الانتخابات المحلية في مصر بعد عشر سنوات من التعثر

مواجهة حاسمة متوقعة في الانتخابات البلدية مع جماعة الإخوان في معاقلهم التقليدية.
الثلاثاء 2018/04/10
بيئة مناسبة لإجراء انتخابات تقوي ظهير الحكومة داخل الأقاليم

القاهرة - تستعد مصر لخوض أول انتخابات للمجالس المحلية خلال النصف الأول من العام المقبل. وأجريت آخر انتخابات محلية عام 2008 وهيمن عليها أعضاء الحزب الوطني المنحل وهو الحزب الحاكم في عهد مبارك. ويتوقع أن يتكرر السيناريو مع الانتخابات القادمة، ويهيمن مؤيدو الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي أعيد انتخابه مؤخرا، على الانتخابات المحلية المقبلة مثلما فعلوا في الانتخابات البرلمانية التي أجريت عام 2015.

حدد البرلمان المصري النصف الأول من العام المقبل موعدا جديدا لإجراء الانتخابات المحلية التي تم تأجيلها أكثر من مرة منذ إقرار الدستور في العام 2014، بعد أيام قليلة من إعلان النتيجة النهائية لانتخابات الرئاسة، في إشارة إلى إمكانية عقدها عقب التأكد من تهيئة البيئة السياسية والأمنية في القرى والنجوع الصغيرة لإجرائها، بعد عشر سنوات من التعثر.

وقال صلاح حسب الله المتحدث الإعلامي لمجلس النواب، إن الانتخابات ستكون في النصف الأول من العام المقبل، عقب إقرار قانون الإدارة المحلية الذي يناقشه البرلمان حاليا، وإصدار اللائحة التنفيذية الخاصة به بعد خمسة أشهر من إقراره، على أن تعقد الانتخابات البرلمانية بعد الانتهاء منها في نفس العام.

على مدار أكثر من أربع سنوات كان التأخر في إقرار قانون الإدارة المحلية والذي ستجرى بمقتضاه الانتخابات سببا معلنا من قبل الحكومة لتأجيل الانتخابات، غير أن الواقع كان يشير إلى صعوبة إجرائها في تلك التوقيتات خوفا من اختراقها من قبل تنظيمات الإسلام السياسي المنتشرة في المحافظات، واستمرار العمليات الإرهابية التي نشرت العنف في سيناء وخارجها.

كما أن البيئة السياسية في المناطق التي كان يسيطر عليها أعضاء الحزب الوطني المنحل أضحت فارغة بعد ابتعاد القيادات التي درجت على تهيئة التربة لهذه الانتخابات والتحكم في مفاصلها، وكان لزاما أن يتم تكوين بيئة تستطيع أن تدير العمل المحلي داخل 1179 وحدة محلية على مستوى البلاد.

طارق تهامي:  الانتخابات المحلية الاستحقاق الوحيد الذي لم يعقد منذ إقرار الدستور
طارق تهامي:  الانتخابات المحلية الاستحقاق الوحيد الذي لم يعقد منذ إقرار الدستور

وكان ذلك يصعب تحقيقه طوال السنوات الماضية بسبب ضعف الأحزاب الموجودة وعدم وجود كتلة موحدة من الممكن أن تشكل حاضنة سياسية للنظام الحاكم في الأقاليم.

ويبدو أن الحكومة وجدت ضالتها في الفئات التي شاركت في الحملات الداعمة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في المحافظات، والتي لعبت دور الظهير السياسي له لتكون ممثلة من خلال المجالس المحلية.

كما أنها سترتكز أيضا على تحالف دعم مصر (صاحب الأغلبية بالبرلمان) الذي بدأ يرسخ أقدامه داخل العديد من المحافظات من خلال المقرات التي افتتحها هناك لإدارة المشهد الانتخابي.

وأكد مراقبون على أن نسب المشاركة في الانتخابات الرئاسية داخل المناطق التي كانت تعتبر معقلا لتنظيم الإخوان، الذي دعا إلى مقاطعتها، شجعت أجهزة الدولة على السير باتجاه عقدها، والإعلان عن ذلك في ثالث جلسة للبرلمان عقب إعلان النتيجة يعطي رسائل سياسية تفيد بأن الحكومة لم تعد تخشى تواجد الجماعة في تلك المناطق.

وقال تقرير صادر عن المؤسسة المصرية للتدريب وحقوق الإنسان (هيئة حقوقية راقبت الانتخابات) إن محافظات المنيا وبني سويف والفيوم (جنوب البلاد) والبحيرة (غرب الدلتا) كانت الجماعة تدعي أنها تمتلك نسب تأييد مرتفعة بها، شهدت ارتفاعا في نسب مشاركة الناخبين مقارنة بانتخابات العام 2014.

كما أن منطقة “كرداسة” (جنوب الجيزة) التي شهدت عددا من العمليات الإرهابية منذ اندلاع ثورة 30 يونيو 2013 حصل فيها الرئيس المصري على 38.200 صوت من أصل ما يقرب من 44.500 ناخب، والأمر ذاته في منطقة حلوان (جنوب القاهرة) معقل خلايا الإخوان الإرهابية، وحصل السيسي أيضا على 98.250 صوتا، من أصل 115.000 صوت.

