الانتخابات المحلية تؤشر على تغييرات كبرى في المشهد السياسي بتونس

تستعد الأحزاب في تونس للانتخابات المحلية التي تأتي مختلفة عن الانتخابات السابقة التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام في 2011. ستواجه هذه الأحزاب المتنافسة بحقيقتها وكيف أن وعودها الانتخابية لم تعد تنطلي على الناخبين الذين يتوقع أن يعبر أغلبهم عن موقفه من خلال العزوف عن التصويت. وستكون هذه الانتخابات المؤشر الذي ستبنى على نتائجه ملامح المشهد السياسي القادم في البلاد وسيحدد علاقة الحزبين الرئيسيين في تحالفهما وهما حركة نداء تونس الليبرالي الوسطي وحركة النهضة الإسلامية.
الثلاثاء 2018/01/30
معركة المركز ستحدد مصير التحالف الحاكم بتونس

ليس هناك شك في أن تحديد موعد ثابت للانتخابات المحلية (البلدية) في السادس من مايو القادم مجازفة لمختلف الأحزاب والتحالفات التي تشكلت أو التي في كون التشكل، فالجميع متخوف منها حتى أولئك الذين نظّروا طويلا للحكم المحلي وتوسيع دائرة الديمقراطية وكسر هيمنة المركز.. لا أحد يضمن ما سيأتي به المشهد الجديد من نتائج في ضوء التطورات السياسية والاجتماعية التي تعيش على وقعها تونس.

هناك علامات كثيرة على أن المشهد سيتغير بصورته الحالية لاعتبارات عديدة أهمها أن الشعبية في أحياء الهامش الكبيرة، وفي محافظات الفقر، لا تصنعها الفضائيات ولا العلاقات الشخصية والحزبية والأيديولوجية ودوائر التأثير الخارجي التي تتداخل حاليا في تصعيد نجوم السياسة وتصنع حظوتهم.

تسيطر علاقات أخرى في المناطق البعيدة عن المركز بينها علاقات القرابة، والزمالة في المهنة، والانتماء لنفس العرش (العشيرة)، لكن المحدد الرئيسي فيها هو قدرة المرشح للانتخابات على تقديم خدمات مسبقة لفائدة ناخبيه، مثل الإعانات والصدقة والزكاة في المناسبات الدينية، أو مساعدتهم في الحصول على مهن عرضية (تسجيلهم في الحظائر، أو تمييزهم بخدمات توفرها الحكومة لصغار الفلاحين، و منح مشاريع صغيرة)، فضلا عن الإشعاع على الجمعيات الرياضية والثقافية والبيئية.

ولا بد من الإشارة إلى أن حضور الأحزاب في المشهد المحلي محدود جدا، ذلك أن المؤسسات المحلية ظلت بمنأى عن أحزاب ما بعد الثورة. ولم تستطع التعيينات التي تصدر عن السلطة المركزية للمسؤولين المحليين (المعتمدين، ورؤساء النيابات الخصوصية) أن تغير من سيطرة المنظومة القديمة، إذ سرعان ما يتم احتواء المسؤول الجديد وإدماجه في المنظومة العميقة التي تشكلت عبر سنوات طويلة عبر مسؤولين محليين منتمين للحزب الاشتراكي الدستوري في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، واندمجوا لاحقا في التجمع زمن الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وبعضهم حاليا في نداء تونس والبعض الآخر في النهضة وإن بدرجة أقل.

فبأي أدوات يمكن أن تنزل الأحزاب إلى الانتخابات البلدية وما حسابات الربح والخسارة لكل حزب.

يبدو نداء تونس الأوفر حظا في السيطرة على أكثر المجالس المحلية، وإن بنسبة تقل قليلا عن الأربعين بالمئة، رغم ما يبدو عليه الآن من ضعف بسبب الانشقاقات وخروج قيادات ذات تأثير على المستوى الشعبي.

