الانتخابات المرتقبة في بريطانيا تكشف أسرار التعاطي مع الأقليات

الخميس 2015/04/23
اندماج الأقليات في المجتمع البريطاني لا يزال يعاني نقائص عديدة

لندن – السعي إلى إدماج الأقليات داخل المنظومات السياسية لدول الاستقبال (الدول الأوروبية أساسا) يعد أحد النقاط الإستراتيجية التي تعمل عليها الحكومات بعد أن وصلت أعداد المهاجرين إلى مستوى قياسي خلال السنوات الأخيرة. ولعل أبرز المنظومات السياسية التي تبحث الحكومات إدماج الأقليات الأجنبية فيها هي الانتخابات، وهو ما يجري على قدم وساق في بريطانيا هذه الأيام، حيث انطلقت الحملة الانتخابية للأحزاب مركزة على الأقليات والمهاجرين.

أسئلة عديدة تطرح عندما تنطلق الحملات الدعائية للأحزاب في بريطانيا في ما يتعلق بالمواطنين ذوي الأصول الأجنبية، ولعل من أهم تلك التساؤلات هو هل فعلا تريدون خدمة مصالحنا أم فقط أصواتنا لتنالوا مقاعد في البرلمان؟

“سايمن وولي” مدير حملة حث الأقليات على المشاركة في الانتخابات البريطانية المنتظر إجراؤها في بداية مايو القادم يؤكد أنه “في معظم الانتخابات، الغالبية العظمى من الشعب البريطاني لا يصوتون ويبقى الوضع على ما هو عليه. واتسع نطاق عدم المساواة والناس أصبحوا أكثر إحباطا، في كل انتخاب هناك عدد من المقاعد وعلينا أن نقرر مصير المقاعد المهمشة وهي مئة وثمانية وستون مقعدا. ومع هذه المقاعد لكل أنحاء البلاد، نحن لا نطالب السياسيين وإنما نطالب باحتضان التنوع والاعتراف به والتعامل معه بطريقة تفيد المجتمع بأسره بدلا من تقسيم الفئات والمجتمع”.

الملونون المنتمون إلى المجتمعات الإثنية يشكلون تقريبا خمسة عشرة في المئة من الشعب البريطاني، لكن النواب الذين يمثلونهم لا يتعدون أكثر من خمسة في المئة من عدد النواب في البرلمان. وقد عكست هذه النسب إلى أي مدى يهتم الجهاز السياسي البريطاني بشكل عام بمسألة الأقليات والانفتاح على اهتماماتها وتطلعاتها. فهذه المجتمعات العرقية غيرت وجه بريطانيا خلال نصف القرن الماضي خاصة في ما يتعلق بالتجمعات السكانية الخاصة بإثنيات أو أديان أو قوميات بعينها، كما هو الحال مثلا في “تاور هامليتس” شرق لندن التي جاءها المهاجرون منذ أيام “الهوغونو” الفرنسيين إلى أن وصلها يهود أوروبا الشرقية، وفي يومنا هذا تعرف ببنغلاتاون نسبة إلى الأصول البنغالية لعدد كبير من سكانها. ولكن رغم هذا الدور البارز للأقليات في المجتمع البريطاني، إلا أن “التوجس” من اندماج الأقليات في الجهاز السياسي والإداري والمنظومة البريطانية بشكل عام بقي سيد الموقف.

وقد أكدت النائبة في البرلمان البريطاني ذات الأصول البنغالية روشانارا أنه “بالرغم من أن بريطانيا تملك نظاما برلمانيا يربط أعضاءه بناخبيهم ودوائرهم الانتخابية وبالرغم من قناعتي أن هذا يعطي القوة للناخبين والبرلمانيين (لأن هذه الطريقة تمكن من البقاء على اتصال مع ما يحدث والاطلاع على حقيقة الأمور) إلا أن الناس ينتقدون بشدة العملية الانتخابية وحملات النواب المتعلقة بالأقليات، فأنا أعترف أن نواب الأقليات لم يتمكنوا من خدمة مصالح منوبيهم بالشكل المنتظر”.

الأجانب يشكلون 15 بالمئة من الشعب البريطاني لكن النواب الذين يمثلونهم لا يتعدون أكثر من 5 بالمئة من المجلس

العديد من المراقبين لم يربطوا موضوع الخلل في مشاركة الأقليات في الانتخابات البريطانية فقط بالمنظومة الانتخابية أو بالنواب في حد ذاتهم. فقد تأكد في السنوات الأخيرة مع ارتفاع عدد المهاجرين إلى أوروبا، أن الأحزاب “الشعوبية” التي طفت على السطح السياسي أخيرا ليست الأحزاب المناسبة لترويج خطاب منفتح ومتسامح مع الأقليات الإثنية والقومية التي تعيش في أوروبا، بل إن وصول أغلب تلك الأحزاب إلى مواقع القرار داخل دول أوروبية وفي البرلمان الأوروبي يبين أن المجتمع الأوروبي الآن “متوتر” وغير قابل لهذه الوضعية.

وقد فسر الباحث الهولندي في العلوم السياسية “كاس مودا” أن الركود الاقتصادي يعد من الأسباب المباشرة التي تدفع “بالشعوبيين إلى الظهور”. فبالعودة بالذاكرة إلى أوروبا الغربية في ثلاثينات القرن الماضي، فإن عامل الركود الاقتصادي الذي ضرب العالم بعد أزمة بورصة نيويورك (أزمة الثلاثينات الاقتصادية) ساهم في تصاعد الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية وهما تياران متعصبان لقوميتيهما وليس لهما مجال للانفتاح أو التعايش. والآن، ومع حدة تأثيرات الأزمة الاقتصادية على أوروبا، وجدت الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعوبية مجالات تواصلية جاهزة لبث خطابها المعادي للأجانب والمهاجرين.

وبالعودة إلى بريطانيا، فإن حيازة “حزب استقلال المملكة المتحدة” على النسبة الأكبر من الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي الماضية تعد سابقة ملفتة في التاريخ السياسي البريطاني. فقد قام الحزب بحملة دمج فيها بين مطالب الانسحاب من الاتحاد مع خطاب معاد للمهاجرين القادمين من شرق أوروبا، وقد كانت هذه أول مرة منذ أكثر من قرن يتصدر فيها حزب غير العمال والمحافظين انتخابات بريطانية.

وقد أكد باحثون في السوسيولوجيا، أن مسألة التحرج من تنامي حضور الأقليات في المجتمع الأوروبي لها تفسيرات أخرى أكثر استراتيجية من السبب الاقتصادي، فبعض المنظمات والجمعيات اليمينية (التي تعبتر من روافد الأحزاب الشعوبية مثل حركة بيجدا العنصرية في ألمانيا) تدعي “الخطر المزعوم على الهويات القومية الذي يشكله المهاجرون والمنظمات المتنامية العابرة للقوميات”، إذ تأكد من خلال مراقبة خطاب تلك الأحزاب، أنها تتلاعب بشعور الانتماء الطبيعي لدى الإنسان، فتقوم بخلق صورة “تهديد” لذلك الانتماء القومي وتدفع المتلقي إلى ردة فعل غير عقلانية لها تمظهرات عديدة مثل العداء ضد أديان بعينها أو لون بشرة أو إثنية. ويعد موضوع الأقليات ومشاركتها في المنظومات السياسية وإدماجها في أجهزة الدولة موضوعا مؤرقا في السنوات الأخيرة من ناحية البحث السوسيولوجي والأمني والسياسي خاصة في أوروبا.

13