الانتخابات الفلسطينية ودور قطر لتعزيز فرص طرفيْ الخصومة

التركيز على غزة وكيل الوعود لها بالبحبوحة مسألة تُدين الواعدين الذين يتكتمون على أسباب حرصهم على تثبيت وضعية الفاقة والتوسل وتخطئ حماس مثلما يُخطئ عباس إن اعتمدا على هكذا تكتيك.
الجمعة 2021/02/19
الدوحة تركز على غزة في هذه اللجة الانتخابية

تندرج المساعدات الاقتصادية والمالية التي تقدمها البلدان الميسورة إلى الأخرى المتعثرة في إطار ممارسة القوة الناعمة الموصولة بالسياسات وبمقاصد التأثير. غير أن المساعدات المالية المنتظمة التي تقدمها دولة قطر إلى سكان قطاع غزة تختلف في طبيعتها وسياقها عن أي مساعدات تجري في إطار العلاقات الدولية. فهي لا تُقدم من خلال دولة ذات حكم توافقي ومستقر ويشمل جميع أرجاء وطنه، وإنما من خلال حزب يحكم جزءا من وطنه بالقوة الغليظة، المشابهة تقريبا للقوة التي يحكم بها خصمه السياسي في الجزء الآخر. والحزب المتلقي نفسه موصول حصرا بمرجعياته التي تعتمد على قطر حصرا، وعلى الرغم من ذلك، فإن الرقابة القطرية على التفصيلات ظلت ضامنة لصلتها المباشرة مع الأسر المستفيدة.

ولا يُعرف هل أجرى الجانب القطري دراسة حول مدى التأثير الإيجابي للمئة دولار شهريا على حياة الأسر المستفيدة، التي سُدت أمامها كل دروب التنمية وأسواق العمل في الإقليم، أم أن الأمر يقتصر على نقطة واحدة، وهي أن قطر قدمت مساعدات مالية، وأن هذه المساعدات سلكت طريقا وصل إلى حد حمل الأوراق النقدية في حقائب، وتمريرها عبر أجهزة الدولة الإسرائيلية المعنية بحصار غزة، وذلك في تدبير يختلط فيه الغث الكثير بالسمين القليل!

الفلسطينيون باتوا في المناسبة الانتخابية المفترضة أمام خيارين: إما إعادة إنتاج نمط الحكم الذي أشقاهم، أو الانطلاق عبر الصناديق إلى عملية إنتاج نظام ذي طبيعة أخرى

كان واضحا، على مر السنوات، أن القطريين حرصوا على الاستمرار بالوتيرة نفسها، على مستويي الحجم والمقاصد، لتصبح المساعدة الشهرية التي لا تحل بطابعها الإغاثي المحدد أي مشكلة، ما خلا مراكمة الانطباع بأن حلفاء القوة القهرية التي تحكم في غزة هم أصحاب فضل، ما يعزز مبررات استمرار هذه القوة في الحكم، دون أي فوائد للمجتمع الفلسطيني على مستوى الحقوق السياسية.

وعندما ننظر في علاقة الدوحة بطرفي الخصومة في الأراضي الفلسطينية، نرى أن هناك علاقة وطيدة للقطريين مع الجانبين. فمحمود عباس، رئيس السلطة، ولأسباب شخصية، يحافظ على علاقة راسخة مع الحكم في قطر، أما حماس فهي ترتبط بهذا الحكم من خلال ارتباطها بجماعة “الإخوان”. وهكذا فإن القطريين يمتلكون القدرة على إجبار الطرفين على إنهاء الخصومة وإعادة النظام السياسي الفلسطيني إلى مساره الديمقراطي، الذي يمنح المجتمع فرص التنمية والوحدة وطي صفحة الخصام الحزبي الذي أشقى حياة الناس في غزة.

لم يكن هذا المشهد معزولا عن السياسات. والمساعدات المالية النقدية للأسر الفلسطينية من الأكثر بؤسا في غزة لا تزيد، بل تنقص عن برامج المساعدات الاجتماعية الأوروبية التي لم تتوقف وتشمل عددا أكبر من الأسر، دون أن تتعرض لمظنة التأثير الحزبي لصالح طرف فلسطيني. بل إن أسلوب نقل المبالغ المالية في حقائب، من وراء منظومة البنوك والقنوات المالية الدولية، ومن خلال إسرائيل، يُكرّس موضوعيا فكرة أن المساعدات غير جائزة أصلا، وأنها تسلك طريقا التفافيا، والأغرب أن قوة الاحتلال والأوساط المتطرفة الحاكمة هي نفسها التي تفتح هذا الطريق، ما يعني أنها حريصة على تثبيت مبدأ اللامشروعية بشكل استثنائي ومشروط وشديد الغرابة!

