الانتخابات المغربية: انفتاح المجتمع على ممارسة ديمقراطية متواصلة

دشن المغرب عهدا إصلاحيا جديدا منذ تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم، حيث دخل مرحلة جديدة أطلق من خلالها الملك محمد السادس إشارات وقرارات ذات إيحاءات ترمي إلى دخول المملكة في مسلسل إصلاحي، يرتكز من خلاله على مفهوم جديد للسلطة يطال مختلف الميادين، أهمها الجانب السياسي، وهو ما ترتب عليه طرحه للعديد من الإصلاحات جعلت من المغرب نموذجا لنجاح الخيار الديمقراطي والتحديث السياسي جسده دستور 2011 الذي كرس فيه الملك محمد السادس دمقرطة أجهزة السلطة والإدارة عبر تفعيل الانتخابات التشريعية في 2011 وتفعيل ثاني تحول ديمقراطي عاشه المغرب، الجمعة، في الانتخابات البرلمانية أكدت فيه المملكة تمسكها بالخيار الديمقراطي مهما كانت نتائج الاقتراع في عاشر محطة انتخابية لتجديد مجلس النواب.
السبت 2016/10/08
إقبال على التصويت من مختلف فئات المجتمع

الرباط – في خضم الانتخابات التشريعية، وفيما كان المغاربة، في مختلف جهات البلاد، منهمكين في متابعة أصداء هذا الاستحقاق، جلب انتباههم خبر قادم من نيويورك، بالتحديد من مقر الأمم المتحدة، مفاده أنه تم اختيار رئيس الوزراء البرتغالي الأسبق أنطونيو غوتيريس أمينا عاما جديدا للأمم المتحدة.

استبشر المغاربة بهذا الخبر، الذي استقبلوه وهم يتوجّهون لمراكز الاقتراع لاختيار ممثليهم في البرلمان. وقد كتبت صحيفة “العلم”، الناطقة باسم حزب الاستقلال، في عددها الصادر الجمعة، أن انتخاب البرتغالي أنطونيو غوتيريس أمينا عاما جديدا للأمم المتحدة خلفا لبان كي مون من شأنه إحداث تغييرات في عدد من الملفات. ومن المعروف، حسب الصحيفة، أن غوتيريس يعرف جيدا المغرب كما يعرف مشكل الصحراء، ومما لا شك فيه أن خبرة الرجل الميدانية ومعرفته بالأمور على أرض الواقع ستكون لهما نتائج فعلية على عدد من القضايا الدولية ومنها قضية الصحراء المغربية.

وأعطى هذا الخبر دافعا قويا لسكان الأقاليم الجنوبية، بالأساس، للإقبال على التصويت، واختيار من يرونهم مناسبين لفتح آفاق جديدة في هذا الملف، تلعب فيه الدبلوماسية الحزبية دورا هاما، كما أن في إقبالهم على المشاركة في الانتخابات ردّا قويا على مزاعم جبهة البوليساريو، التي توجّه أمينها العام إبراهيم غالي، عشية الانتخابات، برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، يهاجم من خلالها الانتخابات التشريعية المغربية ويطالبه بوقفها، ما يعني حرمان أهالي الصحراء المغربية من المشاركة فيها.

سارة فوير: يعتبر إجراء ثاني انتخابات وطنية حرة ونزيهة حدثا هاما بالنسبة إلى المغرب وحلفائه

وقال متابعون لصدى الانتخابات المغربية إن قضية الصحراء كانت من بين محفّزات التصويت في عملية انتخاب المغاربة لنوابهم وممثليهم في الحكومة والمعارضة والبرلمان، حيث يعتبرون هذه القضية قضيتهم الأولى، ثم تأتي بعدها بقية المشاغل التي تم على ضوئها التصويت، والتي من بينها البطالة والتشغيل والإصلاحات الاجتماعية ومحاربة الفساد وصولا إلى التهديدات الإرهابية في ظل ما تعيشه المنطقة المحيطة ببلادهم، وأيضا في ظل التهديدات القادمة من مخيمات تندوف.

ولاحظت “العرب”، حضورا قويا لسكان الصحراء على مستوى القوائم الوطنية، إذ على مستوى بوجدور هناك 35 بين النساء والشباب، وهناك وجود برامج حزبية محلية كما هو الشأن بالنسبة إلى مرشح الأصالة والمعاصرة محمد حبذي أو الاستقلال في العيون حمدي ولد الرشيد.

وتم رصد إقبال مرضي على التصويت، في صورة تكررت من قبل خلال الاستفتاء على الدستور في 2011، والانتخابات التشريعية في 2011 والانتخابات البلدية في 2015، حيث سجلت الأقاليم الجنوبية أعلى نسب مشاركة خلال تلك الاستحقاقات الوطنية؛ فيما قال متابعون إن الدوافع أصبحت مضاعفة بعد التعديلات الدستورية وحزمة الإصلاحات التنموية التي أطلقها العاهل المغربي الملك محمد السادس لدعم الأقاليم الجنوبية.