نداء تونس المفتت أعلى حظا

ويستفيد الحزب من ميراث المنظومة القديمة التي تسيطر على الهياكل السياسية للدولة من قديم، وهي منظومة مصالح متضامنة نجحت في أن تحني الظهر لعاصفة الثورة ثم عادت بسرعة إلى وضعها الطبيعي.

الشباب اكتشفوا أن الأحزاب تتقن الكلام وليست لها علاقة بمفهوم الدولة كمؤسسة خلق البدائل وتوفير الحلول

وتضم خاصة أعضاء الشعب (الوحدة المحلية للحزب الحاكم قبل الثورة) والعُمد والعاملين بالمعتمديات والبلديات واتحاد الفلاحين (المزارعين). ويجمع هؤلاء بين أيديهم مختلف عناصر القوة محليا ويتميزون بعلاقات واسعة وبقدرة على تسهيل المشاريع وتوفير الخدمات المختلفة للمقربين والمتعاطفين.

وهذه الطبقة من المسؤولين لا تهتم كثيرا لأفكار الأحزاب ومواقفها والفوارق بينها، وهي تختار الحزب الأكثر قدرة وتنظيما بما يمكنها من الحفاظ على مصالحها وتحصيل امتيازات جديدة. وفي الانتخابات الرئاسية والتشريعية 2014 كان لهذه الطبقة دور كبير في فوز الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في الانتخابات خاصة في الدورة الثانية. كما رجحت كفة نداء تونس في الانتخابات التشريعية.

النهضة وتآكل الحزام التقليدي

لا تبدو النهضة معنية بتحقيق فوز انتخابي كبير، فقد صارت الحركة تتخوف من الفوز والأضواء، وهي لذلك تأمل بمرتبة ثانية خلف نداء تونس تضمن لها الاستمرار في المشهد السياسي كقوة نافذة انتخابيا، وتعطيها الفرصة للتدرب على إدارة الشأن العام على المستوى المحلي.

ورغم أن الحركة تمتلك وجودا واسعا ربما يشمل كل المناطق البلدية، إلا أن وضعها الخاص لا يسمح لها، حتى لو أجهدت نفسها ورتبت بيتها بشكل كبير، أن تحقق نصرا نوعيا لاعتبارات عديدة، أهمها أن تجربة الحكم في السنوات الخمس الأخيرة أثرت على صورتها بشكل كبير حتى داخل حزامها الشعبي التقليدي (أي عائلات منتسبيها).

ربما كان للحملات الإعلامية ضدها دور مهم في تقليص تأثيرها، لكن الدور الأهم في انكماشها يعود إلى طبيعة الحركة التي كان الكثير من الشباب يراهنون عليها كبديل للمنظومة العميقة مركزيا ومحليا، لكنهم اكتشفوا أن الحركة لا تهتم سوى بالبحث عن ظل السلطة، وأنها لا تناضل سوى لحماية نفسها وتنفيذ الشروط والإملاءات التي تطلب منها لنيل الاعتراف المحلي والدولي.

ومع هذا التآكل، فإن حركة النهضة لديها القدرة على المناورة خاصة في الانتخابات المحلية التي تدور بمنأى عن الضغط الإعلامي ودون حملات انتخابية استعراضية، ما يترك الباب أمام الاتصال المباشر بالأشخاص، وهو نقطة قوة أنصارها، فضلا عن سعيها لاستقطاب المستقلين داخل القوائم التي تعتزم تقديمها. وتقول تقارير وشهادات مختلفة إن الحركة فتحت قوائمها في المناطق الداخلية أمام المستقلين، ليكونوا أعضاء ورؤساء قوائم، وأنها تستقطب بشكل ممنهج من عملوا في التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، حزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأنها تلعب ورقة العروش (العشائر)، ما يعني أن من سيفوز في النهاية ليس النهضة ولكن من دخل خيمتها لتحقيق أهدافه الخاصة.

ومن الواضح أن مغامرة استقطاب المنافسين تهدف إلى امتصاص الحملات ضدها، وقطع الطريق على محاولات عزلها، وتحويل وجهة النقاش السياسي إلى نقاش في التفاصيل الصغيرة التي تهم المحليات المختلفة.

