الانتخابات الفلسطينية تبتعد رغم اقتراب موعدها

شرط الاستقالة والموافقة عليها تدبير لا يليق إلا بمحمود عباس، فإن جرت الانتخابات على هواه سيكون راضيا وإن تسبب في انفجار سيكون راضيا، لأن الانتخابات النزيهة ليست إلا كابوسا بالنسبة إليه
الخميس 2021/03/04
محاولة رعناء من السلطة لإعادة استنساخ نفسها

خلال هذا الشهر يتّضح ما إذا كانت الأوضاع في السلطة الفلسطينية تتجه فعلا إلى عملية انتخابية أم أن المحبطات التي تتوالى، والاحتقانات الداخلية في كل من فتح وحماس، ستذهب بالطرفين إلى التوافق على التأجيل أو على الهروب من الاستحقاق الانتخابي تحت عنوان التريّث الذي يتطلب التأجيل! وفي حال عدم الوفاء بالمواعيد، سيكون الطرفان، فتح وحماس، أمام مشكلة إقليمية ودولية وسيكون التحايل أو التنصّل أمرا صعبا يفتح إشكالات جديدة في الداخل الفلسطيني وخارجه.

على صعيد تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، لا تزال تتوالى دفعات الشباب العائدين إلى غزة من بين الآلاف من الكوادر المتواجدة في الخارج، لاسيما في مصر. وكان التيار مساء الثلاثاء في وداع ما يزيد عن مئة من الشباب والشابات، العائدين للمشاركة في ممارسة حقوقهم الدستورية، في حال أجريت الانتخابات. وتحددت مهمّة هؤلاء وهي حث المجتمع على ممارسة هذه الحقوق، دون الوقوع في حبائل الخديعة. وسيكون التيار، في حال جرت الانتخابات، الطرف الوحيد المستريح الذي يشارك في الانتخابات دون أي مشكلات في صفوفه، بينما فتح التي يقودها رئيس السلطة محمود عباس، لا تزال تواجه احتمالات انشقاق وظهور قوائم متعددة، ولم يكن هناك أي تأثير للتهديدات التي أطلقت وتوعدت “من يخرجون على قائمة الحركة” بالفصل والقتل وعظائم الأمور. أما الراضخون لسياسات وخيارات عباس فقد أصبحوا يتحدثون بكلام غير ذي معنى، حتى عندما يشاركون في ما يسمّى “حوارات استراتيجية”، ويتداولون تعبيرات جوفاء، مثل “لملمة الحالة الفتحاوية” و”لملمة الحالة الفلسطينية”. ففي مثل هذا الغثاء، لا يقترب أحد من جوهر الموضوع ولا من إشكالية البعثرة نقيض اللملمة، وأسباب الأولى وموجبات الثانية.

أخطأت لجنة الانتخابات العامة بإقرار هذا الشرط متذرعة بأنه صدر بمرسوم بقرار من عباس، وهو قرار بمرسوم غير دستوري بالقياس مع التوجهات العامة للدساتير

ولعل ما يميّز أحاديث مرحلة الإعلان عن الانتخابات المفترضة، أن نوع الكلام الذي يسم، أصبح نوعا من الهذيان. فعندما يتحدث جبريل الرجوب عن ذلك الذي يسمّيه “تحديات في حاجة إلى مواجهة” تراه يتفوّه بعبارات غير ذات معنى، كالقول إن المواجهة “يجب أن ترتكز على وحدة الحالة الفلسطينية” أو إن “خيار التوافق مع حماس جاء خيارا استراتيجيا باتجاه الحالة الفلسطينية”. ثم يردف قائلا “بدأنا حوارا ثنائيا، ارتكز على عدة أسس، الأول أن يستمر الحوار وألا يكون بديلا للحالة الوطنية الفلسطينية”.

وفي الحقيقة تتوافر العديد من المؤشرات على أن الانتخابات الفلسطينية العامة، لا تزال تواجه الكثير من أسباب الإعاقة المتمثلة في شروط الترشح ومحاولات قيادة السلطة، التحكم في عملية تشكيل القوائم وممارسة الإقصاء، بينما أحد الشروط الحصرية لأن تكون الانتخابات حرة يكمن في ضمان حرية كل راغب في الترشح في ممارسة حقه الدستوري. فالإدارة ليست مخولة بمنع منتسبيها من ممارسة هذا الحق في الفضاء العام، ولا يجوز للأحزاب منع منتسبيها من خوض المنافسات الانتخابية من خارج قوائمها، وأقرب الأمثلة موجودة لدى إسرائيل التي تحرص على تأمين الحقوق السياسية لمنتسبي الأحزاب، بمنحهم الحرية في ممارسة حقوقهم السياسية، حتى في حال اختيارهم الخروج من أحزابهم وتشكيل قوائم جديدة، دون أن يدفعوا الثمن من رواتب عملهم ووظائفهم.

