الانتخابات بأوروبا في مرمى قراصنة الكرملين

اتخذ القلق الأوروبي بشأن دور الحرب الإلكترونية التي تخوضها روسيا، إلى جانب معاركها العسكرية والسياسية، في تحقيق أهدافها أبعادا أكثر جدية عكستها تصريحات المسؤولين وتحذيرات الأجهزة الأمنية من أن موسكو يمكن أن تخترق الأنظمة الانتخابية في البلدان الأوروبية التي ستشهد انتخابات حاسمة، بما قد يعود بالنجاح على أقطاب اليمين المتطرف ويكون له تأثير مباشر على تماسك الاتحاد الأوروبي.
الأربعاء 2017/02/15
هل تعلم الأوروبيون الدرس مما حدث للأميركيين

مع اقتراب عدد من الاستحقاقات الانتخابية في أكثر من عاصمة أوروبية يكثر الجدل في الأوساط السياسية والصحافية حول تدخل روسي وشيك لتغيير موازين القوى أو ترجيح كفة مرشح على حساب آخر بما يخدم المصالح الإستراتيجية لموسكو.

ورفعت من درجة التأهب والحذر التقارير التي أكدتها الاستخبارات الأميركية وعدد من كبار مسؤولي الولايات المتحدة في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما والتي أشارت إلى تدخل روسي كبير للتأثير على العملية الانتخابية في البلاد.

وتستعد أوروبا لانتخابات حاسمة هذا العام سيكون لنتائجها أثر كبير على هيكل الاتحاد الأوروبي. وتتطلع أحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا إلى تحقيق نتائج جيدة في الانتخابات، ما سيأذن بالبداية الفعلية لنهاية الاتحاد الأوروبي.

أسباب تبرر تدخل بوتين

يعارض الزعماء الشعبويون في هذه البلدان المؤسسات الأوروبية وسياسات الحدود المفتوحة، فيما يبدو بعضهم حليفا لروسيا أو متوافقا معها في توجهاتها، فالمرشحة الفرنسية اليمينية لانتخابات الرئاسة الفرنسية مارين لوبن تعترف بروسية شبه جزيرة القرم، وتقول إن سكان شبه الجزيرة أعربوا عن رغبتهم في العودة إلى روسيا والانضمام إليها عبر الاستفتاء العام. لذلك، فهي تعتقد أن ليس هناك ما يستدعي الشك في نتائج الاستفتاء.

وترجح التوقعات في فرنسا وصول زعيمة “الجبهة الوطنية” مارين لوبن إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقبلة، إضافة إلى التقدم الكاسح الذي بدأ “البديل من أجل ألمانيا” يحققه مهددا بإنهاء سيطرة حلفاء ميركل، فيما يأتي حزب خيرت فيلدرز في طليعة استطلاعات الرأي في هولندا.

وسيكون صعود الأحزاب اليمينية وتصدر الشعبويين للمشهد السياسي في أوروبا، لو استمر، بمثابة النصر الاستراتيجي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين المحاصر حاليا في اقتصاده من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بسبب دوره في أوكرانيا.

ولا يكن الشعبويون الكثير من العداء لروسيا بل يطمحون إلى إعادة تطبيع العلاقات معها وبالتالي رفع معظم أو كل العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو، وهو ما يرفع من منسوب القلق في الدوائر الرسمية في بروكسل بشأن الحرب الإلكترونية التي يمكن أن تشنها روسيا لضرب حظوظ الأحزاب الأوروبية التقليدية في الانتخابات.

وما يزيد من هذه المخاوف أن المناخ الشعبي في أوروبا يبدو مواليا لموجة صعود اليمين المتشدد، يدعمه صعود دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، وقراراته المتعلقة باستقبال بلاده للمهاجرين، وقبل ذلك نتيجة استفتاء انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وهي موجة مردها أزمات الهجرة والإرهاب.

استغل الأوروبيون تطورات الوضع في واشنطن على خلفية استقالة مايكل فلين مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للأمن القومي، بعد كشف النقاب عن مناقشته العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا مع السفير الروسي في الولايات المتحدة قبل تولي ترامب منصبه وضلل نائب الرئيس مايك بنس بشأن هذه المحادثات، ليشنوا حملة على موسكو ويستبقوا أي حرب إلكترونية يمكن أن تخوضها ضدهم.

وقال ريتشارد فيران، الأمين العام لحزب “إلى الأمام” الفرنسي إن وسائل إعلام وقراصنة الإنترنت من داخل روسيا يستهدفون مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة إيمانويل ماكرون بهدف مساعدة منافسيه المؤيدين لموسكو.

وتعتبر تصريحات فيران أول اتهام مباشر من حزب سياسي فرنسي لجهات روسية بمحاولة التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في أبريل ومايو.

وحث فيران -الذي قال يبدو أن روسيا تؤيد سياسات زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن ومرشح يمين الوسط فرنسوا فيون -الحكومة على اتخاذ خطوات لضمان عدم وجود “تدخل أجنبي” في الانتخابات.

واستشهد المسؤول الفرنسي بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي اشتبهت مخابراتها في وجود دور للكرملين في التأثير على العملية الانتخابية وقال “الأميركيون شهدوا ذلك لكن بعد فوات الأوان”.

