الانتخابات الفلسطينية.. كوابيس متناسلة

فريق الرئيس محمود عباس لا يعرف حتى الآن مع من سيتحالف على الرغم من أن الانتخابات الداخلية في حماس أظهرت ميلا إلى تشدد يُضعف احتمالات الموافقة على تشكيل قائمة موحدة.
الخميس 2021/03/11
إعادة استنساخ الانقسام ذاته

بينما القاهرة تُلح على رئاسة السلطة الفلسطينية بأن تعود إليها مع وفود الفصائل للنظر في المسائل الإجرائية المتعلقة بالانتخابات العامة المقررة يوم 22 مايو المقبل، جاءت مفردات الاستجابة من الجانب الرسمي الفلسطيني ذات منحى يعكس وضعية الحيرة العميقة، بالقول إن مباحثات القاهرة، التي يؤمل أن تلتئم يوم 17 من هذا الشهر، ستركز على إمكانية تشكيل قائمة موحدة لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، إن تعذر عمل قائمة مشتركة مع حركة حماس. معنى ذلك أن فريق الرئيس محمود عباس مازال يراوح في المربع الأول، ولا يعرف حتى الآن مع من سيتحالف.

ذلك على الرغم من أن الانتخابات الداخلية في حماس، التي تأرجحت نتائجها حتى مساء الثلاثاء بين فوز نزار عوض الله بمركز قائد الحركة في غزة، والقائد حتى الساعة يحيى السنوار، أظهرت في خطها العام ميلا إلى التشدد الذي سيُضعف احتمالات موافقة حماس على تشكيل قائمة موحدة مع عباس. وبناء على ذلك، تحول رئيس السلطة إلى خيار التحالف مع الفصائل، لكنه في الوقت الذي يريد فيه لحركة فتح أن تسانده بكل توجهاتها وكادرها، لا يزال يعمل على الاتكاء على غير هذه الحركة، لكي يعزز فرص بقاء حلقته الضيقة وبقاء دورها.

وعبثا حاول الكثيرون إقناع الرجل بأن تعدد القوائم من الطيف الوطني لن يُضعف فتح، بل العكس هو الصحيح، لأن القوائم الأخرى، ذات المنحى الوطني، ستلائمه أكثر من ملاءمة حماس له، لاسيما وأن الشراكة مع حماس ستقيده وستخلق أسبابا للتصدع في داخل فتح، فضلا عن كونها ستكشف المقاصد السلطوية أمام المجتمع الفلسطيني، وتصيبه بخيبة أمل، كونه يتطلع إلى انتخابات تتسم بمنافسة حقيقية بين القوائم والمنهجيات. ففي حال تشكيل قائمة موحدة بين فتح وحماس، سيكون الهدف هو التكتل في مواجهة طموحات القوى الاجتماعية الفلسطينية إلى التغيير، واختطاف الاستحقاق الانتخابي، لصالح سلطتين حافظتا بعناد على الانقسام وقالت كل منهما في حق الأخرى ما لم يقله مالك في الخمر.

فخوض الحركتين الانتخابات في قائمة واحدة ليس له معنى سوى أن الطرفين يتعاونان لإعادة إنتاج أو استنساخ وضعية الانقسام في العمق، وأن الحركتين توافقتا على خيار الضرورة لكي تحافظ كل منهما على ما في يدها من السلطة.

الآن، ابتعدت احتمالات تشكيل هذه القائمة المبتغاة، فاستشعر عباس خطر خوض الانتخابات بقائمته التي لم يُعرف شكلها ولا خياراته في أسمائها. ومن المفارقات، أن الكادر الفتحاوي الذي تجاوب مع إعلان قياديين فتحاويين عن تشكيل قوائم منفصلة (ناصر القدوة، ونبيل عمرو، وتيار الإصلاح الديمقراطي في فتح) افترض ولا يزال يفترض أن قائمة عباس لن تكون ذات قوة تمثيلية للحركة وللطيف السياسي الوطني.

ولا يُلام هذا الكادر على افتراضاته، لأن تجربة السنوات العشر الماضية أثبتت أن الرجل كان عازفا تماما عن الاعتماد على أعضاء من “مركزية” حركة فتح، ما خلا تكليفات محدودة في السياسة الداخلية لضمان طواعية قواعد الحركة له. أما التكليفات السياسية والاتصالات مع الإسرائيليين ومع دول الإقليم فقد انحصرت في العنصر الأمني، من خارج “المركزية” وفي الأصفياء من جلسائه وحاشيته من خارج حركة فتح، كمحمود الهباش وزياد أبوعمرو وأحمد مجدلاني.

ولا يمكن لأحد أن يغالط هذه الحقيقة التي اتخذ منها ناصر القدوة وغيره سببا للاقتناع بأن القائمة لن تكون ملبية لمتطلبات قواعد حركة فتح، وبالتالي فإنه وسواه مضطرون إلى تشكيل قوائم أكثر تعبيرا عن واقع الحركة وتوجهات الكادر.

