الانتخابات بالمغرب.. تمرين ديمقراطي مستمر

الجمعة 2016/10/07

تمرين الديمقراطية بالمغرب يتمّ على مراحل ولا داعي إلى الشكوى إذا كانت الطريق محفوفة بالمخاطر على مكسب الديمقراطية، ومنها أيضا. عدم الرفع من منسوب نتائجها وامتداداتها إذا لم نحفر عميقا لترسيخ جذورها.

نعم ديمقراطية المغرب ليست على شاكلة ديمقراطية إنكلترا لأن التربة تختلف، لكن هذا لا يعني الوقوف دون العمل على صناعة محلية تراهن على مستقبل أفضل وتعتمد على المتاح الفكري والاقتصادي والسياسي. والمتاح شحيح مع الأسف، إلا من إرادة حقيقية للتغيير والإصلاح لمسناها في سلوك وخطاب أعلى هرم في الدولة، واستجابة أصيلة من القوى المؤمنة بأهمية ما تحقق، والطموح إلى الأفضل.

لم يخلف المغرب موعده مع ديمقراطية المشاركة عبر الصندوق كمكتسب ديمقراطي مع ما تعتريه من مطبات وحوادث طريق. فما تفرزه الصناديق تعبير عن إرادة من وضعوا أوراق التصويت داخل الصندوق، وما تفرزه الصناديق هو تعبير نسبي عن رأي يمكن أن يتغير غدا في ظروف وسياقات مغايرة.

نعم هناك توحّش الريع وتغوّل الفساد وثقوب في جلباب الطبقة الوسطى التي تشكل درعا واقيا من أيّ صدمات اجتماعية قاتلة. فبماذا يمكن محاربة هذا الثلاثي الخطير؟ هل بالانسحاب من الساحة وتركها لضباع السياسة تنهش في جسم المجتمع؟ أم بتكوين رادع من الديمقراطية والمشاركة والإصرار على معادلة الإصلاح والاستقرار دون مساومة على هذين المكسبين.

المغرب ليس سوريا، وما يحدث في هذا البلد العزيز علينا ليس سببه غياب الديمقراطية، أو لأن المواطن السوري أراد مقايضة أمنه واستقراره بالفوضى واختارها منهجا لحياته. لا، ما يحدث في سوريا خطة جهنمية يمكن أن تسري على كل الدول، حتى وإن كانت نسبة الديمقراطية فيها مئة بالمئة.

إيلاء المواطن المغربي الأهمية القصوى في أي برنامج انتخابي هو الخيار الأمثل للمضي في تحديث المجتمع وتطوير عمل المؤسسات المنتخبة بما يتلاءم والضرورات الداخلية في تحصين المكتسبات وتجنب الإكراهات الخارجية

من يحذرون من سيناريوهات الشرق هم في الحقيقة يخوّفون ويرعبون الوطن والمواطن المغربي بمصير لا نرغب فيه كلنا، إذا هو اختار لونا سياسيا عبر الصندوق الزجاجي. هؤلاء يجب أن يعيدوا النظر في تكتيكهم الإقناعي ويمارسوا المعارضة السياسية بأسسها ومنهجيتها وسلوكها. والدستور الذي اختاره المغاربة قانون أسمى لتنظيم واقعهم، يعطي المعارضة امتيازات معتبرة لا تحتاج إلى إرادة ومسؤولية حقيقيتين لتنزيلهما إلى أرض الواقع.

إيلاء المواطن المغربي الأهمية القصوى في أي برنامج انتخابي أو سياسي أو اقتصادي أو تنموي هو الخيار الأمثل للمضي قدما في تحديث المجتمع وتطوير عمل المؤسسات المنتخبة بما يتلاءم والضرورات الداخلية في تحصين المكتسبات وتجنب الإكراهات الخارجية من خلال خلق إجماع وطني حقيقي حول تدبير القضايا الاستراتيجية الكبرى، ومنها قضية الصحراء المغربية.

لقد صادق المغاربة على الدستور المغربي بالإجماع في 29 يوليو 2011، وقد شكل بشهادة جل المتتبعين منعطفا قويا في الحياة السياسية المغربية، وفرصة جيدة لتمكين السيادة الفعلية للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثلي الشعب داخل البرلمان.

الانتخابات التشريعية المغربية لهذه السنة هي الثانية بعد دستور 2011، والذي جاء نتيجة عدة حراكات اجتماعية وتراكمات في الممارسة الديمقراطية، شكلت لبنة في المضي قدما نحو تحديث المجتمع وترسيخ مفهوم دولة الحق والقانون. وتلك الانتخابات ليست سوى إجراء عملي وترجمة ليست حرفية للديمقراطية كتدبير للاختلاف.

نرى أن إرساء الديمقراطية في المغرب، ليس فقط من خلال اشتراط الدستور الجديد بأن يكون رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر الانتخابات التشريعية، والتوسيع من صلاحياته، واختصاصات مهمّة للسلطة التشريعية، وموقع المعارضة والارتقاء بالقضاء كسلطة مستقلة، ورغم أن هذه المكتسبات مهمّة، إلا أن تأهيل المواطن للانخراط في العملية السياسية هو الكفيل بترسيخ تلك المكتسبات وتقويمها عبر توعية المجتمع بحقوقه وواجباته.

وبتعبير آخر يجب الاستثمار في الإنسان المغربي كي يستطيع إنجاز مواكبة حقيقية وفعالة لكل ما يعتمل داخل مجتمعه، وتكوين نخبة سياسية ملتصقة بهموم الشعب ومشاكله، وكل ولائها لوطنها ومؤسساته. فالاستثمار في الإنسان المغربي يجرنا إلى الحديث عن ضرورة توفير تعليم قوي وتكوين مهني مواكبين للمستجدات ومؤسسات صحية مُواطِنة.

التعليم والصحة هما الأساس في مصالحة الناس مع السياسة، والطريق لوضع ثقتهم في الساسة، وبغير ذلك ستكون الطريق طويلة لتحقيق ديمقراطية حقيقية ومتأصلة في ثقافة وسلوك المواطن.

كاتب مغربي

8