الانتخابات المحلية مفتاح إعادة التوازن للمشهد السياسي التونسي

الانتخابات المحلية خطوة أولى نحو تكريس مبدأ اللامركزية الذي ينص عليه الدستور التونسي في بابه السابع. وتطرح هذه الانتخابات العديد من الرهانات المتعلقة بنظام الاقتراع الذي يبدو أن اختياره خاضع لحسابات سياسية قد تعيد إنتاج نفس الخارطة الحزبية. ومن المرجح أن تتحالف النهضة والنداء لخوض غمار الاستحقاق المحلي في ظل صعود قوى سياسية جديدة تطرح نفسها كبديل.
السبت 2016/02/13
مشهد ثنائي القطبية

تونس- تدور منذ مدة أخبار حول إمكانية تحالف حركتي النهضة ونداء تونس في الانتخابات المحلية المقبلة والدخول بقوائم موحدة، ممّا أثار جدلا حول إمكانية إعادة إنتاج نفس الخارطة الحزبية على المستوى المحلّي.

ولم تنف قيادات النداء هذه الأخبار معتبرة أن المسألة مفتوحة على جميع الاحتمالات كما لم يستبعد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إمكانية التحالف مع النداء.

ورغم انشغال النهضة بالتحضير لمؤتمرها العاشر الذي سيكون حاسما في ما يتعلق بأيديولوجيتها وارتباطاتها الإقليمية، إلا أن موضوع الانتخابات المحلية يعدّ من الأولويات بالنسبة إليها خاصة مع إمكانية بروز قوى سياسية صاعدة قد تكون منافسا قويا لأحزاب السلطة.

ويطرح محسن مرزوق الأمين العام المستقيل من حزب نداء تونس، مشروعه السياسي الجديد كبديل ثالث بإمكانه تعديل المشهد السياسي وتفكيك حالة القطبية الثنائية. وقد أعلن مرزوق عزمه المشاركة في الانتخابات المحلية المقبلة، بـ”مشروع سياسي جديد”، مراهنا على هذه الانتخابات لاكتساح المشهد السياسي. وقال في مؤتمر صحافي، عقده بالعاصمة تونس، “سنشارك في الانتخابات البلدية المقبلة، ونفكر في الفوز، لأن الحركة (يقصد مشروعه السياسي الجديد) لم تُبن من فراغ، وإنما بمناضلين كبار، ولها قاعدتها”.

وسبق لرئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات شفيق صرصار، أن وضع شرطين أساسيين لإجراء الانتخابات المحلية (المقررة مبدئيا في أكتوبر المقبل)، وهما المصادقة على قانون خاص بالانتخابات في أجل لا يتجاوز شهر أبريل المقبل والحسم في تقسيم المجال الترابي.

وتختلف الرهانات المتعلقة بالانتخابات المحلية، ولعل أبرزها الجدل القائم حول نظام الاقتراع، إما أن يكون الاقتراع على الأفراد وإما على القائمات وإما بالأغلبية وإما حسب التمثيل النسبي.

ويبدو أن التوجه السائد للقوى السياسية الحاكمة يميل نحو الحفاظ على نفس نظام الاقتراع الخاص بالانتخابات التشريعية، وهو نظام التمثيل النسبي مع اعتماد أكبر البقايا. واعتبر متابعون أن الحفاظ على نفس نظام الاقتراع يمكن أن يُنتج نفس الخارطة السياسية على مستوى المركز في تناقض صريح مع مبدأ اللامركزية.

محسن مرزوق: سنشارك في الانتخابات المحلية المقبلة، ونفكر في الفوز

وتكتسي الانتخابات المحلية (البلدية) أهمية بالغة على اعتبار أنها تكرّس مبدأ اللامركزية ضمن قواعد تتمثل في شروط الانتخاب والترشح وتنظيم الحملة الانتخابية. وحسب الفصل الـ131 من الدستور التونسي في الباب السابع الخاص بالسلطة المحلية، فإن اللامركزية تتجسد في جماعات محلية، تتكون من بلديات وجهات وأقاليم، يغطي كل صنف منها كامل تراب الجمهورية وفق تقسيم يضبطه القانون.

وتتمتع الجماعات المحلية استنادا إلى الفصل الـ132 من الدستور بالشخصية القانونية، وبالاستقلالية الإدارية والمالية، وتدير المصالح المحلية وفقا لمبدأ التدبير الحر. ويمكن للجماعات المحلية في إطار الميزانية المصادق عليها حرية التصرف في مواردها حسب قواعد الحوكمة الرشيدة وتحت رقابة القضاء المالي (الفصل الـ137).

وفي ظل ما تطرحه فترة الانتقال الديمقراطي في تونس من رهانات جديدة ومتباينة تتعلّق أساسا باللامركزية والديمقراطية التشاركية ودعم التمثيلية على المستوى المحلي، فإن إعادة هيكلة المجال الترابي وتوزيع السلطات بين المركز والجماعة المحلية تظل تحديا من الصعب رفعه في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة.

ورغم التنصيص في الدستور صراحة على مبدأ اللامركزية فإن الفصول المتعلقة بالسلطة المحلية كانت عامة وغير دقيقة بخصوص كيفية تطبيق اللامركزية وتفعيل التسيير الذاتي للجهات.

وأمام هذه الصعوبات والإشكاليات خاصة مع غياب نصوص قانونية أخرى غير الدستور تتناول بالطرح مبدأ اللامركزية، قدّم خبراء ومنظمات المجتمع المدني (منظمة البوصلة مثالا) ومراكز بحوث وعلى رأسها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية اقتراحات وتصورات حول إعادة تقييم المجال الترابي والإداري وفق مبدأ اللامركزية.

ومن المقترحات الأكثر تداولا إعادة تقسيم المجال الترابي التونسي مع الأخذ بعين الاعتبار التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الجهات، ويقوم التقسيم الجديد على ثلاثة مستويات؛ هي البلديات والجهات والأقاليم.

وفي هذا الصدد، أكد رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد في تصريحات صحافية سابقة، ضرورة القيام بإصلاحات محورية على مستوى التنظيم الإداري العام لدعم خيار اللامركزية الذي نصّ عليه الدستور، وإعادة النظر في الهياكل التقليدية المحلية (المجالس البلدية والمحلية والقروية).

وأفاد الصيد بأن ضعف القدرات المادية للجماعات المحلية يعتبر العائق الأساسي أمام تحقيق “لامركزية فعليّة تتيح لهذه الجماعات هامشا من الحرية في إدارة شؤونها الخاصة”.

هذا وأوضح مختار الهمامي المدير العام للشؤون المحلية، في تصريحات سابقة، أن تكريس اللامركزية يستدعي إعادة النظر في تركيبة المجالس الجهوية وفي التقسيم الترابي والتخلي عن التخطيط القطاعي لفائدة التخطيط الأفقي الذي يقوم على بعث جهات اقتصادية لها صلوحيات اقتراح المشاريع النابعة من قواعدها المحلية.

4