الانتخابات المحلية في تونس: التنمية تظل المعركة الحقيقية

التونسيون يدلون بأصواتهم في أول انتخابات بلدية (محلية) منذ اندلاع ثورة يناير 2011، ويعول الكثير منهم على ترسيخ اللامركزية وتفعيل برنامج تنموي عادل يشمل جميع محافظات البلاد.
الاثنين 2018/05/07
الإرادة الحرة للتونسين لم تتراجع رغم الأزمات

تونس - بعد رهانها على تجربة الحكم المركزي التي أثبتت فشلها وعجزها على كافة الأصعدة، تراهن تونس على اختبار ممارسة الحكم المحلي في تجربة ديمقراطية بدأت في شق مسارها نحو بناء التنمية والنهوض بالمناطق الداخلية المهمشة.

قبل البدء في تحليل الوقائع للوقوف على حدود التجارب التنموية التي دفعت الفاعلين السياسيين إلى مساءلة الواقع التنموي، لا بد من طرح عناوين كبرى لمسار التنمية وواقعها المتأزم في تونس الذي أوصل إلى هكذا مرحلة من التردي فرضت تغيير منوال التنمية في البلاد.

 

توجه التونسيون الأحد إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات بلدية (محلية) منذ اندلاع ثورة يناير 2011، ويعول الكثير منهم على السباق المحلي لترسيخ اللامركزية وتفعيل برنامج تنموي عادل يشمل جميع محافظات البلاد دون استثناء. لكن رغم ما يبديه العديد من المراقبين من تفاؤل حول قدرة السلطة المحلية على استكمال مسار الديمقراطية الناشئة، فإن حالة التجاذب الحزبي والأيديولوجي التي باتت تحكم المشهد السياسي الحالي للبلاد تقف عائقا أمام التجربة الحكم المحلي القادمة.

بالتوازي مع ذلك لا يمكن فهم التجارب التنموية في تونس منذ فترة الاستقلال إلى يوم الناس هذا وما آلت إليه من فشل وتلكؤ بمعزل عن الأزمات السياسية التي عرفتها البلاد، حيث تعمّقت أزمة السلطة بمكوناتها المختلفة لنتيجة مركزة وهي خضوع القرار لقبضة الرجل الواحد.

أولت تونس منذ الاستقلال اهتماما متزايدا بالمركزية ودفعت إلى تطبيقها وهيّأت كل الظروف الملائمة لاشتغالها. لكن كانت النتيجة تنمية جزئية مركزة على الشريط الساحلي أمام داخل مهمش أو وقع تهميشه.. الأمر سيان.

في مقابل الواقع التنموي الهش يلوح المشهد السياسي أكثر هشاشة بما أنتجته منظومة الحكم من طبقة سياسية تركزت غايتها الأساسية حول اللهث وراء المناصب أكثر من بحثها عن تغيير نظرتها لكيفية الإدارة الحكم وفق أدوات ناجعة.

قراءة للواقع التنموي

عرفت تونس تجارب مختلفة لدفع التنمية بصفة متكافئة بين المناطق واعتمدت على تقييم موضوعي لعدة اختبارات بدت مشدودة للتجاذبات السياسية وأطروحات الفاعلين السياسيين أكثر من كونها محاولة لاستكناه المجال وفهم الأطر الواسعة لكيفية اشتغاله وإحيائه.

ربما يعكس ذلك تصلّبا في مواقف النظام السلطوي وعدم جاهزية الطبقة السياسية لتجارب حقيقية يمكن البناء عليها لإنقاذ البلاد من الركود الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه. وهو الاحتمال الأكثر مصداقية وواقعية على ما يبدو.

معلوم أن الواقع الاقتصادي في المناطق الهشة هو المحدد الرئيس لأي معركة سياسية تدار في أعلى هرم السلطة مثلما يقر بذلك المهتمون بإشكالية التنمية.