وفي مواجهة سطوة النهضة والنداء، من المنتظر أن تنشط التحالفات الصغيرة لتكوين أجسام انتخابية قادرة على إفساد الرغبة في السيطرة لدى حزبي التحالف الحاكم، والحيلولة دون استعادة صورة المركز الحالية، دون أن نستبعد تحالفات آخر لحظة التي قد يبحث أصحابها عن الاحتماء بالنداء أو النهضة لدخول المجالس البلدية التي تؤسس لتأثير بعيد المدى على مستوى الشارع.

الانتخابات المحلية قد تزيد من إرباك المشهد السياسي

لغز القوائم الموحدة

يتوقع أن تتشكل ثلاثة تحالفات أخرى، فضلا عن القائمات المستقلة التي قد تتخفى وراء مجموعات إسلامية متشددة لا تريد أن تظهر في الصورة، أو غاضبون من النداء ويراهنون على علاقاتهم الاجتماعية أو المالية للفوز بالمقاعد.

وستكون الجبهة الشعبية أول التكتلات المؤثرة في الانتخابات البلدية سواء التحقت بها مجموعات يسارية صغيرة أم لا، مستفيدة من وجودها في مناطق داخلية تقليدية معروفة بثقل اليسار مثل بعض المدن في محافظة قفصة أو سليانة أو الكاف. لكن الجبهة تعيش صراعا ثلاثيا داخليا قد يؤثر في حظوظها بالفوز في مناطق نفوذها النقابي والسياسي، فحزب العمال (الذي يتزعمه حمة الهمامي) يعيش على وقع خلاف وتنافس تاريخيين مع حزب الوطنيين الديمقراطيين (وطد)، وهو ما سيؤثر بالتأكيد على القوائم الموحدة التي قد لا تشمل كل المناطق، وربما يفضل كل حزب منهما أن يتقدم منفردا في مواقع نفوذه (تحت مسمى غير حزبي).

وهناك تيار ثالث مهم داخل الجبهة قد لا يقبل بأن يضحي بمواقف نفوذه للقوائم الموحدة، وهو التيار الشعبي، الذي تنافس مع حركة الشعب بعد أن انشق عنها في 2013 والتحق بالجبهة على خلفية اتهامات لها بالتهدئة مع النهضة بقبول سالم الأبيض، أحد أبرز قياداتها، حقيبة وزارة التربية في فترى رئيس حكومة الترويكا علي لعريض.

نقطة قوة الجبهة الشعبية هي اقترابها من الفئات الشبابية العاطلة عن العمل، من بوابة اتحاد المعطلين عن العمل، فضلا عن انخراطها في الاحتجاجات الليلية الأخيرة التي قربتها من شباب المناطق المهمة، ونجحت في أن تقدم نفسها مدافعا عنهم.

وبعيدا عن الأقطاب الثلاثة ذات الحضور الشعبي المتفاوت، سنجد تحالفين اثنين على الأقل، تحالف “الاتحاد المدني”، وتحالف الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية، وهما تحالفان للغاضبين من المنظومة المسيطرة سياسيا، لكن كل واحد منهما ممكن أن يلتحق في آخر لحظة كليا أو جزئيا بالنداء أو النهضة في سياق قراءته لموازين القوى على الأرض. وقد لا يتم الالتحاق خلال الانتخابات المحلية، لكنه سيكون واردا وبشدة خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية 2019.

نقطة قوة الائتلاف المدني هي نقطة ضعفه في نفس الوقت، فهو يضم شخصيات وازنة دون أحزاب حقيقية على الأرض، كونها خرجت إما من نداء تونس (محسن مرزوق، رضا بلحاج) وإما من الحزب الجمهوري (أحمد نجيب الشابي)، وهو ما يجعل قفزها من المركبة أمرا سهلا ودون خسائر كبيرة.