في الدبلوماسية الناعمة، يُراد دائما بسط النفوذ والظفر بالتأثير السياسي من خلال الدلالات الإيجابية التي يمكن أن تنتج عن المساعدات. وفي المثال الفلسطيني يُراد من خلال هذه المساعدات دعم الموقف الأدبي لحماس. أما من الجانب القطري، فإن ما يراد من خلال هذه المساعدات هو نفسه الذي يُراد من خلال مساعدات أخرى تقدمها قطر لدول ومجتمعات متعثرة، بأسلوب القوة الناعمة والحاذقة التي تمارسها الدول الصغيرة الميسورة التي تسعى إلى التأثير في السياسة الدولية بما يتجاوز وزنها. وفي سياق السياسة القطرية وغيرها من السياسات، تجتمع القوتان، الناعمة والصلبة، توخيا للتأثير، بحيث تتلازم المساعدات الإغاثية إلى أماكن مأزومة، والمساعدات التسليحية والمالية إلى أماكن متفجرة، يؤدي المتطرفون الإرهابيون فيها أدوارهم داخل بطون الأوطان المفتوحة.

ومعلوم أن قطر دولة استثمارات واسعة النطاق في العالم من خلال وفرتها المالية، وكان ولا يزال بمقدورها أن تفتح للفلسطينيين أبواب العمل في مناطق استثماراتها ومشروعاتها. فقد كان الفلسطينيون الذين فُتحت لهم أبواب العمل في دول الخليج، على مدى نصف قرن، منذ عقد الخمسينات وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، قد أسهموا بنصيب معتبر في بناء هذه الدول. والمفارقة أن السبب السياسي والأمني، الافتراضي، الذي جعل معظم دول الخليج معنية بإغلاق أسواق عملها أمام الفلسطينيين على مراحل متدرجة زمنيا، ليس سببا ينسحب على قطر، باعتبارها ذات خطاب تتبعه علاقات مع حركة حماس. وهنا تختلف الانطباعات التي يتركها هذا الخطاب عن الطبائع المشهودة التي استقر عليها جهاز الدولة في قطر. فإن أراد الفلسطيني، سليل الأسرة التي عاشت عقودا في قطر، تزويج ابنه من فتاة من غزة، سيكون من سابع المستحيلات السماح للفتاة الالتحاق بعريسها في قطر. فالانطباعات لا تتبعها طبائع!

المساعدات سلكت طريقا وصل إلى حد حمل الأوراق النقدية في حقائب، وتمريرها عبر أجهزة الدولة الإسرائيلية المعنية بحصار غزة، وذلك في تدبير يختلط فيه الغث الكثير بالسمين القليل

في هذه اللُجة الانتخابية الفلسطينية، تركز الدوحة على غزة وتتحدث عن مساعدات مالية جديدة بالوتيرة نفسها، وهي إرسال المئة دولار، غير الوفيرة، لعدد وافر من الأسر، والاستمرار في سياسة تنمية الفقر وتكريس العوز دون فتح آفاق التنمية والحياة الطبيعية والدورة الاقتصادية للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية. بالتالي، فإن الفلسطينيين باتوا في المناسبة الانتخابية المفترضة أمام خيارين: إما إعادة إنتاج نمط الحكم الذي أشقاهم، أو الانطلاق عبر الصناديق إلى عملية إنتاج نظام ذي طبيعة أخرى يؤمن لهم الحياة الكريمة من خلال فتح مجال العمل لطاقاتهم وقدراتهم، عندما تنفتح أقفال بوابات العبور من الخارج وإليه، وإنهاء مرحلة الحقائب المحمولة والمساعدات التي تتخذ شكل التهريب، بينما المهربون والمساعدون على التهريب، دول لها بنوك.

إن التركيز على غزة وكيل الوعود لها بالبحبوحة مسألة تُدين الواعدين الذين يتكتمون على أسباب حرصهم على تثبيت وضعية الفاقة والتوسل. وتخطئ حماس، مثلما يُخطئ عباس، إن اعتمدا على هكذا تكتيك، للظفر بنتائج انتخابات مثلما يتمنيان. وربما هذا هو الذي جعلهما يتحدثان عن خوض المنافسة الانتخابية بقائمة واحدة، وأن يلعب المال الاستثنائي دورا في الترويج لهذه القائمة، وتكون قطر حاضرة لكي يتجاوز صديقاها الخصمان، الفشل بجريرة تجربتين من أسوأ ما مر في حياة الشعوب في المنطقة.

8