الانتخابات الفلسطينية في مقارباتها الراهنة

كلا الطرفين يتأبط الموقف المضني الذي يرهقه ولا يحيد عن التمسك بالسلطة. فمن حول كل منهما، مجتمع غاضب ومأزوم ويعاني الأمرين، والقضية الوطنية تتراجع، والاحتلال يتغول، ولا يفكر الممسكون بمقاليد الأمور إلا في مصيرهم ومصير الحلقة الضيقة التي تحكم
الخميس 2019/10/31
التمسك بالسلطة

بدأت على المستوى ما قبل الإجرائي، الرحلة الطويلة في اتجاه ذهاب الفلسطينيين إلى انتخابات عامة تشريعية ورئاسية. وتابع المواطنون التطورات المتعلقة بهذا الأمر، دون أن يطرحوا عن كاهلهم أسئلتهم الثقيلة، وأهمها كيف يمكن أن تُجرى انتخابات، في ظل خصومة كان من بين تداعياتها السلبية الكثيرة، تعليق الوثيقة الدستورية وتنحية مؤسساتها عن المشهد الفلسطيني، وتصاعد نبرة التهاجي والتراشق بالاتهامات؟

في هذا الخضم ظل يضغط على محمود عباس وعده بأن يحدد “فوراً” موعد هذه الانتخابات، لاسيما وأن الوعد كان من فوق منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكنه بعد أكثر من شهر على ذلك “الفور” الذي وعد به، كلف حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات المركزية، ببدء التحضير لعملية انتخابية، وكان التوجيه ببدء التحضير، يؤشر على خطأ قوله إنه سيحدد الموعد فور عودته من نيويورك، بينما هو يعرف أن الطريق إلى انتخابات عامة طويل، ويبدأ برحلة تكليف لجنة الانتخابات بالتحضير الذي تعترضه الكثير من العقبات!

كان على د. حنا ناصر أن يبدأ بمحاولة حل العقدة التي تمثلها حماس وهي تشترط أن تتزامن الانتخابات الرئاسية مع التشريعية. وبمجرد التقاء رئيس لجنة الانتخابات الفلسطينية، بقيادة حماس في غزة، أزيلت هذه العقبة، ربما استهداء بالمثال التونسي، فأحس حنا ناصر أنه حقق إنجازاً فأهدى إسماعيل هنية، زجاجة زيت من قطاف هذه السنة في الضفة، وكان الإهداء يشبه ترميز الوحدة الفلسطينية بين الضفة وغزة، وامتزاج زيت وزيتون الفلسطينيين. لكن اللافت قوله إنه فتح باباً، وعليه أن يفتح ثانيا وثالثا ورابعا. وقد تفهم الإعلاميون مرمى كلامه لمعرفتهم أن الأبواب المغلقة كثيرة!

قبل أن يطلب عباس من لجنة الانتخابات أن تتحرك توافقت الفصائل على ورقة للمصالحة، فقابلها عباس ومعاونوه بالرفض السريع، وارتجلوا سببهم الذي بدا من نوع الثرثرات التي سادت خلال أكثر من عشر سنوات. فقد قيل إن الورقة الفصائلية تسحب البساط من تحت أقدام الإخوة المصريين الممسكين بملف المصالحة. وكأن القائلين فرشوا بساطاً للأقدام المصرية أو لأية أقدام تسعى إلى المصالحة، لكي ينتهي في دقائق عزف السلام الوطني. بعدئذٍ استفاض الفلسطينيون في الحديث عن لاجديّة التوجه إلى انتخابات عامة، بحكم أن الخصومة تزداد احتداماً، وبات المعنيون بالمصالحة يخشون الاندفاع إلى استحقاق انتخابي لم تتوفر شروطه، بل توفرت شروط فشله.

ولوحظ أن حماس تصرفت من منطلق تقديرات تراها ويراها الآخرون صحيحة، وهي أن عباس لا يريد انتخابات، لكنه معني بالتظاهر بأنه يريدها، لهذا كان من الصواب، بالنسبة إليها، أن تتظاهر هي الأخرى بالاستجابة ليكون موقفها أشبه “بملاحقة العيّار إلى باب الدار” خاصة وهي تعرف طبائع العيّار الشبيهة بطبائعها وأهم هذه الطبائع التسويف والاطمئنان إلى القدرة على التملص ووضع العصا في الدواليب. فالطرفان لا يقبلان التخلي عن سلطاتهما، ولا التمكين للإرادة الشعبية في انتخابات حرة ونزيهة.

