الانتخابات الفلسطينية والسوشيال ميديا: مستقبل فتح على المِحكّ

الامتحان أمام حركة فتح أكبر بكثير من مجرد انتخابات على مقاعد مجلس تشريعي تحت الاحتلال، بل أكبر من معركتها على الحكم مع منافسها الرئيسي حركة حماس، ولا نبالغ إن قلنا إن قاعة وحلبة هذا الامتحان الأساسية ستكون ساحات السوشيال ميديا.
الأحد 2021/04/11
الانتخابات أصعب امتحان لحركة فتح

تأتي الانتخابات الفلسطينية، إن أجريت، في زمن أصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي، وخصوصا تلك التي بقيادة مارك زوكربيرغ، تشكّل تحدّياً للعمليات الانتخابية كلّها في العالم برمّته، وتهدّد حتى الديمقراطيات العريقة القوية منها في دول عظمى مثل الولايات المتحدة كما رأينا في انتخابات الرئاسة الأخيرة فيها، وتلك التي قبلها عام 2016.

ومن هنا فلنتخيل حجم التحدّي الذي سيواجه العملية الديمقراطية الفلسطينية المزمعة، وقدرة صاحب القرار، والناخب الفلسطيني، والقوائم الانتخابية وإداراتها، وخصوصا تلك المعنيّة بالسوشيال ميديا.. ويكون السؤال: كيف يمكن مواجهة هذا التحدّي في ظلّ الظروف الراهنة؟

لا يمكن عزل دور السوشيال ميديا عما يجري في الواقع. في أغلب الأحيان تصبح السوشيال ميديا بمثابة مكبّر الصوت المضخّم للواقع، فالانقسام متعدّد الأعماق والأبعاد والأطراف يعصف بالساحة الفلسطينية، وتحيط السلبية والريبة والتشكيك وانتشار الأخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة بكل شيء، وبكل نية.

نرى ذلك كلّه جلياً في فضاء السوشيال ميديا الفلسطيني منذ سنوات من الخذلان الذي تعرّض له الفلسطيني من أطراف داخلية وخارجية وإقليمية في مواجهة احتلال لا يرحم، وترك ظلالا قاتمة ترى بوضوح عبر السوشيال ميديا.

كما أنّ هناك تجاذبات وصراعات إقليمية لم تضع رحالها بعد أن زجّت بالفلسطينيين وقضيتهم في أتونها، وما زاد الطين بلة انخراط أطراف فلسطينية عدة في هذه الصراعات بحماس انتهازيّ ضيّق وصبياني أعمى، وكلّ هذا أصبح الخطر الحقيقي الذي يهدّد الانتخابات الفلسطينية بتأثيرات مباشرة من السوشيال ميديا، فإن كانت الأخبار الكاذبة والمفبركة آفة تزعزع دول العالم والمجتمعات، فإنّ تأثيراتها في الحالة الفلسطينية تعتبر قاتلة.

يقول الأستاذ عماد الأصفر مدرّب الإعلام في جامعة بيرزيت لـ"العرب" “مع اشتداد التنافس الانتخابي وتوقع تسجيل 20 قائمة انتخابية، بعضها جديد ومجهول الانتماء، تزداد حدة ووحشية استخدامات السوشيال ميديا في فلسطين، وتكثر الشائعات والأخبار المضللة، وبات من الواضح أن الدعايات الانتخابية ستكون قذرة جداً، ومستندة إلى تشويه الآخر أكثر مما هي مستندة إلى شرح البرنامج الانتخابي وكسب الجمهور على أساسه”.

وهذا خطر داهم حقيقي رأيناه مثلا يعصف بالمجتمع الأميركي هذا العام بعد انتهاء التصويت، فما بدأ كحملات تشويه وتضليل ونشر لنظريات المؤامرة هدفها كسب مزيد من الأصوات عبر السوشيال ميديا، انتهى باقتحام وحشي دموي لمبنى الكونغرس وسقوط ضحايا، واستطاعت الولايات المتحدة بمؤسساتها الأمنية والإعلامية القوية والعريقة التعامل مع الأمر بسرعة ومرونة.

لكن كيف سيكون حال شعب يرزح تحت الاحتلال والحصار ويعاني من انقسام داخلي متجذر وعميق أمام عاصفة شائعات وأخبار كاذبة نرى ملامحها جلية منذ الآن وقبل أن تبدأ القوائم رسميا حملاتها الإعلامية؟

عشرات من المتنافسين على مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني موزّعون على ست وثلاثين قائمة سيخوضون سباق الانتخابات التشريعية الفلسطينية القادمة.

ومع تعدد القوائم والمرشحين إلّا أنّ هذه الانتخابات هي فعليا بين حركة حماس، التي تسيطر على السلطة في غزة، وحركة فتح التي فقدت السلطة في غزة إثر انقلاب دموي قامت به حركة حماس هناك بعد فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي في الانتخابات السابقة عام 2006.

وحتى هذه اللحظة تحتفظ حركة فتح بالسلطة في رام الله والشرعية لإدارة جميع المؤسسات الفلسطينية الرسمية المعترف بها دوليا مثل منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية نفسها كإحدى المؤسسات التي تستمد شرعيتها من منظمة التحرير، واتفاق أوسلو مع إسرائيل.

في الحقيقة ستكون هذه الانتخابات أصعب وأخطر امتحان لحركة فتح وقدرتها على إدارة الشأن الفلسطيني والعملية الانتخابية، فهل ستنجح حركة فتح بوضع إستراتيجية إعلامية وإدارتها عبر السوشيال ميديا للفوز أم لا؟

هذا هو السؤال الحقيقي والامتحان الصعب أمام حركة فتح.