وأكد طارق تهامي، عضو الهيئة العليا لحزب الوفد، أن التبكير في إعلان موعد انتخابات المحليات عقب الاستحقاق الرئاسي يبرهن على أن هناك رغبة في أن تعبر الفترة الثانية للسيسي عن الاستقرار السياسي، بحيث يتم الانتهاء من الاستحقاق الانتخابي الوحيد الذي لم يعقد منذ إقرار الدستور.

وأضاف لـ”العرب” أن الإعلان عن موعد الانتخابات قبل عام تقريبا على إجرائها يعطي رسائل إيجابية للأحزاب لبدء الاستعداد لها، وهي إشارة تدل على اندماجات وتحالفات جديدة قد تبدأ عملها على الأرض هذا العام.

وتوافقت تصريحات تهامي مع ما أعلنه رئيس حزب الوفد بهاءالدين أبوشقة، عن ظهور ثلاثة أو أربعة أحزاب كبيرة خلال الفترة المقبلة تضم داخلها غالبية الأحزاب القائمة حاليا ووصل عددها إلى 106 أحزاب.

وتعبر تلك الخطوات عن رغبة حكومية في تشكيل خارطة جديدة تختلف عن السابقة وتكون تحت أجنحتها بشكل أكبر، على أن تدفعها إلى التحرك بحرية دون أن تواجهها بقيود أمنية عملت على اتباعها مع أحزاب المعارضة في السنوات الماضية. كما أن تلك الخارطة قد تشارك ضمنها كوادر تابعة للحزب الوطني المنحل والتي تملك خبرات في التعامل مع تلك الانتخابات.

في المقابل أكد معارضون أن هناك رغبة من الأجهزة التي تتولى إدارة ملف الانتخابات في أن يكون هناك نظام سياسي تابع لها ويحقق أهدافها، وفي أن تكون اللبنة الأولى لتأسيس هذا النظام من خلال الانتخابات المحلية.

الهدف الأساسي الآن هو أن يكون هناك أعضاء منتخبون يمثلون المواطنين في القرى والمدن الصغيرة

وشددوا على أن تأسيس نظام سياسي وفقا لهوى الأجهزة الحكومية لن يخرج عن الاستعانة بالشخصيات التي ثبت فشلها في السابق، وأثر ذلك سلبا على شعبيتها، وبالتالي فإن أزمة الإقصاء السياسي للمنتمين إلى أحزاب مدنية معارضة لن تنتهي.

ومع أن مسألة عمل القوى السياسية وفق أطر محددة للأجهزة المصرية تعبر عن استراتيجية عامة للدولة، فإن تلك المسألة تتزايد أهميتها بالنسبة للانتخابات المحلية والتي ستقوم بالرقابة على حوالي 4 ملايين موظف تنفيذي في المحليات.

 ويتطلب الأمر وجود تناغم سياسي بينها وبين الجهات التنفيذية في تلك المحافظات، يساهم في الحد من المزايدات التي قد يلجأ إليها بعض الأعضاء.

ويرى سياسيون أن فلسفة الدستور المصري الخاصة بانتخابات المحليات، والتي تعزز فكرة “اللامركزية”، تعد من المشكلات التي تواجه البرلمان في الوقت الحالي، وتتطلب إدارة مركزية قوية غير متوفرة في القيادات الموجودة حاليا، وقد يجري استخدام تلك الصلاحيات للثأر من القيادات التنفيذية لصالح تمكين بعض العائلات من المناصب الإدارية هناك.

وقال ولاء جادالكريم، الباحث في قضايا التنمية ومدير مؤسسة شركاء من أجل التنمية، إن هناك أسبابا تنموية ملحة تدفع الحكومة لإجراء الانتخابات المحلية، وهي ترتبط بإعادة الاهتمام بالبنية التحتية للمحافظات، بعد أن ظل الهيكل الإداري في المحافظات يعاني من عدم اكتماله، ما أثر سلبا على عملية التنمية.

وبحسب مراقبين فإن الحكومة تحاول أن تتعامل مع السخط الشعبي لبعض الفئات الموجودة في الأقاليم التي لم تطلها عملية التنمية التي بدأها الرئيس السيسي منذ بداية فترته الرئاسية الأولى، والتي توجهت في غالبيتها إلى المشروعات القومية والعاصمة الإدارية الجديدة، ما أعطى انطباعا بأنها لا تعير هذه الفئات اهتماما.

وأضاف جاد الكريم في تصريحات لـ”العرب”، أن الهدف الأساسي الآن هو أن يكون هناك أعضاء منتخبون يمثلون المواطنين في القرى والمدن الصغيرة، حتى وإن كانت البيئة المحلية غير جاهزة لهذا الأمر. وتراهن الحكومة على تحسن الأداء الإداري في المحافظات المختلفة من خلال تفعيل أدوارها التي ترتبط بإقرار الموازنات المحلية ووضع السياسات العامة لكل وحدة محلية ومراقبة الأداء التنفيذي للجهات الإدارية في تلك المناطق.

6