوي برئاسة البرلمان وعدد من الحقائب الوزارية، وحافظ فيه التحالف الكردستاني على منصب رئاسة الجمهورية.

وتأتي الانتخابات الأخيرة التي جرت في 30 نيسان الفائت، بعد أجواء سياسية واجتماعية عاصفة في البلاد، ربما تعيد ترتيب الوجوه من جديد. إذ تبدو إيران كما لو أنها تتلمس غدرا أميركيا بالتوافق المعمول به معها. لعل هذا ما يفسر إصرار نوري المالكي على الولاية الثالثة؛ وتشديده على أنه صمام الأمان للعملية السياسية وتلويحه بورقة انهيارها عبر حديثه عن الإرهاب واجتياحه لبغداد تارة، وتارة أخرى عبر حديثه عن حكومة أغلبية سياسية تطيح بالشراكة الوطنية لصالح تحالف شيعي مزمع ترتيبه في البيت الإيراني ربما.

ما أظهرته النتائج الأولية للانتخابات، وتقدم قائمة ائتلاف دولة القانون الذي يقوده المالكي بفارق طفيف عن منافساتها، ربما سيعيدنا إلى أربيل مجدداً، أو إلى أي منتجع سياحي آخر يتم فيه التوافق على الأشخاص الذين سيديرون العملية السياسية. أشخاص من نفس الكيانات والأحزاب الموجودة بكل تأكيد.

تبدو فرص المالكي بالحفاظ على المنصب ضعيفة.

إذ لم يعد شخصية توافقية على ما يبدو، خاصة في ظل الاستياء الشعبي وحالة الاحتجاج الحاصلة في مناطق واسعة ضد سياساته. وهو ما سيولد ضرورة إيجاد شخصية توافقية أخرى من حزب الدعوة، أو ربما من تيار شيعي آخر؛ يوهم الشارع بتغيير ما.

المواطن العراقي سيجد نفسه مرة أخرى أمام برلمان وحكومة طائفية هزيلة وضعيفة؛ ترعى مصالح الأطراف الدولية والإقليمية وتبقيه حبيسا لاستعصاء تغييري مزمن بين أركان العملية السياسية الراهنة؛ ولكن ربما يجد ضالته خارج جدرانها؛ ويبقى العراق مفتوحا على جميع الاحتمالات.

5