وحيال هكذا معطيات، لن يكون هناك معنى للنداءات العاطفية التي تؤكد على وجوب الالتفاف حول قائمة عباس التي يسميها قائمة فتح، لأن مجرد محاولات تشكيل قائمة مع حماس يدحض صدقية هذه النداءات العاطفية، على اعتبار أن تقديس القائمة الفتحاوية لا يستوي مع عرض فتح كلها على حماس، لتحقيق اندماج انتخابي معها. ذلك ناهيك عن كون التيار الإصلاحي الفتحاوي العريض، المتنامي في الشارع الفلسطيني، قد عرض على عباس أن يبادر إلى توحيد الحركة، لكي تخوض فتح الانتخابات كتلة واحدة معززة بأجيال شبابية تتسم بالحيوية.

وكان ذلك أحد أهم الاختبارات الكاشفة لمدى حرص عباس على وحدة حركة فتح، علما بأن منتسبي تيار الإصلاح، من المراتب القيادية، لم ينشقوا عن حركة فتح، وإنما شُقوا عنها عنوة، ونجحوا في التحدي والاستعصاء على الإقصاء، وأثبتوا قدرتهم على العمل بقوة في الشارع، حاملين اسم فتح ورمزياتها، ليصبح المأزق من نصيب الذي حاول الشق، من وراء ظهر النظام الداخلي والقوانين، ومن خلفية كيدية تتعلق حصرا بعدم قدرة عباس على استيعاب محمد دحلان بصوته النقدي ورفضه العنيد، للتفرد واستغلال النفوذ.

أما القدوة، الذي كان له خلال الأسبوعين الماضيين النصيب الأوفر من الضغوط التي يمارسها عباس على حركة فتح، حتى وصلت هذه الضغوط إلى درجة التهديد بالفصل وبالقتل، فقد واجه الرجل حملة شعواء، إذ أطلق فريق عباس، بلغته وذرائعه التي لا تقنع أحدا، تنظيرات تقول إن أي قائمة فتحاوية موازية ستدمر الحركة أو تتسبب في إسقاطها في الانتخابات.

ومثل هذا التنظير لا يقوم على أساس حسابي عددي ولا على اعتبار سياسي، بل إنه، كتنظير قاصر، يقلل من قيمة حركة فتح وحجمها، طالما الافتراض أن هذه الحركة ذات خلفية وطنية علمانية عميقة. فلو كان ترك القيادة الحزبية والابتعاد عنها يدمر الحركات السياسية، لما كان الطيف العمالي الصهيوني في إسرائيل قد شهد تناسل القوائم في العام 1944 على أرضية خلافات في وجهات النظر. فالعكس هو الذي حدث، إذ كانت اختلافات تلك السنة قد أعطت دفعة قوية لمشروع الدولة التي أعلنت بعد أربع سنوات في العام 1948.

بل إن مؤسس الدولة، ديفيد بن غوريون، عندما تكتل مع الشباب قبل انتخابات الكنيست السادسة في العام 1965 وخرج من حزب “الماباي” (الاتحاد العام لعمال إسرائيل) وشكل حزب أو كتلة رافي، مع تلامذته (شمعون بيريز وإسحق رابين وموشي دايان، ضد ليفي إشكول وغولدا مائير وبنحاس سابير) لم يكن،  كمؤسس للدولة، يهدم الحركة العمالية الصهيونية حاملة مشروع إسرائيل. فما جرى بعدئذ، عندما سويت الاختلافات، أن عاد بن غوريون إلى “ماباي” وأسهم في إعادة إطلاق “ماباي” في العام 1968 باسم حزب “العمل” الذي أعلن عن نفسه باسم “التكتل ـ همعراخ”.

ليس في التجارب السياسية للأحزاب، ولا في الطبائع المعروفة للعمل الحزبي، ما يجيز مثل هذا التطير من الاجتهادات، وتعلية الاعتبار الحزبي فوق الحق الدستوري للكادر. ومن نافل القول إن القدوة كان حريصا على طمأنة عباس بأنه أبعد ما يكون عن التناغم مع دحلان كابوس عباس، وهذه حقيقة، لكن الرجل اضطر إلى الاستزادة، وذهب إلى حد هجاء تيار الإصلاح عن غير وجه حق. لكن عباس ظل مذعورا من اجتهاد القدوة، مستشعرا ضعف فريقه وبؤس تجربته وجريرة أفاعيله، فبات يحسب كل صيحة عليه. كان الأوجب بالنسبة إليه، أن يراجع نفسه، بعد أن فعل ما فعل في حركة فتح، وفي النظام الفلسطيني، حتى بات هذا النظام بلا مؤسسات وبلا نصاب على أي صعيد!

9