Thumbnail

هل ستتمكن حركة فتح في رام الله من حماية موقعها ومكانتها في عقول الناس؟ هل ستستطيع قيادة المجتمع الفلسطيني لخوض انتخابات ديمقراطية وتفوز بها وتتمكن من تجنيبه الويلات بإدارة سليمة لحملتها الانتخابية وبرامجها الإعلامية وخصوصا من خلال السوشيال ميديا؟

في هذا الإطار حذر الأستاذ عماد الأصفر قائلا “الخوف الحقيقي هو من تفشّي خطاب الكراهية بدوافع دينية أو مناطقية أو حزبية، هذا هو الخوف الحقيقي لأنه سيشكل عندها تزايد احتمالات وقوع فتنة تجدّد المواجهات والصدامات بين الفلسطينيين في ظل وجود جهات مسلحة وأخرى منفلتة وأعداء قد يكون من شأنهم تعميق الخلاف ودفعه نحو حرب أهلية”.

الامتحان أمام حركة فتح أكبر بكثير من مجرد انتخابات على مقاعد مجلس تشريعي تحت الاحتلال، بل أكبر من معركتها على الحكم مع منافسها الرئيسي حركة حماس، ولا نبالغ إن قلنا إن قاعة وحلبة هذا الامتحان الأساسية ستكون ساحات السوشيال ميديا، فهذه هي الميدان الذي تتشكل من خلاله انطباعات الجمهور التي تبنى عليها سلوكياتهم كأفراد وأحزاب خلال الحملات الإعلامية، والانتخابات وما بعدها.

حتى هذه اللحظة بالإمكان ملاحظة أنّ حركة فتح تخسر معركة الانطباعات بسبب سوء أدائها الإعلامي وخصوصا عبر السوشيال ميديا، فهي ما زالت تدير سياستها وخصوماتها الداخلية والخارجية وكأن الإنترنت لم تخترع بعد، وكأن الفلسطينيين لا يستخدمون فيسبوك وواتساب وتويتر وغيرها من وسائل التواصل والإعلام الاجتماعي، وتراها تتعامل مع الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي وكأننا ما زلنا في ثمانينات القرن الماضي.

روّج قياديّو فتح بعد اتفاق القاهرة الأخير مع الفصائل الأخرى وإعلان الانتخابات أنّ فتح وحماس ستشكلان قائمة انتخابية واحدة، ثمّ تراجعوا عن ذلك لاحقا، وهم بذلك وفي ما يتعلّق بقدرتهم على المناورة إعلاميا وإدارة إستراتيجيتهم الرقمية، قدموا لحماس صكّ الغفران على الانقلاب بعد الانتخابات السابقة، وما ترتب عن هذا الانقلاب على غزة وناخبيها من تداعيات وتأثيرات.

كانت قضية القائمة التي توحد فتح وحماس، ولأيام طويلة، حديث السوشيال ميديا الفلسطيني، وقوبلت باستهجان وتهكم ومحاولات تبرير وتسويق فاشلة، وهكذا حرمت فتح نفسها وأنصارها من منافسة رواية حماس ومجابهة حملتها الانتخابية بجعلها تواجه صوت الناس عبر شبكات التواصل حول دورها في إدارة غزة والانقلاب هناك.

لم تدرك فتح الرسمية حتى هذه اللحظة أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية هي معركة انطباعات بالدرجة الأولى، هكذا تدار وهكذا ستحسب نتائجها، فمهما تكن نتائج هذه الانتخابات فإنها لن تغيّر الكثير على الأرض في ظل ظروف الاحتلال والحصار، ولن تغير الكثير في إقليم منهَك، وفي عالم يكافح جائحة كورونا ويعاني من تداعياتها الواسعة، ولكنها إن أديرت بالشكل الصحيح قد تغير انطباعات داخلية وعربية ودولية تخدم فلسطين في المستقبل.

تمضي حركة فتح إلى الانتخابات بإستراتيجية إعلامية غائبة أو مرتبكة، ونرى كيف تحوّلت ومنذ الأيام الأولى عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى حملات شتم وتشكيك بمن كانوا وما زالوا ضمن صفوفها. في الأيام الأخيرة أعلنت فتح أنّ كل ما يدور على شبكات التواصل الاجتماعي باسمها لا يمثلها وأنها لم تبدأ فعليا حتى الآن حملتها الدعائية الانتخابية عبر الإنترنت والإعلام.

لا يخفي الكثيرون من خارج فتح ومن داخلها تشاؤمهم وإحباطهم من كون الحركة غير جاهزة حتى الآن لخوض غمار هذه التجربة واجتيازها بجدارة.

وفي هذا الإطار كتب فاضل عاشور الطبيب وعضو المكتب الاستشاري لحركة فتح على صفحته في فيسبوك “لا يجب الذهاب أصلا إلى انتخابات قبل تجهيز 3 عناصر: الأول، مظهر فتح الموحّد. ثانياً، تشكيل قائمة نخبوية غير مناطقية لكن كل فرد بها مقبول في كل المناطق. وثالثاً، وجود جهاز انتخابي ودعائي جيد ويعرف ما الذي عليه عمله مسبقا وما الذي سيقوله للمجتمع (…) فتح لم تنجز أي واحدة من هذه العناصر (…) قبل شهرين كان لديّ تصوّر أنه يمكن إنجاز هذه العناصر سريعا وخلال فترة قصيرة”.

ومن الواضح أنّه بدون هذه العناصر يصعب التفاؤل بقدرة فتح على وضع إستراتيجية إعلامية وإدارة حملات السوشيال ميديا والفوز في الانتخابات.

4