يستطيع هذا الائتلاف الوازن سياسيا أن يحصل على دعم إعلامي كبير، لكن القضايا التي يناقشها قد لا تجد صدى في شارع تونسي مل من نقاشات الهوية والحداثة ويبحث عن حلول عملية لقضاياه، فما بالك بانتخابات محلية سيكون على المرشحين أن يقدموا فيها أفكارا تفصيلية عن تطوير الأداء البلدي، وكيفية الحد من التلوث، أو توفير وسائل نقل إضافية، وخلق وظائف عمل عرضية (الحظائر).

وليس مستبعدا أن يبقى هذا التحالف قويا متينا مستفيدا من الدعم الإعلامي حتى لحظة تكوين القوائم الانتخابية للمحليات التي قد تؤدي إلى تفجيره بسرعة بسبب التوازنات الانتخابية والمصالح المباشرة لأحزابه الصغيرة.

أوراق المرزوقي

يعمل الرئيس السابق منصف المرزوقي على توسيع دائرة حلفائه خاصة من الأحزاب الصغيرة ذات التأثير في مناطق الجنوب. وهو يسارع الزمن لبناء تحالف قوي يبدد به الصورة المرسومة عنه في الدورة الثانية من انتخابات 2014 حين قيل وقتها إن النهضة هي التي أوصلته بقوة لمنافسة الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، وإنه لولا مناورة النهضة ما كان ليحصل على ما يقارب المليون ونصف المليون صوت.

لا تبدو النهضة معنية بتحقيق فوز انتخابي كبير فقد صارت تتخوف من الفوز والأضواء، وهي لذلك تأمل بمرتبة ثانية خلف نداء تونس تضمن لها الاستمرار في المشهد السياسي كقوة نافذة

ولأن الأبعاد الشخصية هي من تتحكم في هذا التحالف فإنه سيعمل على استرضاء الحلفاء الصغار خاصة من التيار الديمقراطي الذي يتكون من عناصر انشقت عن المرزوقي حين كان في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية مثل الثنائي محمد وسامية عبو.

ويحاول غازي الشواشي الأمين العام للتيار رفع سقف شروطه أمام حزب المرزوقي (حراك شعب المواطنين) برفضه إعلان الرئيس السابق عن تحالفه مع التيار والتكتل.

ويعتقد متابعون للشأن التونسي أن هذا التحالف ينبني أساسا على الاستفادة القصوى من أخطاء حركة النهضة وما يصفونه بابتعادها عن النخبة المحسوبة على الثورة، وأنه يأكل من جمهورها التقليدي، الذي هو نفس جمهور المرزوقي كون حزبه في جزء كبير منه يتكون من قيادات وسطى سابقة في الحركة (ما قبل الثورة).

ومن الواضح أن البرامج التفصيلية التي يطلبها الشارع لن تكون هي طريق هذا التحالف في الفوز ببعض الدوائر الانتخابية خاصة بالجنوب، مركز ثقل حركة النهضة، وإنما بالتركيز على نقد حزب راشد الغنوشي وانفتاحه على النداء وعلاقاته الخارجية المثيرة للجدل.

ورغم أن الأحزاب توليها أهمية كبيرة، فإن الانتخابات المحلية قد تزيد من إرباك المشهد السياسي، وتيئيس الشارع في الطبقة السياسية وعزلها شعبيا في ظل توقعات منطقية عن أن الأحزاب المهووسة بالسلطة ستسعى إلى نقل فوضى المركز إلى المناطق الداخلية، وهو الطريق الذي ينتظر أن يعبد الطريق أمام ارتفاع نسبة المقاطعة خاصة بين الشباب الذين اكتشفوا أن الأحزاب تتقن الكلام وليست لها علاقة بمفهوم الدولة كمؤسسة خلق البدائل وتوفير الحلول.

وربما ستكتشف الأحزاب المتنافسة لأول مرة أن إطلاق الوعود الكبيرة لا معنى له في انتخابات محلية من السهل أن يكتشف الناخب أن المرشح بلا برامج ولا أفكار وأن انتماءه للمنطقة البلدية قد لا يكفي لاختياره خاصة من القيادات الحزبية الموجودة في العاصمة.

كاتب تونسي

7