أثبت الواقع المكرس للحكم السلطوي في تونس ذلك. حيث تدار أغلب المعارك السياسية حول إشكالية التنمية بثقافة الغنيمة والانفراد بالحكم لا بمفعول تشاركي جماعي يعطي أكثر مما يأخذ ويساوي أكثر مما يحشر ويفاضل أكثر مما يتبع.

أطروحات عديدة يمكن الاستناد عليها في مقاربة الواقع التنموي في تونس، لكن الإجماع ربما ينصب حول مقاربة شاملة تم العمل عليها في أغلب الدول العربية لعقود مضت.

روّج بعض الحكام العرب في أكثر من دولة لوهم التنمية والازدهار وعملوا على تسويق ذلك لشعوبهم على أن ما تعيش فيه إنما هو ازدهار ورفاه ورخاء. لكن النتيجة في الواقع فشل ذريع في تحقيق تلك الوعود التي “بنوا” عليها شرعيتهم السياسية.

تونس كانت تقدّم كنموذج للتقدم الاقتصادي، بشهادة الإعلام المضلل وبعض المؤشرات الدولية أيضا، إلى أن أزاحت ثورة 2011 الغطاء عن الحقيقة وأن ما روّج له لم يكن سوى كذبة كبيرة كان يسوقها النظام للتغطية على فشله في إدارة الحكم.

عرفت تونس تجربتين تنمويتين بعد الاستقلال، الأولى اشتراكية قادها أحمد بن صالح في بداية الستينات من القرن الماضي (1962-1969) ولم تعمر طويلا وكانت وراءها العديد من الأسباب والخلافات والخلفيات تمحورت بالأساس حول الرؤية السياسية وآلية المحاورة والإقناع وضعف النهج الذي اختارت الطبقة السياسية التخندق فيه. أما الثانية فتسمى بالتجربة الليبرالية، وهي تجربة توصف بالمنفتحة وكان على رأسها السياسي الهادي نويرة وقد انطلقت في بداية السبعينات.

عمر بالهادي: اللامركزية ستجعل السلطات المحلية مستقلة ومسؤولة أمام المواطنين
عمر بالهادي: اللامركزية ستجعل السلطات المحلية مستقلة ومسؤولة أمام المواطنين

تمخضت عن التجربتين العديد من الإجراءات في عهد بورقيبة وأيضا في عهد زين العابدين بن علي، لكن أيا منها لم ترتق إلى تجربة تنموية حقيقية وكانت إجراءات مكمّلة، رغم أن أغلبها سجل حضوره في ملامسة الواقع وقاد إلى خلق اختلالات جهوية ظلت في البدء مجهرية وغير مكشوفة للعيان.

التجربة المحلية القادمة

خلافا لبعض القائلين بأن التجارب التنموية في تونس وإن لم تراع الأخذ بالبعد الجغرافي وظلت مقتصرة بصفة جزئية، فإن ما هو يقين بالنسبة إلى البعض الآخر أن الوضع “الإيجابي” الذي عرفته البلاد في فترة من الفترات كان مدعاة لتوطين الأزمة ومضاعفة أركانها.

هذا الوضع انفجر في شكل ثورات وانتفاضات لما بلغت الكتلة المهمشة المطالبة بالتغيير حجما لم يعد بإمكان الأنظمة الشمولية القائمة استيعابه أو قمعه أو الوقوف أمام إرادته في التغيير. تغيير يفرض حتما الانتقال من الحكم السلطوي المركزي إلى الحكم الديمقراطي التشاركي اللامركزي.

واللامركزية كما يعرفها عمر بالهادي أستاذ الجغرافيا البشرية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس في تصريح لـ”العرب” هي “تفويض جزء من السلطة إلى الجماعات المحلية بشكل يسمح لها بإدارة وتسيير الشأن الترابي على المستوى الجهوي أو الإقليمي، ويجعل من هذه السلطات مستقلة ومسؤولة أمام منظوريها على مستوى التنفيذ والتصور والبرمجة والتصرف”.