برونو كال: نحن على علم بهجمات إلكترونية لا هدف لها إلا بث حالة من عدم اليقين السياسي

وقال فيران إن محطة “روسيا اليوم” ووكالة “سبوتنيك” نشرتا تقارير زائفة بهدف قلب الرأي العام ضد ماكرون. واعتبر أن روسيا تستهدف ماكرون المؤيد بشدة للوحدة الأوروبية بسبب رغبته في أوروبا قوية موحدة يكون لها دور كبير في الشؤون الدولية بما فيها مواجهة موسكو.

واستشهد السياسي الفرنسي بهجمات إلكترونية تعرض لها ماكرون. وقال إنها هجمات استهدفت أنظمة الكمبيوتر من مواقع داخل روسيا، الأمر الذي نفاه الكرملين.

وفي يناير الماضي، قال وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان، في رده على سؤال عما إذا كانت فرنسا بمنأى عن هجمات مماثلة للحملة الإلكترونية التي عززت فرص نجاح ترامب في الانتخابات “بالطبع لا، يجب ألا نكون ساذجين”، وأضاف “أجهزتنا بحثت الموضوع لاستخلاص الدروس من أجل المستقبل”.

ومن ألمانيا، جاء التحذير على لسان رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية برونو كال الذي حذر من عمليات قرصنة روسية محتملة لعرقلة الانتخابات التشريعية.

وقال إن وكالته على علم بهجمات إلكترونية لا هدف لها إلا بث حالة من “عدم اليقين السياسي”. وأضاف كال لصحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” الألمانية أن “أوروبا محط تركيز محاولة التخريب هذه، لا سيما ألمانيا”.

وستبدأ الحملات الانتخابية في ألمانيا في خريف عام 2017، وقد أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن نيتها الترشح لولاية رابعة. وقالت ميركل للصحافيين إن الهجمات الإلكترونية أضحت شيئا شائعا، وأن على المواطنين ألا يسمحوا لهذه الهجمات بأن تنال منهم.

وأضافت أن “مثل هذه الهجمات الإلكترونية، أو النزاعات الهجينة كما تُعرف في العقيدة الروسية، أضحت اليوم جزءا من الحياة اليومية، وعلينا أن نتعلم كيف نتعامل معها”.

حرب الكترونية باردة

في العام الماضي اتهمت وكالة المخابرات الداخلية الألمانية روسيا بالوقوف وراء سلسلة من الهجمات الإلكترونية على أنظمة كمبيوتر خاصة بالحكومة الألمانية، منها مجلس النواب.

ووجهت أصابع الاتهام في تلك الهجمات إلى مجموعة تطلق على نفسها اسم “فانسي بير”، ويسود اعتقاد بأنها مرتبطة بالحكومة الروسية. كما يسود اعتقاد بأن هذه المجموعة استهدفت أجهزة كمبيوتر خاصة بالحزب الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه ميركل.

ولم تتوقف الاتهامات بالتدخلات الروسية عند حدود هذه البلدان، فقد قال وزير المالية البريطاني فيليب هاموند إن هيئة جديدة لمكافحة الهجمات الإلكترونية بدأت عملها قبل ثلاثة أشهر ودشنته الملكة البريطانية إليزابيث الثانية نجحت في التصدي لنحو 188 هجوما إلكترونيا.

وقال هاموند في كلمة بمناسبة الافتتاح “نلاحظ زيادة في الهجمات المعلوماتية من حيث الوتيرة والخطورة والتطور”. وتعهد بـ”استثمار المصادر الضرورية” داعيا إلى العمل “بروح الفريق” لمواجهة الهجمات التي تستهدف الشركات والأفراد.

ومع تزايد الهجمات المعلوماتية في الدول الصناعية، تهدف الاستراتيجية الجديدة خصوصا إلى تأمين المواقع الحكومية والحسابات الإلكترونية بشكل أفضل.

وكان وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون اتهم مطلع فبراير روسيا باستخدام التضليل “سلاحا” من أجل زعزعة الاستقرار في الغرب، وهاجم خصوصا عمليات القرصنة على الإنترنت التي يقوم بها الكرملين.

وقال إن “روسيا تختبر بشكل واضح حلف شمال الأطلسي والغرب”، مؤكدا أن الحلف “يجب أن يدافع عن نفسه في مجال المعلوماتية بالفاعلية ذاتها التي يدافع بها عن نفسه جوا وبرا وبحرا”، فيما صرح رئيس المركز الجديد للأمن المعلوماتي سيارن مارتن الثلاثاء لإذاعة “بي بي سي4″ بأنه “لا يمكن التشكيك في أننا نتعرض منذ سنتين لزيادة في الهجمات المعلوماتية ضد الغرب من قبل روسيا”.

وفي تعليق بشأن رؤيتها لوسائل الإعلام المملوكة للدولة الروسية التي تبث أخبارها بلغات أجنبية مثل “سبوتنيك” و”روسيا اليوم”، قالت المتحدثة باسم حلف شمال الأطلسي أوانا لنجيسو، في تصريحات لصحيفة تلغراف “هذه الطريقة ليست لعدم إقناع الناس، إنما لإرباكهم، ليست لتقديم وجهة نظر بديلة، إنما لتقسيم الرأي العام، وتقويض قدرتنا على فهم ما يجري في نهاية المطاف“.

صحافي تونسي

6