الانتخابات اللبنانية ورمز الآيس كريم

على الرغم من أن العملية الانتخابية، على الأقل في معظم الدول الديمقراطية، تعتبر طريقا نحو التغيير والتجديد، إلا أنه في لبنان، لا يأمل كل من الطبقة السياسية الحاكمة والناخبين في إحداث مثل هذا التغيير.
الجمعة 2018/03/30
استمرار انتخاب الموجودين بالفعل في الحكم

يستعد لبنان لإطلاق حملات الانتخابات البرلمانية في 6 مايو المقبل. وتحولت شوارع العاصمة والمدن المجاورة إلى معرض رائع يحوي العديد من اللوحات والملصقات واللافتات التي تحمل صورا للمرشحين المتنافسين على الفوز بالمقاعد البرلمانية.

 إلى جانب هذه الإعلانات، أُطلقت حملة أخرى لتوضيح آليات القانون الانتخابي الجديد، الذي يُبيّن كيفية تضمين جميع اختيارات الناخبين في قائمة واحدة دون إمكانية إضافة أو حذف اسم أي مرشح.

 وما يحدث من بلبلة بسبب القانون الانتخابي الجديد يمكن إرجاعه إلى النظام الانتخابي القديم والتصويت بالأغلبية في لبنان، وهو تقليد يعود إلى أول برلمان أُقيم في البلاد عام 1926. في النظام القديم، سمح نظام الأغلبية للناخبين، وخاصة الأفراد غير المنحازين إلى حزب بعينه، بالخلط والمطابقة بين المرشحين وبالتالي تجنب الانحياز لأحدهم دون الآخر.

 لكن في ظل النظام الحالي، لا يمكن للناخبين فعل شيء من هذا القبيل، حيث يجب على كل ناخب أن يدلي “بصوته التفضيلي”، الذي يمكّن الناخب من تفضيل مرشّح واحد ضمن اللائحة التي سينتخبها، بحيث تكون له الأولوية، عند توزيع المقاعد الانتخابية، بعد فرز الأصوات.

 مع ذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه وزارة الداخلية والبلديات، الهيئة المكلفة بإدارة الانتخابات، يتجاوز مجرد تعليم الجماهير نظام التصويت الجديد، ليتمثل بوضوح في ضمان التزام جميع الأطراف باللوائح، والأهم من ذلك، تلك المتعلقة بإنفاق وتمويل الحملات الانتخابية.

يعد تطبيق هذه اللوائح الهدف الأهم، لضمان تحقيق الديمقراطية وحتى تسنح الفرصة أمام جميع المرشحين، وخاصة المستقلين من خارج النخبة السياسية الحاكمة، للحصول على فرصة الفوز بمقاعد البرلمان.

وفي حين أن مثل هذه التدابير تعتبر دعامة أساسية لأي نظام انتخابي ناجح، فإن ثقافة النخبة السياسية اللبنانية الحاكمة تميل إلى اعتبار هذه الشروط مجرد شيء نظري، وليست قواعد صارمة قابلة للتطبيق.

 وفي الواقع، يشكك الكثيرون في قدرة الدولة على فرض هذه القوانين على معظم الأحزاب ومرشحيها، الذين ينتمي معظمهم بالفعل إلى الطبقة السياسية الحاكمة؛ مثلا استخدم حزب الله وحلفاؤه مؤخرا قلعة بعلبك التاريخية كمكان لإعلان قائمتهم الانتخابية، وهو انتهاك واضح للمادة 77 التي تحظر استخدام الأماكن العامة لعقد الاجتماعات الانتخابية والترويج لها. واستخدم العديد من المرشحين الآخرين مناصبهم أو مواردهم المالية لإطلاق حملاتهم قبل التصويت، وهي انتهاكات يعتقد الكثيرون أنها ستمر مرور الكرام من دون عقاب.

في حين أن شفافية العملية الانتخابية تشكل مصدر قلق، إلا أن لوجيستيات التصويت تشكل عقبة تقف في طريق العملية الانتخابية

وعبّر زياد عبدالصمد، السكرتير العام السابق للجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، وهي جمعية مستقلة راقبت الانتخابات منذ عام 1996، عن اهتمامه الشديد ليس فقط بشأن اللوجيستيات الخاصة بإدارة الإنتخابات ولكن الأهم بالنسبة له هو ضمان نزاهة الحملات الانتخابية.

وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذتها وزارة الداخلية لضمان شفافية عملية الاقتراع، أكد عبدالصمد قائلا “حقيقة أن وزير الداخلية و17 عضوا آخرين في الحكومة يشاركون في الانتخابات يُبطل بالفعل الحيادية السياسية للدولة”. كما أعرب عن قلقه بشأن استغلال رئيس الوزراء، سعد الحريري، لمؤتمري روما وباريس للمعونة الاقتصادية، المقرر عقدهما الشهر المقبل، للترويج لحزبه في الانتخابات.

وفي حين أن شفافية العملية الانتخابية تشكل مصدر قلق، إلا أن لوجيستيات التصويت تشكل عقبة تقف في طريق العملية الانتخابية. وقال خليل جبارة، مستشار وزارة الداخلية المكلف بالإشراف على التصويت، إن التحديات الأساسية للوزارة تكمن في لوجيستيات إدارة نظام التصويت النسبي وجمع بطاقات الاقتراع من الخارج وفرزها فيما بقية المشاكل الأخرى يمكن حلها ببساطة.

 ويستلزم النظام الانتخابي النسبي استخدام أوراق اقتراع مطبوعة مسبقا، والتي يجب تسليمها إلى 1850 مركز اقتراع في جميع أنحاء لبنان، وهي مهمة صعبة الإنجاز. أما يوم الانتخابات نفسه فيعتبر “كابوسا لوجستيا، في ظل ضرورة وجود 15 ألف مسؤول انتخابي وأكثر من 25 ألف ضابط إنفاذ للقانون في يوم الانتخابات وحده، بالإضافة إلى 500 من مدخلي البيانات و 450 قاضيا لجمع الأصوات وفرزها”.

وما يضاعف التحديات المحتملة هو تنظيم العملية الانتخابية للناخبين المغتربين البالغ عددهم حوالي 83 ألف شخص والذين سيدلون بأصواتهم يومي27 و 29 أبريل، أي قبل أسبوع واحد من التصويت في الانتخابات داخل لبنان.

 وعلى الرغم من أن العملية الانتخابية، على الأقل في معظم الدول الديمقراطية، تعتبر طريقا نحو التغيير والتجديد، إلا أنه في لبنان، لا يأمل كل من الطبقة السياسية الحاكمة والناخبين في إحداث مثل هذا التغيير. فالطبقة السياسية ترغب فقط في البقاء في السلطة مهما كلفها ذلك من ثمن، بينما يأمل جمهور الناخبين في الاستفادة من خلال التصويت بقدر الإمكان من النظام الانتخابي الجديد ومن هؤلاء المسؤولين المسيطرين على العملية الانتخابية بأكملها.

وفي إطار الحملة الإعلانية التي تنظمها وزارة الداخلية، فإن الديمقراطية في لبنان تشبه الآيس كريم، المثير للشهية ولكنه في حقيقة الأمر غير صحي كما يبدو. سيستمر اللبنانيون في انتخاب قادتهم الموجودين بالفعل في الحكم، آملين في الاستفادة قدر الإمكان من النظام الانتخابي الجديد، قلقين من التداعيات التي ستتبعه مستقبلا.

6