وهي بحسب بالهادي أيضا “تتمثل في تغيير لمكان السلطة”، أي تغيير مكان السلطة من الحكم السلطوي المركزي إلى الحكم المحلي الديمقراطي. لكن مهما يكن من تفاؤل حول ترسيخ الحكم اللامركزي في تونس، فإن التخوف باد على العديد من غير المتفائلين بهذه التجربة.

ويعلق بالهادي على ذلك بقوله “التخوف من خوض التجربة طبيعي في مجتمع تعوّد على إدارة الشأن العام مركزيا طوال العشرات من السنين”. ويضيف أستاذ الجغرافيا “هذا التوجس والريبة متأتيان كذلك من تعثر التجربة على المستوى الوطني نتيجة التجاذبات الأيديولوجية والحزبية ونتيجة النظام الانتخابي الذي تم إقراره والذي أفرز منظومة مكبّلة منذ البداية ومرتكزة على حزبين لا يربط بينهما إلا الحفاظ على السلطة”.

وينضم صوت فريد العليبي المحلل السياسي التونسي إلى معسكر المتوجسين ويقول لـ”العرب” “بغض النظر ‏عن الفائزين بها ونسبة المشاركة فيها سيتفاقم في تونس ‏تشتيت السلطة وتفتيتها وستكون المجالس المحلية بمثابة جزر متناثرة ‏وتضعف من ثمة مركزية الدولة المتهالكة أصلا”.

ويضيف العليبي “طالما أن النخب السياسية متصارعة في ما بينها فإن ‏ذلك سيؤدي إلى عجزها عن الفعل بما يشبه عجز الحكومات ‏المتعاقبة التي عرفتها تونس بعد 14 يناير2011، وهو ما ‏سينعكس على إداراتها للشؤون المحلية التي ستسودها ‏فوضى عارمة. وفي مثل هذه الأوضاع فإن التنمية في الجهات ‏سيسوء حالها أكثر فأكثر”.‏

لكن بالهادي يخالف العليبي القول “لكن هذا لا يجب أن يثنينا عن خوض التجربة الديمقراطية المحلية، بل وجب تعديل القانون الانتخابي على المستوى الوطني والمحلي بما يساند التجربة الوليدة ويدعم نجاحها”.

وبغض النظر عن تباين وجهات النظر، فالأكيد أن اللامركزية ستكون سندا للتنمية المحلية إذا ما أعطيت السلطة المحلية المهام والمشمولات والموارد، ما يمكنها من القيام بالتنمية المحلية ولو جزئيا، لكن إذا اقتصرت مهام السلطة المحلية على القيام ببعض الأعمال الجانبية (جمع الفضلات وإسناد رخص البناء وغيرها)، فهذا غير كاف للقيام بالتنمية.

ما هو مؤكد أن اللامركزية هي وسيلة لإرساء وتدعيم الديمقراطية وتمكين الجماعات المحلية من تسيير شؤونها بنفسها وإعطائها السلطة والمهام والموارد التي تسمح لها بإدارة الشأن المحلي. بهذه الصورة فقط تكون اللامركزية مرتكزا لدعم الديمقراطية المحلية وإسنادا لها على المستوى الوطني ومساهما في تعزيز المسار الديمقراطي.

في هكذا استحقاق انتخابي تعيشه تونس يأمل الكثيرون في أن يتم القطع مع كل آليات الحكم المركزي السلطوي والتأسيس لحكم ديمقراطي تشاركي يروم النزول إلى الواقع ويتقصّد تشريك فئات واسعة في إدارة الشأن العام. فيما يأخذ الهوس فئات واسعة من غير المتفائلين يتركز مبحثهم الأساسي حول مدى نجاح هذه التجربة في الإجابة عن استحقاقات التنمية الحقيقية والبناء لروح المواطنة والقضاء على لوبيات وحيتان الفساد التي تغلغلت في كل القطاعات تقريبا.

6