عندما أعلنت الإدارة الفلسطينية الفاشلة، وهي جهة غير تشريعية، عن شرط الترشح المفروض على كل من يتلقى راتبا من المالية، وهو الاستقالة والموافقة عليها، تكون قد أزاحت قطاعا واسعا من الكادر، وضيّقت هامش الانتخابات، وأحكمت قبضتها على العملية الانتخابية، في محاولة رعناء لإعادة استنساخ نفسها. وفي المحصّلة، يصبح فاقدو الوزن في الشارع، هم المتحكمون في المسار الانتخابي. فمن لا تُقبل استقالته، سيكون لاحقا في حكم المفصول من الخدمة. وعملية الإقصاء، على مرّ السنوات العشر الماضية، اخترعت العديد من أساليب التحايل. فمن يراد قطع راتبه التقاعدي، كان يُعاد إلى الخدمة لمدة يوم أو يومين، ثم يجري فصله، ليصبح من المعوزين الفاقدين لمقومات حياتهم وحياة أسرهم، وهذا هو الوضع الذي يؤمل من أي انتخابات إنهاءه وطي مرحلته العفنة شديدة الفظاظة. فالإدارة الفاشلة والمذمومة تتصرّف وكأنها صاحبة نصر وصاحبة مآثر. وكلما ضاقت المسافة بين الحقوق الدستورية والإدارة أو بين السياسي والإداري، يحل الاستبداد وتسهل الإطاحة بالأسس القانونية الضامنة للحريات السياسية.

في شرط الاستقالة مع الموافقة عليها، تقتنص الإدارة الفاشلة حقا ليس لها، وهو انتقاء الموظفين الذين تريدهم، ومنع الموظفين الذين يريدون ممارسة حقوقهم الدستورية من ممارسة حقهم. والذرائع في هذا السياق حزبية وتشبه أحزابها، أولها الحرص على قوة الحزب وتماسكه رغم ترهّله، وهذا ما لا تفعله إسرائيل، لأنها تترك الأحزاب تترهّل براحتها، لكنها حريصة على قوة النظام السياسي وقوة الدولة وعلى إنفاذ القانون الضامن لاستمرارها في الاحتلال والعدوان، وفي سياقات النظام الاجتماعي والحمائي في داخلها، وفي التفوق الصناعي والتوسّع في المنطقة.

تتوافر العديد من المؤشرات على أن الانتخابات الفلسطينية العامة، لا تزال تواجه الكثير من أسباب الإعاقة

شرط الاستقالة والموافقة عليها تدبير لا يليق إلا بمحمود عباس وتجربته، فإن أخذ مفاعيله وجرت الانتخابات على هواه سيكون راضيا، وإن تسبب في انفجار قبل إجراء الانتخابات سيكون راضيا، لأن الانتخابات النزيهة والحرة ليست إلا كابوسا بالنسبة إليه. وأغلب الظن أن حماس لن تطبّق هذا الشرط على منتسبيها، وبالتالي فإن هذا الشرط سيكون حصرا، سيفا مسلّطا على رقاب الوطنيين من حركة فتح، لاسيما الذين يتطلعون إلى التغيير.

أخطأت لجنة الانتخابات العامة بإقرار هذا الشرط متذرعة بأنه صدر بمرسوم بقرار من عباس، وهو قرار بمرسوم غير دستوري بالقياس مع التوجهات العامة للدساتير. فرئيس السلطة يريد أن يلعب الانتخابات بقوانينه ومراسيمه، وهنا تكمن المشكلة التي من شأنها أن تجعل الانتخابات التي يقترب موعدها، تبتعد.

نقول هذا الكلام دفاعا عن حقوق الكادر علما وأن أقل الأطياف تضرّرا من هذا الشرط، هو تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، وفيه الموظفون الذي قُطعت رواتبهم من خارج كل القوانين.

8