وأكد شرقي خطري، المدير التنفيذي لمركز الجنوب للدراسات والأبحاث في حديث لـ”العرب”، أن الأقاليم الجنوبية عرفت حيادا واضحا للسلطة المحلية دون أي تدخلات عكس فترات سابقة بما يزكي أطروحة انتخابات دون مشاكل. وأكد أن البرامج المحلية أصبحت تحتل مكانة متميزة، بدل القبلية، حيث يتعاقد المرشح مع الناخبين محليا على إقامة ورشات ومشاريع محلية. على غرار سكان الأقاليم الجنوبية، توجه المغاربة من كل جهات المملكة، للتصويت لاختيار ممثليهم للبرلمان، وقد وضعوا شروطا ومقاييس صارمة لاختياراتهم، بناء على تجارب السنوات الماضية، وأساسا على ما جرى خلال السنوات الخمس الماضية، التي قاد خلالها الحكومة، حزب العدالة والتنمية، ذو التوجهات الإسلامية.

نجح حزب العدالة والتنمية لأول مرة في تاريخه، وتاريخ الانتخابات التشريعية، التي يبلغ عددها العشرة، منذ استقلال البلاد، في الوصول إلى الحكم، نتيجة الظروف التي سادت المنطقة، وتأثّر بها المغرب في 2011، لكن نجح في أن يستفيد منها لصالحه. لم يتفاعل المغاربة مع حركة عشرين فبراير، النسخة المغربية من الحراك العربي في تلك الفترة، بل إن جزءا هاما من متظاهري هذه الحركة ومؤيديها انسحب من الشارع بمجرد إعلان الإصلاحات.

وترى سارة فوير، الباحثة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في متابعة للانتخابات المغربية، أن هذا الاستحقاق، الذي جرت فعالياته الجمعة، وسبقته حملة انتخابية اعتبرت الأولى من نوعها من حيث الاستقطاب بين الأحزاب، خصوصا العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، “بمثابة استفتاء على الحزب الإسلامي الرئيسي في المملكة وعملية الإصلاح الشاملة”.

استحقاق انتخابي

وتقول فوير “خلف النتائج وماذا ستعنيه لكل الأحزاب، يعتبر إجراء ثاني انتخابات وطنية حرة ونزيهة منذ عام 2011 حدثا هاما بالنسبة إلى بلد يعد من الحلفاء القليلين لواشنطن الذين يتمتعون باستقرر في المنطقة”. وتضيف الباحثة الأميركية “لا يزال المغرب يواجه تحديات خطيرة، مثل ارتفاع معدلات البطالة والفساد، وهي التحديات التي ساعدت على تحريك احتجاجات عام 2011، فضلا عن التهديدات الأمنية المستمرة جراء المؤامرات الجهادية المحلية؛ وإجراء انتخابات ناجحة مع إقبال مطرد من شأنه أن يشير إلى مقياس المشاركة العامة في عملية الإصلاح التي تهدف إلى معالجة هذه التحديات، وهي العملية التي نجحت حتى الآن”.

وقد عرفت الانتخابات التشريعية لسنتي 2002 و2007 إصدار تشريعات جديدة نظمت عملية الانتخابات. وردا على المخاوف بشأن شراء الأصوات ورغبة في تعزيز عدد الأحزاب السياسية، تبنى المغرب نظاما جديدا يسمى نظام قائمة التمثيل النسبي في الدوائر الانتخابية متعددة الأعضاء.

أما على مستوى التطبيق، فقد حد هذا النظام من إمكانية فوز الأحزاب السياسية بأكثر من مقعد واحد في أي دائرة انتخابية، فلم يكن بالإمكان تشكيل حكومة دون التفاوض على تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب أخرى، وما أفرزته مختلف الاستحقاقات الانتخابية السابقة. وفي ما يخص انتخابات 2016، يرى باحثون ومحللون أن انتخابات 7 أكتوبر لها طبيعة خاصة لكونها لاحقة لانتخابات بلدية وجهوية تمّ تنظيمها في 4 سبتمبر سنة 2015، فحدّدت عمليّا قسمات ومعالم انتخابات 7 أكتوبر ورسمت خطوط التنافس.

إقرأ أيضا:

الدار البيضاء.. مركز ثقل انتخابي وبرلماني

مناخ تنافسي محتدم لكنه ديمقراطي

مصير بن كيران وحزبه برسم إرادة الناخب المغربي

فيسبوك يفيض بدموع بن كيران: إلهي امنحه ولاية ثانية

7