الانتخابات المحلية.. مخرج أخير لتركيا قبل الغرق

بالنسبة لمعارضي أردوغان تعتبر انتخابات 31 مارس 2019 المخرج الأخير لتركيا قبل أن تدخل نفقا مظلما لا يلوح فيه أي بصيص للديمقراطية، خاصة وأنه لا توجد أي انتخابات أخرى مقررة حتى عام 2023.
الأربعاء 2018/12/05
فوز أحزاب المعارضة قد يمكنها من التشكيك في شرعية النظام

على الرغم من أنه لا تزال أمامنا أربعة أشهر حتى إجراء الانتخابات المحلية، بدأت رياح موسم الحملات الانتخابية تهبّ على المشهد السياسي في تركيا بعد أن انتهت الأحزاب من تشكيل تحالفاتها الانتخابية والإعلان عن مرشحيها لرئاسة البلديات على مستوى البلاد، لتبدأ بعدها مرحلة المناورات، إما سعيا لتوطيد سلطة الرئيس رجب طيب أردوغان وإما إضعافها.

وبعد ثلاث جولات من الانتخابات واستفتاء حاسم أسفر عن تغيير طبيعة نظام الحكم في تركيا، ينظر معارضو أردوغان الذين كافحوا على مدار السنوات الماضية للتصدي لحكمه الاستبدادي إلى الانتخابات المحلية باعتبارها المعركة النهائية. فبالنسبة لهم تعتبر انتخابات 31 مارس 2019 المخرج الأخير لتركيا قبل أن تدخل نفقا مظلما لا يلوح فيه أي بصيص للديمقراطية، خاصة وأنه لا توجد أي انتخابات أخرى مقررة حتى عام 2023.

ويقول المتفائلون من المعارضين إنه من الممكن أن يدعو أردوغان إلى انتخابات برلمانية مبكرة إذا خسر حزب العدالة والتنمية تحت قيادته رئاسة البلديات في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة في انتخابات مارس، لكن قد يكون هذا حلما بعيد المنال خاصة في ظل الشكوك حول وقوع تلاعب في التصويت في الانتخابات الأخرى.

من جانبه، يسعى أردوغان إلى الحفاظ على قبضته المحكمة على السلطة، بغض النظر عن كيفية حدوث هذا أو الطرف الذي يجب أن يتحالف معه لضمان ذلك. وقد يعزو البعض نجاحات أردوغان في الانتخابات الماضية إلى تمتعه بغريزة مكيافيلية تدفعه دوما إلى الحفاظ على منافسيه القوميين المتطرفين قريبين منه. وقد يكون أفضل مثال على ذلك هو التحالف الإسلامي-القومي المستمر بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي، الذي قد يبدو تحالفا متصدعا وهشا من حين لآخر، لكنه لا يزال صامدا.

ومع معاناة تركيا من تدهور اقتصادي كارثي في العام الماضي، يدرك أردوغان أن شعبيته حتى بين الموالين لحزبه قد اهتزت بشكل كبير، ولذلك هو بأمس الحاجة إلى دعم حزب الحركة القومية. وبهجلي من جانبه لا يمانع لعب هذا الدور، وقد يعود ذلك إلى خبرته السياسية الطويلة وعلاقاته الوثيقة بما يطلق عليها البعض “الدولة العميقة”.

ويتفق كلا الرجلين اللذين يتقاسمان السلطة بشكل فعلي في أنقرة على الوقوف باستماتة في وجه أي محاولة لإلغاء نظام “الرئاسة المطلقة” والعودة إلى النظام القديم. كما تجمعهما رغبة مشتركة في التصدي لكل طموحات الحركة الكردية في تحقيق أهدافها. ومن بين المؤشرات على ذلك رفض أردوغان الصارم للإفراج عن صلاح الدين دميرطاش، الشخصية الأكثر شعبية على الإطلاق بين جميع السياسيين الذين ينتمون لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

وعلى الرغم من تأرجح مواقف بهجلي في دعمه لأردوغان في الفترة الأخيرة، لم تعد تهديداته بالانسحاب من التحالف سوى كونها مناورات تكتيكية. وفي الوقت الذي يبدو فيه حزب العدالة والتنمية أكثر ضعفا، يعزز بهجلي نفوذه للدرجة التي أصبح فيها أردوغان بمثابة رهينة لديه.

ويبدو أن بهجلي كان يضع في اعتباراته هذه الأفكار عندما وافق مؤخرا على دفع مؤيديه للتصويت لصالح مرشحي حزب العدالة والتنمية في إسطنبول وأنقرة وأزمير. ويبدو أن إستراتيجيته تقضي بمنع أردوغان من خسارة إسطنبول أو أنقرة.

وكما قال كمال أوزكيراز مدير مركز أوراسيا لأبحاث الرأي العام في تركيا “تبدو الدولة وكأنها رهن إشارة أردوغان، لكن في الحقيقة أردوغان هو في الواقع تحت سيطرة بهجلي”.

وبالنسبة لبهجلي فإن الحفاظ على نظام الحكم الجديد أمر في غاية الأهمية، لأنه يدرك حجم الموجة القومية الضخمة التي تجتاح تركيا حاليا، والتي ستساعد على صعود أي نظام استبدادي حتى لو لم يعد أردوغان في السلطة.

وقال بهجلي “إن نتيجة الانتخابات المحلية مهمة للغاية من أجل بناء النظام الرئاسي وإرساء قواعده. وتزداد أهمية هذه الانتخابات في الثلاث مدن الكبرى، لأن أحزاب المعارضة قد تفوز هناك، وفي حالة حدوث ذلك فسيمكنهم الشروع في التشكيك في شرعية النظام (الرئاسي)، وهو ما يعني أن الفترة الانتقالية ستنقلب رأسا على عقب”.

وكل هذا يشير إلى مدى صعوبة الانتخابات المحلية القادمة واحتدام المنافسة على الفوز بها. وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه جس نبض الرأي العام، إلا أن سعي أردوغان المحموم للعثور على مرشحين يتمتعون بقبول شعبي يمكنهم من الفوز برئاسة بلديات إسطنبول وأزمير وأنقرة يعكس شعورا عميقا باليأس، لدرجة أنه حاول إقناع أحد أكثر مؤيديه إخلاصا، وهو بن علي يلدريم الذي يشغل حاليا منصب رئيس البرلمان، ليرشح نفسه لمنصب رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، لكنه فشل في حمله على التقدم بأوراقه.

ومع ذلك، دعونا نتوخى الحذر. فأردوغان داهية سياسي وسبق له أن نجا من العديد من الأزمات التي كانت على وشك الإطاحة به. وقد ينجح هذه المرة في مفاجأة الجميع باستخدام حيل سياسية ليست في حسباننا، خاصة وأنه لا يزال يملك عامل الوقت. فرغم كل شيء، أربعة شهور هي فترة كافية لقلب المعطيات لصالحه.

9