العجيب أن كلا الطرفين يتأبط الموقف المضني الذي يرهقه ولا يحيد عن التمسك بالسلطة. فمن حول كل منهما، مجتمع مأزوم ويعاني الأمرين، والقضية الوطنية تتراجع، والاحتلال يتغول، ولا يفكر الممسكون بمقاليد الأمور إلا في مصيرهم ومصير الحلقة الضيقة التي تحكم، حتى ولو كان ثمن ذلك أن يترافق الأذى السياسي الذي أصيبت به القضية مع الأذى الاجتماعي الذي يُشقي شعب القضية. ولفرط يأس الناس وتعلقهم بأي بصيص أمل، وجدوا أنفسهم منساقين مع حديث الانتخابات، ووجدت شريحة منهم نفسها مضطرة إلى مسايرة الكلام، وإشغال نفسها بالتوقعات وبمقاربات الترشيح وتوقعات النتائج، وأراح ذلك القوى التي أرهقت المجتمع، فرفعت لافتات كبيرة تقول “جاهزون” و“مستعدون” فنجحت في تعويم القصة!

غير أن الحقيقة التي لا مراء فيها، تقول إن لا جهة دستورية، شوهدت في السياق، ولا حتى جهة من منظمة التحرير الفلسطينية التي لجأ عباس إلى إحيائها بالتنفس الاصطناعي، دون أن تستعيد قدرتها على الحياة. وفي خلفية هذه الحقيقة، أدرك الناس أن المراد من الأمر كله، أن ينجح كل طرف في تحسين موقفه الأدبي، ورمي مسؤولية الانسداد على الطرف الآخر. وبات الفلسطينيون يعلمون أن عباس وحماس، ينامان على وسادة القلق مما سيؤول إليه مصيرهما. الأول، يعرف أن المرحلة بعد غيابه ستفتح الصندوق الأسود، وستظهر حقائق التجربة ومن ضمنها الإثراء غير المشروع، لذا يحاول توسيع دائرة الفساد لكي يعم، فلا يكون هناك أحد بلا خطيئة لكي يرجمه بحجر. ومن موجبات ذلك، هو مضطر إلى الحفاظ على الشريحة الحاكمة، وتأهيلها لكي تكون قادرة على الإمساك بمقاليد الأمور بعد غيابه، وأن تجري المقايضة مع الشريحة الأخرى على الطرف الثاني من الخصومة. فالطرفان لن يتيحا للإرادة الشعبية، أن تقرر استبدال النخبة المضروبة، ولا بأس عندئذٍ من تأذي القضية والمجتمع والوئام الوطني.

حنا ناصر تحدث بصراحة موجعة، عن أبواب متتالية يتعين عليه فتحها. هو مضطر إلى التفاؤل، لأن التفاؤل من الضرورات المهنية التي لا تفارق كل ذي عمل. فالمشتغلون على ملف المصالحة لا زالوا متفائلين، وكلما أحس الناس باليأس، يتعمد المتفائلون تسريب بعض الأنباء عن تطورات إيجابية سرعان ما يثبت بطلانها. غير أن المشكلة تكمن في نوايا وطبائع طرفي الخصومة. فحتى لو جرت انتخابات ناجحة وأظهرت نتائج محددة، فإن الفلسطينيين سيدخلون في مأزق آخر، طالما أن شريحتي السلطة، في كل من الضفة وغزة، لا تريدان المغادرة.

سيكون الفلسطينيون أمام أسئلة العلاقات الوطنية في الضفة، والحقوق السياسية لأطيافها، وأسئلة العامل الأمني والسلاح وازدواجية الشرعيات، واصطدام موجبات الشرعية الدستورية بموجبات شرعية المقاومة أو الشرعية الثورية كما تسمى في المرجعيات القانونية، وهما شرعيتان إحداهما دستورية ذات طابع قانوني، والثانية تاريخية موصولة بزمن حركات التحرر. لذلك ورغم أن إسرائيل استطاعت بالعدوان تلو العدوان، إخماد العمل المسلح، على الأقل بصيغته التي اعتمدتها حماس في غزة على شاكلة الحرب بين جيوش كلاسيكية، فإن حماس لا تزال تتحدث عن برنامج مقاومة، وعباس يتحدث عن شرعية لا يأتيها الباطل من يمين أو شمال!

9